Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القروض الاستهلاكية... السقوط الحر في شباك الديون

يأتي اقتراض معظم المصريين للإنفاق على الرفاهيات والسلع الاستفزازية وحيلة التقسيط فخ ينتهي بتعثر السداد

عوامل عدة تدفع المصريين نحو الاقتراض لشراء السلع في مقدمتها الظروف الاقتصادية الصعبة (أ ف ب)

ملخص

سقط كثير من المصريين في فخ إدمان القروض بهدف اقتناء مزيد من السلع التي تصنف بـ"الترفيهية"

تشكل ظاهرة اقتراض المواطنين في مصر حالاً فريدة، فهي على العكس تماماً من ثقافة الاقتراض الدارجة في الدول الأخرى التي يحكمها منطق الأولويات، إذ يأتي اقتراض المصريين في الغالب للإنفاق على الرفاهيات والسلع الاستفزازية (مصطلح تجاري وإعلامي للإشارة إلى السلع غير الضرورية)، وفقاً لمتخصصين في الاقتصاد وعلم الاجتماع.

ظاهرة الاقتراض من المصارف والشراء بالتقسيط أضحت فخاً يجذب أفراد الطبقات الدنيا في مصر، بينما لعبت التكنولوجيا عاملاً مهماً في انتشارها عبر تطبيقات الشراء بالتقسيط، وفي ظل التحول الرقمي في القطاعات المصرفية الذي سعى إلى تيسير طرق الحصول على القروض ببطاقات الهوية الشخصية، سقط آخرون في فخ إدمان القروض بهدف اقتناء مزيد من السلع التي تصنف بـ "الترفيهية"، فيما انتهت مئات القروض الاستهلاكية التي حصل عليها أرباب أسر يفتقدون الثقافة المالية في حدها الأدنى بهم داخل السجون بعد عجزهم عن السداد.

وأوضحت النشرة الإحصائية الصادرة عن البنك المركزي المصري في مارس (آذار) الماضي ارتفاع إجمال القروض المقدمة من المصارف للأفراد بالعملة المحلية لتسجل 733 مليار جنيه (23.75 مليار دولار)، فيما بلغت نسبة استحواذ الأفراد على القروض المقدمة من المصارف نحو 19.1 في المئة من إجمال قروض البنوك كافة.

تجربة مريرة

يقول الموظف محمود علي (41 سنة)، إنه لن يكرر تجربة الحصول على قرض مصرفي مرة أخرى مهما كانت العروض، إذ حصل على قرض عام 2014 بقيمة 50 ألف جنيه (1620 دولاراً أميركياً) سددها على خمس سنوات بقيمة 73 ألف جنيه (2365 دولاراً أميركياً).

ويوضح علي أن القرض كان استكمالاً لثمن وحدة سكنية جديدة بهدف الانتقال إلى مسكن أكبر من حيث المساحة وأفضل من حيث الموقع، "كان أكبر خطأ ارتكبته، فالقرض قلب حياتي وكانت على وشك التدمير، وتدهورت أوضاعي المالية بشكل غير منطقي على مستوى العمل الذي سرح الموظفين، واضطررت إلى بيع منزلي القديم والاستدانة ممن حولي والدخول في جمعيات لسداد ديوني، وقبلت العمل في ثلاثة أماكن وبشكل غير آدمي لسداد أقساط القرض والإنفاق على أسرتي، وهو وضع استمر أربع سنوات".

وأضاف، "كنت أنام في اليوم أقل من أربع ساعات لأستكمل الدوران في دوامة العمل في ظروف بالغة الصعوبة وضرورة تحمل الضغوط اليومية، والآن أشتري ما أحتاج بالتقسيط عبر آخرين لديهم تطبيقات للشراء بالتقسيط، وفي حدود قدراتي على سداد الأقساط والسلع الضرورية فقط".

وفي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2017 قال مركز الأزهر للفتوى إن جمهور الفقهاء أقروا جواز البيع بالتقسيط، وإنه لا يجوز زيادة الثمن حال تأخر المشتري عن الأجل المحدد للسداد بعد البيع، أما الاتفاق بعد إبرام العقد على أنه كلما زاد الأجل زاد الثمن، فلا يجوز.

حيل رأسمالية

المتخصص في علم الاجتماع عبدالحميد زيد رأى أن ظاهرة الشراء بالأجل أو بالتقسيط والاقتراض البنكي وسيلة من وسائل الرأسمالية الحديثة التي تهدف إلى تنشيط السلاسل التجارية التي لديها فائض في إنتاج السلع وضعف في المبيعات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأشار زيد إلى أن بحث التجار عن زيادة المبيعات وتحقيق الربح السريع يدفعهم إلى البحث عن وسائل تسهيل عمليات الشراء باستهداف شرائح جديدة، بخلاف تلك التي تمتلك المال، فمن لديهم قوة شرائية عالية لن يحققوا الربح المطلوب أو حجم طموح التجار والشركات، ومن ثم يلجأون إلى توفير المنتجات بالتقسيط وتضمينها منتجات مثل "السلع المعمرة"، كالثلاجات وغسالات الملابس، لاجتذاب شرائح أكبر لديها الحاجة للمنتج، لكنها غير قادرة مادياً على الشراء نقداً لتلجأ بطبيعة الحال إلى الاقتراض من المصارف أو الأقارب لشراء هذه المنتجات.

زيد أكد أن دفع المواطنين نحو الاقتراض لشراء السلع ظاهرة مخطط لها بعناية من التجار والشركات الرأسمالية، لتوسيع قاعدة عملائها وجذب مستهلكين جدد ودفعهم إلى الاستدانة لشراء سلع قد تكون غير ضرورية، من الهواتف المحمولة أو الملابس من دون الحاجة إلى سداد قيمتها بشكل فوري.

وأشار المتخصص في علم الاجتماع إلى أن هناك عوامل تدفع المواطنين نحو الاقتراض لشراء السلع وفي مقدمها حال العوز، ثم الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعد أحد العوامل المؤثرة والثقافة العامة التي قد تدفع رب أسرة إلى الحصول على قرض لتجهيز ابنته للزواج. وتابع، "القرض أصبح اختياراً إجبارياً"، وكذلك يعد من هذه الأسباب والمحاولات والحيل التسويقية للشركات لدفع العملاء نحو زيادة عمليات الشراء، مؤكداً أن تيسير طرق التقسيط أسهمت في زيادة نهم المواطنين للشراء، لكن يبقى احتياج العميل وظروفه المادية هما من يحددان مدى إقباله على شراء منتج من عدمه.

وحول عواقب الاقتراض من دون ضابط من قبل المواطنين، وأزمة مثل الغارمين التي تقترن بالاستغلال من قبل التجار وإجبار المواطن على توقيع شيكات أو ايصالات "على بياض"، أكد زيد أن كل شخص مسؤول عن قراره الاقتصادي وعليه تحمل تبعاته، "لا تسأل محتاجاً أو جائعاً أو مضاماً عن سلامة قراره الاقتصادي".

شبح السجن

وتحكي ربة منزل من محافظة المنيا جنوب مصر، والتي طلبت عدم نشر اسمها، مأساتها مع الاقتراض إذ تعول خمسة أبناء توفي أبوهم بعد إصابته بجلطة تاركاً معاشاً لا يكفي لتربية الأبناء.

وتقول الأم المصرية إنها تكفلت برعاية أسرتها وتلبية حاجاتهم حتى وصلت ابنتها الكبرى سن الزواج، وكان عليها تجهيزها ولم تجد بديلاً سوى اقتراض مبلغ من المال.

وفي ظل تزايد الضغوط المادية عليها عجزت عن سداد الأقساط وواجهت شبح دخول السجن لولا مساعدات الجيران وبعض الجمعيات الخيرية.

وفي مارس الماضي أصدر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي عفواً رئاسياً عن 85 شخصاً من الغارمين والغارمات، بينهم 40 سيدة و45 رجلاً ممن يقضون عقوبات بمراكز الإصلاح والتأهيل.

وتراجعت قروض التجزئة البنكية خلال أبريل (نيسان) الماضي للمرة الأولى خلال 47 شهراً تحت تأثير رفع الفائدة المتتالي وتراجع قدرة الأفراد على الاقتراض.

وقال البنك المركزي المصري إن قروض التجزئة سجلت في أبريل الماضي 805.2 مليار جنيه (26 مليار دولار) في مقابل 810 مليارات جنيه (26.24 مليار دولار) بنهاية مارس الماضي، وهو أول انخفاض منذ مايو (أيار) 2019.

وتواجه البنوك المصرية تحدياً جديداً في ظل انتشار تطبيقات التمويل الاستهلاكي الإلكترونية، وكان من المفترض أن تستهدف شركات التمويل الاستهلاكي شرائح جديدة من غير المتعاملين مع البنوك، لكن ما حدث هو استهدافها عملاء لديهم سجل ائتماني أو سبق وحصلوا على قروض بنكية، وتسعى البنوك المصرية إلى مواجهة ذلك باستهداف شرائح جديدة من العملاء بمعدلات مخاطرة مقبولة.

قائمة الأكثر مبيعاً بالتقسيط

وكشف تقرير صادر عن الهيئة العامة للرقابة المالية في أبريل الماضي نمو حجم التمويلات الممنوحة لعملاء نشاط التمويل الاستهلاكي 58.3 في المئة خلال الفترة حتى ديسمبر (كانون الأول) 2022 على أساس سنوي.

وأوضحت الهيئة أن قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح خلال ديسمبر 2022 بلغ نحو 2.9 مليار جنيه (94 مليون دولار) في مقابل 1.8 مليار جنيه (58 مليون دولار) خلال ديسمبر 2021 بنمو 58 في المئة.

وبلغ عدد عملاء نشاط التمويل الاستهلاكي 247.9 ألف عميل خلال ديسمبر 2022 مقارنة بـ 130 ألف عميل خلال الفترة نفسها من العام الماضي بارتفاع 90.7 في المئة.

واستحوذت الأجهزة الكهربائية والإلكترونيات على الجزء الأكبر من قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح للسلع والخدمات بـ 35.5 في المئة خلال ديسمبر 2022، يليها شراء المركبات والسيارات بنحو 31.10 في المئة، ثم الأثاث وتجهيزات المنازل 7.1 في المئة، ثم الملابس والأحذية والحقائب والساعات والمجوهرات والنظارات 5.4 في المئة، ثم السلع المعمرة 4.29 في المئة.

وجاءت في المرتبة السادسة التشطيبات والتجهيزات المنزلية بـ 4.09 في المئة، ثم المواد الغذائية بـ 2.4 في المئة.

في حين حلت المشتريات الصادرة بفاتورة واحدة من المحال والسلاسل التجارية المختلفة في المرتبة الثامنة بـ 2.3 في المئة، واحتلت خدمات النوادي الرياضية وسلع أخرى المرتبة الأخيرة.

وأعلنت الهيئة أن قطاع التمويل الاستهلاكي شهد أداء طيباً خلال عام 2022، إذ بلغت قيمة التمويل الاستهلاكي الممنوح 29.8 مليار جنيه (965 مليون دولار) خلال عام 2022، مقارنة بـ 17 مليار جنيه (551 مليون دولار) تمويل استهلاكي ممنوح خلال عام 2021، محققاً معدل نمو بلغ 75.3 في المئة.

سلع استفزازية

ويشير المتخصص في الشأن الاقتصادي وليد جاب الله إلى أن الشراء بالتقسيط آلية منتشرة في كل دول العالم ومنها الاقتصادات المتقدمة، وأن هذا النمط موجود في مصر لكن من دون ترتيب الأولويات ومدى الحاجة إلى هذه السلعة أو غيرها.

وأشار جاب الله إلى أن النمط الاستهلاكي في مصر يتجه نحو شراء السلع الاستفزازية ثم الأجهزة الكهربائية وتجهيز المقبلين على الزواج، وهو منحى آخر يتسم بالمبالغة الشديدة إذا ما جرى ربطه بإمكان الشراء بالتقسيط، إذ يثير أزمات اجتماعية أبرزها قضايا "الغارمات" التي تضطر معها مؤسسات الدولة والمجتمع المدني إلى التدخل لنجدتهم من السجن، فمعظمهم مسجونون على ذمة قضايا بسبب الشراء بالتقسيط ثم عجزهم عن السداد.

وأكد جاب الله أن الأزمة ليست في التقسيط نفسه ولكن في نوع السلعة التي غالباً ما تكون غير ضرورية وتباع بسعر مرتفع لمواطن غير قادر على السداد، وهي الظاهرة التي تصل لدى بعضهم حد الإدمان، نافياً أن تكون الظروف الاقتصادية عائقاً أمام اتساع هذه الظاهرة، بل على العكس فنمو الظاهرة مرتبط بزيادة عدد السكان التي ترتبط بزيادة عدد المنتجين أيضاً.

ولفت إلى أن الأزمة الحقيقية تكمن في إتاحة وتبسيط إجراءات الاقتراض والتقسيط لشرائح تفتقر إلى الثقافة المالية وغالبيتهم من غير المتعلمين ممن يتورطون في مثل هذه السلع، ويحررون شيكات بقيمة الأقساط ثم يتعثرون في السداد.

وفي سياق متصل طالب أعضاء في مجلس النواب المصري منذ سنوات بوضع خطة متكاملة للحد من استيراد السلع الترفيهية وغير الضرورية التي تستهلك جزءاً من رصيد الدولة من العملات الأجنبية، بعدما ارتفعت فاتورة واردات مصر إلى 94.5 مليار دولار خلال عام 2022 في مقابل 89.2 مليار دولار خلال عام 2021.

وأعلنت الحكومة المصرية، الشهر الماضي، رفع التعرفة الجمركية على 364 سلعة "استفزازية"، بنسب متفاوتة تبدأ من 10 إلى 60 في المئة وتصل إلى 500 في المئة.

اقرأ المزيد