السودان والخروج من السيولة السياسية

اتفاق الفرقاء في أديس أبابا وإعلان محاولة الانقلاب الأخير يشكلان ملامح مرحلة جديدة بالبلاد

اتفاق أديس أبابا بين قوى الحرية والتغيير من مدنيين وعسكريين أسفر عن تشكيل السلطة المدنية الانتقالية (رويترز)

حدثان كبيران في السودان ربما يشكلان ملامح لمرحلة جديدة، قد تلعب دوراً مهماً في تسكين حالة السيولة السياسية والعسكرية التي بدا عليها السودان بعد سقوط البشير في 11 أبريل (نسيان) الماضي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الأول؛ اتفاق فرقاء قوى إعلان الحرية والتغيير في أديس أبابا يوم الخميس الماضي 24 يوليو (تموز) من مدنيين وعسكريين على ضرورة  الإسراع في تشكيل السلطة المدنية الانتقالية، وعلى ترتيبات متصلة بإحلال السلام ضمن أولوية مطلقة للحكومة المدنية المقبلة، إلى جانب إعادة هيكلة الجسم القيادي لقوى إعلان الحرية والتغيير والاتفاق على الرؤية الموحدة للاتفاق السياسي الذي تم توقيعه بينها وبين المجلس العسكري في الأسبوع الأول من الشهر الحالي، وكذلك توحيد الموقف في مفاوضات الإعلان الدستوري المرتقب، الذي تستأنف مفاوضاته على مستوى اللجان منذ يوم 28 يوليو (تموز).

ما تم في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بين الفرقاء المدنيين والعسكريين لقوى إعلان الحرية والتغيير يعد خطوة مهمة ستلعب دوراً كبيراً في التسريع بإنهاء فصل الحرب السودانية التي أشعلها نظام الإنقاذ منذ تسعينيات القرن الماضي.

الحدث الثاني، هو ذلك الذي كشف عنه المجلس العسكري الانتقالي حيال المحاولة الانقلابية الأخطر (منذ الإطاحة بالجنرال عمر البشر) التي شارك فيها رئيس هيئة الأركان المشتركة الفريق هاشم عبد المطلب، وضباط كبار في الجيش، إلى جانب مدنيين من رموز النظام الساقط، وعلى رأسهم علي كرتي (كان وزيراً للخارجية في عهد البشير)، والزبير أحمد حسن (رئيس الحركة الإسلامية)، إلى جانب صحافيين من رموز النظام القديم.

الملاحظ هذه المرة (بخلاف الانقلابات التي تم الإعلان عنها من قبل) أنه قد تم بث تسجيل مصور للبيان الأول يتلوه رئيس هيئة الأركان المشتركة الفريق هاشم عبد المطلب، كما تم تسريب تسجيل آخر يظهر فيه الفريق عبد المطلب وهو يقدم اعترافات.

الحدثان يعتبران بالنسبة إلى السودانيين حدثين مهمين إلى ناحية خطوة تأخرت كثيراً منذ سقوط البشير، وكان على المجلس العسكري الانتقالي بقيادة عبد الفتاح البرهان أن يقدم عليها منذ تسلمه للسلطة في أبريل (نيسان) الماضي.

ذلك أن ما صاحب الكشف عن العملية الانقلابية الأخيرة داخل الجيش والعدد الكبير للقادة الكبار فيه ممن تم اعتقالهم، وكذلك اعتقال رموز كبار للنظام القديم من صحافيين وتنظيميين، دلّ على تصفية متأخرة لاستحقاق كان ينبغي أن يكون أبكر في التوقيت؛ لأن حيرة السودانيين أمام تباطؤ المجلس العسكري في تصفية رموز النظام القديم وبقاء بعض أبرز أفراده من مسؤولين وصحافيين وقادة الجيش طلقاء؛ كانت هي التعبير الأكثر دهشة على سلوك المجلس حيال هذا الملف.

بدا واضحاً منذ البداية أن السيولة السياسية التي أصبح عليها وضع السودان عبر الفراغ الدستوري والسياسي، وتعثر المفاوضات في حسم وتحقيق الانتقال الديموقراطي؛ وراءها وضع غريب عبَّر عنه أداء المجلس العسكري وتخبطه في إنجاز خطوات مهمة حيال شل تأثير رموز النظام القديم تماهياً مع مطالب الثورة وإصرار الثوار على استشراف مرحلة جديدة للسودانيين.

وبطبيعة الحال، فإن ثلاثين عاماً من تجذر نظام عقائدي فاسد في مفاصل هياكل السلطة السياسية والفضاء العام، ستنطوي بالضرورة على تحدٍ كبير وتعثُّر أكبر في تصفية النظام القديم. وتحدٍ كهذا هو ما حدا باتجاه المجلس العسكري في الإمساك بالعصا من الوسط، ظناً منه أن بقاء بعض رموز النظام سجيناً وبعضهم طليقاً قد يجعل من إمكانية المراوحة والأمل بكسب الوقت ممكناً لتدابير أخرى تتصل برغبة بعض أعضائه في مستقبل الحكم السياسي.

وكان واضحاً أن رهان المجلس العسكري في الاستعانة الخفية ببعض رموز النظام القديم حيال تدابير تتصل بالرغبة في السلطة والخوف من رموز النظام، في الوقت ذاته (نظراً لعدم خبرة العسكر) رهانٌ فاشلٌ، وسريعاً سينكشف التناقض الضروري، وهو ما بدت ملامحه هذه الأيام، خصوصاً بعد إبرام الاتفاق السياسي بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير بداية هذا الشهر.

الاعتقالات التي تمت في صفوف كثيرين من رموز النظام القديم، ظن فيها بعض "نشطاء فيسبوك" مؤشراً لما يمكن أن يطال جميع الفاعلين السياسيين والمنظومات الحزبية من قبل المجلس العسكري، عبر قياس سياسي فاسد، لا يبصر عميقاً في الحقائق التي تؤكد استحالة ما ذهب إليه أولئك "الفسابكة"! لأن أي قراءة لطبيعة التغيير الذي أحدثته الثورة السودانية، من ناحية، ولطبيعة النظام الذي حكم السودان ثلاثين عاماً من ناحية أخرى، ستدل بوضوح على أن التصفية السياسية لرموز النظام السابق هي فعل موازٍ ليس فقط لطبيعته السياسية، وإنما لطبيعته الاُخطبوطية التي تسببت ليس فقط في تدمير البنية السياسية للواقع، بل كذلك في تدمير نمط حياة السودانيين لثلاثين عاماً!

وإذا ما بدت سيولة الواقع السياسي اليوم بعد الثورة، لاتزال تنذر بعقبات كثيرة فإن ذلك يؤكد لنا أن طبيعة النظام السابق، هي طبيعة لا يمكن  اقتلاعها من ذاكرة السودانيين إلا عبر محاكمات عدالة انتقالية لرموزه، فوحدها العدالة الانتقالية تستطيع أن تمنح العافية للسودانيين من نظام فعل بالشعب والأرض ما لم يفعله أي نظام بأرض وشعب في المنطقة!   

المزيد من آراء