Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تخويف وعنف: كيف يستغل مرابو القروض أزمة غلاء المعيشة في بريطانيا؟

أكثر من نصف عدد الضحايا الذين استدانوا أموالاً من مقرضين غير مرخص لهم في المملكة المتحدة العام الماضي دفعتهم إلى ذلك الحاجة لتأمين كلف الطعام والوقود لكن سرعان ما بدأ بعضهم يخشى على حياته

ازدهرت أعمال مرابي القروض في بريطانيا بسبب تراكم أوضاع سيئة تؤثر في الذين لا يستطيعون الحصول على ائتمان من بنوك رئيسة (غيتي)

ملخص

تدفع الضائقة المالية كثيراً من البريطانيين نحو أيدي مرابي القروض ليصبحوا بعدها تحت رحمتهم بسبب الفوائد العالية التي يفرضوها عليهم مع ما يرافقها من تهديدات في حال عدم الدفع

في شتاء العام الماضي كشفت كلير لإحدى الأمهات في المدرسة التي يرتادها أطفالهما عن أنها تعاني ضائقة مالية، وتقول المرأة التي تبلغ من العمر 32 سنة "أبلغتني بأنها تعرف شخصاً يمكنه المساعدة، وعلى رغم أنني كنت مرتابة بعض الشيء إلا أنني كنت أيضاً في حال من اليأس".

كلير وهي أم عازبة لطفلين كانت تدبر دخلها من عملها في رعاية الأطفال من دون أي دعم مالي من شريكها السابق، ومع ذلك فقد ساءت حالها عندما تركها فجأة أحد أطفالها الذين كانت تعتني بهم، في وقت كانت فيه كلف الغاز والطعام ترتفع بسرعة.

وتضيف، "سبق أن تراكمت الديون على بطاقتي الائتمانية ولم أتمكن من سداد المدفوعات، وفي حينها عرّفتني إحدى الأمهات على جون الذي قال إنه يمكنه إقراضي مبلغ 500 جنيه استرليني (645 دولاراً أميركيا)، وقد كان ودوداً ولم أكن أعرف ماذا أفعل فاقترضت المال. أدرك أن تصرفي يبدو غبياً لكنني لم أعلم حتى بأنه كان أحد مرابي الديون أو من يعرفون بـ "قروش القروض" Loan Sharks [يقرضون المال بسهولة لكن بفوائد مرتفعة، ويفرضون شروط تحصيل صارمة في حال فشل المستدينين في السداد]".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كانت الصفقة التي أجرتها كلير مع المدعو جون تشبه ما يمكن وصفه بـ "فقاعة مزدوجة"، فقد طالبها بسداد ما مجموعه 1000 جنيه استرليني (1290 دولاراً)، وعندما تعذر عليها سداد الدفعة الثانية قفز المبلغ فجأة إلى 1500 جنيه استرليني (1935 دولاراً)، ثم بالوتيرة السريعة نفسها ارتفع مرة أخرى، وقبل أن تستوعب ما يحدث تحولت حياتها إلى "كابوس".

وتضيف، "استمر المبلغ المستحق علي في الارتفاع وتحول ذلك الشخص ليصبح عدائياً، كان يقرع بابي حتى في ساعات متأخرة من الليل، واضطررت كي أتمكن من الوفاء بأقساط السداد إلى التقليل من كل شيء، بدءاً من استهلاك الطاقة ووصولاً إلى كلف طعام الأطفال، فيما كان يتحدث إلي بأسلوب يثير القلق كقوله مثلا ’إن طفليك بحاجة إليك، فماذا سيحدث لهما إن أصبحت غير موجودة؟‘".

وتقول، "شعرت برعب شديد يسيطر عليّ ولم أستطع النوم في الليل، وعندما وصلت إلى حافة الانهيار شعرت برغبة قوية في الانتحار، ولم يكن لدي خيار سوى مواصلة الدفع له ولم أستطع أن أرى أي مخرج آخر أمامي".

كلير إحدى الحالات المقدر عددها بنحو 3 ملايين في البلاد لأفراد اضطروا للاستعانة بمقرض أموال غير شرعي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة نتيجة استفحال أزمة غلاء المعيشة في المملكة المتحدة.

وفي هذا الإطار كشفت دراسة استقصائية جديدة أجرتها شركة "إبسوس" Ipsos لأبحاث السوق واستطلاعات الرأي بطلب من منظمة "فير فور أول فاينانس" Fair4All Finance غير الربحية [تساعد الأشخاص الذين يعانون ضائقة مادية على الوصول إلى الخدمات المالية العادلة والمناسبة لهم] أن قرابة سبعة في المئة من الأفراد الذين تتفاوت أعمارهم ما بين 18 و75 سنة قالوا إنهم هم أو أحد أفراد أسرتهم استدانوا مبالغ من مقرض أموال غير مرخص له يتقاضى فائدة ويعرف بـ "قرش القروض"، وتبين من البحث أن أكثر من 3 ملايين شخص لجأوا إلى مقرض أموال غير شرعي خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة.

يشار إلى أنه مع ارتفاع معدل تضخم أسعار الغذاء في بريطانيا إلى 14.6 في المئة تغيرت التركيبة السكانية المستهدفة من جانب هؤلاء المقرضين، فأفراد الطبقة العاملة الذين يتفاوت متوسط دخلهم [السنوي] ما بين 20 ألفاً و24999 جنيه استرليني (25800 و32249 دولاراً) كانوا أفضل حالاً من خمس السكان الأشد فقراً في البلاد، لكن ارتفاع كلف المعيشة جعلهم أكثر عرضة للاستغلال المالي.

وأظهرت أرقام أخرى أصدرها "فريق الإقراض المالي غير القانوني في إنجلترا" England Illegal Money Lending Team (IMLT) ، وهو وحدة متخصصة في مراقبة معايير التجارة ومسؤولة عن مكافحة ممارسات المقرضين غير القانونيين، أن أكثر من نصف عدد الضحايا الذين استدانوا أموالاً من هؤلاء المرابين خلال العام الماضي إنما قاموا بذلك للتمكن من دفع كلف طعامهم ووقودهم.

الرئيسة التنفيذية لمؤسسة "فير فور أول فاينانس" ساشا رومانوفيتش أكدت أن ممارسات المقرضين غير الشرعيين آخذة في الانتعاش بسبب مجموعة من العوامل التي أدت إلى ما يعرف بـ "العاصفة المثالية" Perfect Storm [وضع سيئ تلتقي فيه مجموعة من الظروف غير المواتية] للأفراد غير القادرين على الحصول على ائتمان من بنوك تقليدية.

وقد انهار عدد من الجهات المقرضة ذات الكلفة المرتفعة بما فيها شركات منظمة للقروض مثل "شركات القروض الصغيرة" Payday Loan Companies [نوع من الاقتراض قصير الأجل يقوم المقرض فيه بإعطاء ائتمان ذي فائدة مرتفعة بناء على دخل المستدين لتلبية حاجات مالية ملحة] في أعقاب الإجراءات التنظيمية الصارمة، وتزامن ذلك مع بدء الكلف اليومية في الارتفاع.

وترى رومانوفيتش أن "هناك فجوة في الحاجة لائتمان ميسر الكلفة تقدر بنحو 3 مليارات جنيه استرليني (3.87 مليار دولار)، والنتيجة هي أن ملايين الأشخاص القادرين على سداد قرض عادل لم تعد أمامهم خيارات آمنة، وإذا كان الناس بحاجة إلى خدمة ولم تكن متوافرة فهذه هي الطريقة الأقرب لبروز السوق السوداء".

وعلى رغم أننا قد نفترض أنه لا يمكن لنا أبداً الوقوع في موقف نضطر فيه إلى اللجوء لأحد مرابي القروض، إلا أن حدوث ذلك أكثر احتمالاً مما نتخيل. وتقول، "إذا فقد أحد وظيفته فسيتعثر في سداد دفعتين من مدفوعات بطاقة الائتمان، مما يفقده تالياً تصنيفه الائتماني، ويمكن أن يعتبر فجأة شخصاً يشكل حصوله على المنتجات المصرفية في البنك الذي يتعامل معه مخاطرة كبيرة بالنسبة إلى المصرف، ثم إلى أين سيذهب؟".

"مؤسسة جوزيف راونتري" الخيرية Joseph Rowntree Foundation [منظمة تجري أبحاثاً تهدف إلى حل مشكلة الفقر في المملكة المتحدة] أفادت بأن نحو 2.8 مليون أسرة منخفضة الدخل رفضت طلبات تقدمت بها للحصول على قرض خلال الفترة الممتدة ما بين مايو (أيار) 2021 والشهر نفسه من العام الحالي، وفي المقابل تشير بيانات منظمة "سيتيزنز أدفايس" Citizens Advice [الخيرية المتخصصة في تقديم المشورة ومساعدة الأفراد في مشكلاتهم القانونية والديون] إلى اتجاه مماثل، فما بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) هذا العام ساعدت المنظمة عدداً قياسياً من الأفراد من خلال إحالتهم إلى بنوك طعام أو إلى منح خيرية طارئة.

وعلى نقيض التصور السائد حول "قروش القروض" في أنهم عادة أفراد غامضون يعملون في الخفاء، فإن كثيراً منهم مألوفون في الواقع بالنسبة إلى ضحاياهم، من الزميلات الأمهات في المدرسة أو فرد عادي في حانة محلية الذي يبدو أنه يظهر فجأة عندما يكون شخص ما في حاجة ماسة إلى مساعدة مالية.

ويستخدم آخرون منصات التواصل الاجتماعي بما فيها "فيسبوك و"واتساب" و"إنستغرام" للعثور على ضحايا محتملين، وقد تكون عروض المساعدة التي يقدمونها في البداية غير ضارة، لكن الأخطار لا تلبث أن ترتفع بشكل كبير.

ويقول "فريق الإقراض المالي غير القانوني في إنجلترا" إن المقرضين غير القانونيين يفرضون على الضحايا معدلات فائدة خيالية تصل إلى 130 ألفاً في المئة، وأبلغ أحد هؤلاء المرابين باحثين بأن "حجم الأموال المسترجعة فلكي كما تعلمون، وكلما تعثر المستدينون في السداد كلما كان ذلك أفضل".

ويمكن أن تكون العواقب وخيمة في حال التعثر عن الدفع، بحيث يصل الأمر ببعض المجرمين إلى استخدام العنف الجسدي أو حتى الجنسي، وتشمل الجرائم التي قاضى "فريق مكافحة الإقراض المالي غير القانوني في إنجلترا" المقرضين عليها غسل الأموال والابتزاز والاعتداء والاغتصاب.

وتوضح مديرة التنسيق في "فريق الإقراض المالي غير القانوني في إنجلترا" كاثرين وولرز أنه "يمكن أن يكون التأثير في حياة الناس مدمراً، وفي إحدى الحالات الحديثة كانت امرأة لديها أربعة أطفال تكسب 1088 جنيهاً استرلينياً (1434 دولارات) في الشهر، وكانت تعطي 900 جنيه (1161 دولاراً) منها لمرابي القروض الذين كانوا لا يأبهون بعدم قدرتها على دفع إيجار مسكنها أو شراء الطعام لأفراد أسرتها، فما يبتغونه هو فقط أموالهم".

وتضيف أن "امرأة أخرى كانت تقترض 500 جنيه استرليني (659 دولاراً) منتصف كل شهر، وكان عليها أن ترد للمقرض 1000 جنيه استرليني (1290 دولاراً) في يوم استحقاق الدفع، وبما أنها تكون قد دفعت 1000 جنيه استرليني فعليها أن تقترض مجدداً 500 جنيه. إنها عالقة في تلك الدوامة لمدة ثمانية أعوام وغير قادرة على كسر الحلقة".

وتتابع وولرز، "هذا التأثير المالي وأما التأثير العاطفي فهو أسوأ، فنحن نسمع طوال الوقت عن أفراد يهددون بأن قطتهم ستقتل أو ’لم تخبر شريكك عن هذا القرض لذا سأكشف له ذلك‘ وفي إحدى الحالات قام أحد الرجال بسداد قرضه لكن مرابي الديون تآمر لكي يفقد وظيفته ويجبر على اقتراض المزيد، إنهم أذكياء فهم يحللون التهديدات التي يمكن استخدامها على المستدينين".

انتهت الحال المرعبة التي تعيشها كلير بعدما لجأت إلى أحد أفراد أسرتها من الذكور الذي قام بتسديد ديونها وحذر قريبها جون بوجوب الابتعاد منها، وتعتبر نفسها محظوظة لأن لديها شخصاً استطاع المبادرة إلى مساعدتها.

تقول، "شعرت بخجل ولم أرغب في أن يعرف أحد، لكن عندما بدأ الأمر يخرج عن السيطرة كان عليّ أن أتخلى عن كبريائي من أجل أطفالي، وما مررت به كان أسوأ تجربة في حياتي وما زلت غير قادرة على تخطي هذه الشعور، أنا قلقة للغاية ومزاجي متقلب وأخشى أن ألتقي المرابي من جديد".

كريس (46 سنة) قام باقتراض 1000 جنيه استرليني (1290 دولاراً) من أحد المرابين بعدما فقد وظيفته عام 2021 يقول، "كنت بحاجة إلى مبلغ أتدبر به أموري لكن طلبي بالحصول على بطاقة ائتمان أخرى رفض، فقدمني رفيقي إلى شخص كان استعان به سابقاً".

وأضاف، "كنت أعلم أنه من عصابة مرابين لكنني لم أعتقد آنذاك أنه كان لدي أي خيار آخر، فحصلت على وظيفة جديدة بسرعة لكنني تأخرت في سداد دفعتين مما يعني كما قال إنه عليّ أن أسدد مبلغ 5 آلاف جنيه استرليني (6450 دولاراً). كان رجلاً ضخم البنية وتلتف حوله دائماً عصابة من الأفراد الآخرين مما كان يثير الرعب في نفسي، فأنا لست شخصاً يخوض شجارات وكنت أخشى دائماً من أن أتعرض للضرب".

ويتابع، "كانت تلك الفترة مروعة ومرهقة للغاية فقد تعرضت للتهديد عبر تطبيق ’واتساب‘ وواجهت جميع أنواع الصعوبات، بما فيها عدم القدرة على دفع نفقات إعالة أطفالي من زواجي السابق، فاضطررت إلى الانتقال والعيش مع صديق لي مدة ستة أشهر، وفي النهاية سددت المبلغ بالكامل وتركت لشأني".

ويضيف كريس، "كنت أدرك تماماً أن هناك احتمالاً بأن تنزلق الأمور إلى ما هو أسوأ، إذ سمعت عن أشخاص آخرين كان عنيفاً معهم، ولذلك فعلى رغم أنني تعرضت للنهب على نطاق واسع إلا أنني كنت محظوظا".

يعمل "فريق الإقراض المالي غير القانوني في إنجلترا" مع مستشاري الديون وجمعيات خيرية وجمعيات الإسكان للقبض على مقرضي الأموال غير القانونيين، وقد قامت برفع أكثر من 400 قضية (لدى إسكتلندا وويلز فرقهما الخاصة)، كما أن لديها خط مساعدة معروف بـ "أوقفوا مقرضي المال" Stop Loan Sharks وهو متوافر على مدى 24 ساعة، إذ يمكن للمقترضين الإبلاغ عن الحوادث وتلقي الدعم المناسب.

يشار إلى أن كثيراً من الضحايا يشعرون بخوف شديد من الإبلاغ عن تجاربهم، ومع ذلك يشدد "فريق الإقراض المالي غير القانوني في إنجلترا" على أنه من أجل إقراض الأموال بشكل قانوني يجب أن تخضع الشركات للتنظيم من جانب "هيئة السلوك المالي" Financial Conduct Authority، وإلا فلا يمكن تنفيذ العقد، ولقد تمكن الفريق من شطب نحو 90 مليون جنيه استرليني (118 مليون دولار) من الديون غير القانونية.

مع ذلك فإن محاولة وضع حد للاستغلال ليست سوى جزء واحد من الحل، فالجزء الآخر يكمن في تلبية الحاجة إلى ائتمان ميسر بأسعار معقولة.

وفي هذا الإطار تقول ساشا رومانوفيتش إن "كثيراً من الناس ليسوا على دراية بالخيارات المتاحة في هذا المجال، من خلال الاتحادات الائتمانية وغيرها من المؤسسات المعنية بتقديم التمويل المجتمعي التي غالباً ما تكون قادرة على إقراض العملاء بشروط أفضل من جهات الإقراض الكبرى المعروفة، وإضافة إلى ذلك تمتلك هذه المؤسسات برامج وخططاً محددة لمساعدة المقترضين الأكثر ضعفاً".

أما مؤسسة "فير فور أول فاينانس" فتعمل على زيادة التشريعات القانونية للائتمان في هذا القطاع، وتقول "نحاول أيضاً التأثير في تغيير السياسات المعمول بها لإرساء بنية تمويلية أكثر تكافؤاً وإنصافاً عندما يتعلق الأمر بالحصول على ائتمان من البنوك".

ومع استمرار الارتفاع في كلف المعيشة خلال الأشهر المقبلة فمن المتوقع أن يلجأ مزيد من الأشخاص اليائسين إلى هؤلاء المرابين، وتحض كلير أي "شخص يفكر في الاستعانة بأحد هؤلاء على التفكير مرتين قبل أن يقدم على خطوته".

وتختم بالقول، "قد لا يبدو الأمر كذلك لكن هناك دائماً خيارات أخرى، إن اللجوء إلى هؤلاء المقرضين لا يستحق العناء أبداً".

* تم تغيير الأسماء

يمكن العثور على قائمة الاتحادات الائتمانية ومقدمي التمويل الموثوقين على الرابطين الآتيين:

findyourcreditunion.co.uk وfindingfinance.org.uk

© The Independent

المزيد من تحقيقات ومطولات