العراق... اتفاق أمني يكرس هيمنة "الشبك" على سهل نينوى

بعد مفاوضات شاقة في مدينة الموصل بين "الأمن الوطني" و"الحشد الشعبي"

عناصر من "اللواء 30" تقطع الطرق في سهل نينوى (أ. ف. ب)

على العكس مما كان متوقعاً، أعلن رئيس هيئة الحشد الشعبي العراقية فالح الفياض، التوصل إلى توافق أمني وسياسي بين القوى الأمنية والشرطة المحلية في منطقة سهل نينوى وفصل "اللواء 30" من الحشد الشعبي، المكون من عناصر من الشبك "الشيعة"، يقضي بأن يتعاون الطرفان ويُديرا السيطرات الأمنية المنتشرة في مناطق سهل نينوى، شمال شرقي مدينة الموصل التي تضم خليطاً سُكانياً دينياً وطائفياً وقومياً، وتُعد من المناطق المتنازع عليها بين إقليم كُردستان العراق والحكومة المركزية العراقية.

خلفية الاتفاق

كانت مفاوضات واسعة تجري في مدينة الموصل طوال اليومين الماضيين، بين مستشار الأمن الوطني العراقي والفياض، الذي ترأس وفداً عسكرياً وأمنياً مركزياً، ضم رئيس أركان الجيش عثمان الغانمي وقائد القوات البرية عناد الجبوري ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس، مع محافظ الموصل منصور المرعيد وقائد العمليات في محافظة الموصل نُعمان الزوبعي، لتحديد شكل إدارة منطقة سهل نينوى أمنياً وإدارياً.
الوفد المركزي كان قد وصل إلى مدينة الموصل من العاصمة بغداد، بعد الاضطرابات الأمنية التي شهدتها مناطق سهل نينوى خلال الأسبوع الماضي، وقد أدت إلى قطع خطوط النقل والتواصل التجاري بين مدينة الموصل وإقليم كُردستان، التي تمر عبر سهل نينوى. فالمئات من عناصر الحشد الشعبي والسكان من أبناء المكون الشبكي، كانوا يقودون احتجاجات عامة اعتراضاً على قرار رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، الذي أصدر أوامر ديوانية في الأول من شهر يوليو (تموز) الفائت، يقضي بسحب فصائل الحشد الشعبي من مراكز المُدن والبلدات والأقضية، نحو المُعسكرات المختصة، أسوة بألوية الجيش النِظامي وأفراده. هذا الأمر الذي اعتبرته فصائل عدة في الحشد الشعبي ضربة لنفوذها ومصالحها وهيمنتها، ومنها فصيل "اللواء 30" الشبكي الشيعي بقيادة وعد القدو، الذي نفّذ عناصره سلسلة من الاحتجاجات في مناطق سيطرته في سهل نينوى، كحرق الإطارات وقطع الطرق وتعطيل الحياة العامة.
كانت اعتراضات شعبية قد صدرت من سُكان سهل نينوى على سلوكيات هذا الفصيل من الحشد الشعبي، إذ اتهمته بممارسة سياسة تمييزية بحق السُكان المحليين، طائفية بحق العرب السُنة والأيزيدين، وقومية بحق الكُرد والآشوريين. فالسُكان المحليون يتهمون "اللواء 30" بالاستيلاء على الممتلكات العامة في تلك المنطقة وتحويلها مناطق خاصة، وبفرض أتاوات مالية على رجال الأعمال والعقود، وحتى على المواطنين العاديين في منطقة سهل نينوى، من دون أي قُدرة على مُقاضاة أو محاسبة أي من عناصر ذلك الفصيل.

تفاصيل الاتفاق

وفي وقت يضم الاتفاق مستويَين، أُعلن عن مستوى واحد فقط، وفق صرح مصدر خاص من مجلس محافظة الموصل لـ"اندبندنت عربية". وينص الاتفاق على إيجاد نقاط سيطرة مشتركة بين فصيل "اللواء 30" وعناصر من "عمليات نينوى"، يشمل كل الطُرق الرئيسة ومداخل المدن والبلدات في منطقة سهل نينوى. كما يُفترض أن يضم الفصيل الجديد قُرابة ألف عنصر من الحشد الشعبي، وإن كان العدد المعلن أصغر من ذلك، على أن تكون قيادة الجيش العراقي هي المرجعية العليا أمنياً وسياسياً لإدارة نقاط السيطرة المُشتركة هذه.
الجزء الثاني من الاتفاق يعني التخلي عن الأمر الديواني الصادر عن رئيس الوزراء، والقبول ببقاء "الحشد الشعبي" ضمن البلدات والمدن ونقاط السيطرة، وبالتالي القبول بالهيمنة العسكرية لفصيل "اللواء 30" من الحشد الشعبي على باقي سُكان السهل، والسيطرة السياسية للشبك (الشيعة) على المكونات الطائفية والقومية الأخرى.

تأثيرات الاتفاق الجديد

 يرى مراقبون متابعون لأحوال سهل نينوى أن للاتفاق الجديد تأثيراً واضحاً خلال الفترة المقبلة. فهو أولاً ضربة لتوجهات رئيس الوزراء العراقي، الذي كان قد أصدر قبل قُرابة شهر أمراً ديوانياً يقضي بسحب فصائل الحشد الشعبي من مراكز المدن. فتظاهر أبناء المكون الشبكي وقطعهم الطُرق وإيقافهم الحياة العامة في مناطق سهل نينوى لمدة يومين فحسب، دفعت السُلطة العسكرية والأمنية المركزية إلى الدخول في مفاوضات مع "اللواء 30" الشبكي والخضوع لمطالب هذا الفصيل، وهي آلية يُمكن لها أن تتكرر في مختلف مناطق انتشار الحشد الشعبي، بعدما أثبتت جدواها في حالة سهل نينوى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الناشطون المدنيون في تلك المنطقة أشاروا إلى الإخلال بالتوازن الذي يُمكن أن يُحدثه هذا الاتفاق. فطوال السنتين الماضيتين، عانى السُكان المحليون من سوء الأوضاع، نتيجة تنامي نفوذ أبناء المكون الشبكي على حساب المكونات الأخرى، السُنة الأكراد والعرب، الآشوريون المسيحيون والأيزيدون. فالشبك وحدهم ملكوا قوة عسكرية وأمنية طوال هذه الفترة، متمثلة بـ"اللواء 30"، وقد استخدمت القوى السياسية العراقية المركزية "الشيعية" هذا المكون للسيطرة على أبناء المكونات الأخرى في تلك المنطقة الحساسة. وسعت عمليات الضغط السياسي وحملات التأثير المدني على الحكومة المركزية إلى التعديل من ذلك الخلل في التوزان بين المكونات عبر الأمر الديواني السابق، لكن هذا الاتفاق جرى عكس ما كان متوقعاً، فالاتفاق الجديد يُثبت هيمنة العُنصر الشبكي، ويُشعر المكونات الأخرى بالقلق والضعف. وقد يدفع ذلك إلى استمرار نزوح السكان المحليين من تلك المناطق نحو إقليم كُردستان العراق، واستقرار المهاجرين منهم في مناطق نزوحهم، لأن الوضع الحالي لن يسمح بأي عملية لإعادة البناء والتنمية الاقتصادية.

موقف إقليم كُردستان

يشكل هذا الاتفاق ضربة لتطلعات إقليم كُردستان وتوجهاته للتوافق مع الحكومة المركزية لإعادة الإدارة والسيطرة الأمنية المشتركة على المناطق المتنازع عليها، حسب المادة 140 من الدستور العراقي، إذ تُشكل منطقة سهل نينوى واحدة من أكثر تلك المناطق حساسية.

تملك القوى السياسية الكردية قرابة ثلث مقاعد مجلس محافظة نينوى، وهي التي وافقت خلال الفترة الماضية على انتخاب محافظ جديد للمحافظة، الذي كان توافقياً بين الكرد والسلطة المركزية، لكن الاتفاق الأخير الذي عقده المحافظ "التوافقي" لا يبدو أنه راعى مصالح إقليم كُردستان من سيطرة طرف أمني وعسكري "مناهض" له على المناطق الحدودية والمتنازع عليها بينه وبين الحكومة المركزية.

المزيد من العالم العربي