ترمب وأردوغان يبحثان إقامة منطقة آمنة شمالي سوريا

بعد تغريدة للرئيس الأمريكي هدد من خلالها بتدمير اقتصاد تركيا إن شنت هجوما على الأكراد

مقاتل على نقطة مراقبة تركية في شمال سوريا (أ ف ب)

في الوقت الذي كان فيه العالم ينتظر أن تنطلق المعركة التركية "المنتظرة" شرق الفرات بعد إعلان واشنطن نيتها الانسحاب عسكريا من سوريا، أتى الموقف الأبرز والمفاجئ من بوابة المنطقة الآمنة شمالاً.

إذ بعد تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشهيرة والتي توعّد فيها بتدمير تركيا اقتصادياً إن شنت هجوماً على الأكراد، عاد ترمب نفسه وغرد على تويتر كاشفاً عن نية بلاده إقامة منطقة آمنة بعرض 20 ميلا شمال سوريا، دون إعطاء مزيد من التفاصيل.

إعلان ترمب هذا أعقبه موقف للرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال فيه إنه بحث مسألة المنطقة الآمنة خلال اتصال هاتفي مع نظيره الأمريكي لمنع تصعيد التوتر بين القوات التركية من جهة والمقاتلين الأكراد من جهة أخرى، وإنه سيبحث مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 23 يناير (كانون الثاني) الجاري إنشاء تركيا المنطقة العازلة.

ردّات فعل متباينة

ما إن عاد الحديث في الساعات الماضية عن إنشاء منطقة آمنة شمال سوريا حتى توالت ردود الفعل، إذ أعلن وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن الجيش السوري هو من يجب أن يسيطر على شمالي البلاد.

وفيما رفضت وزارة الخارجية السورية إقامة منطقة آمنة شمالاً قائلة إن محاولة المساس بوحدتها لن تعتبر إلا عدوانًا واضحًا واحتلالًا لأراضيها، أبدت قوات سوريا الديمقراطية استعدادها للمساعدة في إقامة منطقة آمنة ذكرها الرئيس الأميركي "بضمانات دولية" ومن دون "تدخل خارجي" في شمال وشرق سوريا.

لكن مستشار الإدارة الذاتية للأكراد فى شمال شرق سوريا، بدران جيا كورد، اعتبر أن إقامة منطقة آمنة في شمال سوريا ستكون بمنزلة احتلال تركي بغطاء جديد.

أما حركة "أحرار الشام" فرحبت بالإعلان التركي، معتبرةً أن المنطقة الآمنة حاجة ماسة لحماية الأمن القومي التركي، ولقطع الطريق أمام إقامة مشاريع إرهابية وانفصالية لتنظيم داعش وحزب العمال الكردستاني.

ما هي المنطقة الآمنة التي يدور الحديث عنها؟

بحسب المعلومات المتوافرة حتى الساعة، والتي عززتها وكالة أنباء الأناضول بمسح مفصل، فإن المنطقة الآمنة التي تعتزم الحكومة التركية إقامتها ستضم مدناً وبلدات في 3 محافظات، هي حلب والرقة والحسكة، وتمتد 460 كيلومترا على طول الحدود التركية السورية وبعمق 32 كيلومترا.

أما أبرز المدن التي ستشملها المنطقة الآمنة فهي مدينة القامشلي وبلدات رأس العين، وتل تمر، والدرباسية، وعامودا، ووردية، وتل حميس، والقحطانية، واليعربية، والمالكية في محافظة الحسكة، وكذلك ستضم المنطقة عين العرب في حلب، وتل أبيض في الرقة.

العلاقة بين أنقرة وواشنطن في مهب الأزمة السورية

مما لا شك فيه أن الأزمة السورية تركت آثاراً ثقيلة على العلاقة بين واشنطن وأنقرة، وخصوصاً في ما يتعلق بالملف الكردي في ظل التقارب التركي نحو الجارة الشرقية "روسيا".

بينما أظهر الملف الأخير المتعلق بعملية شرق الفرات الأزمةَ بشكل أوضح. فتركيا تريد حسم ملف الأكراد شمالاً في حين ترفض واشنطن أي عمل عسكري يضر بحلفائها السوريين، وهذا ما اعتبر مواجهة مباشرة بين الحليفين "المتخاصمين"، ناهيك بتباين وجهات النظر في ملفات محلية عدة.

أما الحديث اليوم عن منطقة آمنة بتوافق أميركي - تركي فقد يكون مقدمة لعودة الهدوء بين واشنطن وانقرة، إلا أن الإعتراضات العديدة التي خرجت من بوابة الأكراد وبوابة دمشق والحذر الروسي على السواء قد تؤثر بشكل سلبي على الجهود الأميركية والتركية المشتركة في إقامة هذه المنطقة، وهذا ما يعني عملياً عودة الامور إلى مربعها الأول، مع سعي تركيا الى الإطاحة بالأكراد في الشمال.

من سيستفيد منها إذا نُفّذت؟

بالعودة إلى السنوات الماضية، كانت تركيا في طليعة المطالبين منذ عام 2013 بإقامة منطقة آمنة على حدودها لإبعاد المقاتلين الأكراد قدر الإمكان عن الداخل التركي ومنع إقامة منطقة حكم ذاتي كردية، وهو الهدف الذي لطالما سعت الى تحقيقه طوال فترة الأزمة السورية.

ولكن السؤال الأبرز الذي يطرح اليوم هو "هل تكون المنطقة الآمنة التي يُحكى عنها حماية للأكراد من أية عملية تركية محتملة شمالاً أم مقدمة لدخول تركي سلس إلى الشمال السوري من دون أي مواجهة مباشرة مع الأكراد؟"

في مقابل هذه التساؤلات، يؤكد الموقف الكردي، الرافض خطة المنطقة الآمنة، أن إنشاءها لن يصبّ في مصلحتهم، وهي في نظرهم مجرد "تكتيك" ناعم لدخول القوات التركية شمال سوريا تزامناً مع انسحاب القوات الأميركية تدريجاً من قواعدها العسكرية في منبج وشرق الفرات نحو الداخل العراقي، خصوصاً أن دور الأكراد في مقترح المنطقة الآمنة لم يتوضح بعد، وتحديداً مصير قوات سوريا الديمقراطية.

المنطقة الآمنة شمالاً... فرض نجاح ضئيلة

على الرغم من أن مقترح المنطقة الآمنة المحكى عنه أخيراً لا يزال في إطار المقترحات الكلامية، فإنه إن ذهب إلى التطبيق الفعلي على الأرض سيواجه من دون شك عقبات عدة. لعل أبرزها التوافق التام على الخطة التي اقترحتها الاطراف المعنية بالأزمة السورية، وهنا الحديث عن الموافقة الروسية - الكردية إلى جانب الموقفين الأميركي والتركي، فإتفاق وقف التصعيد في مايو (أيار) عام 2017، وهو شمل إدلب وحلب وحمص وحماة ودمشق ودرعا والقنيطرة، كان بموافقة روسية مباشرة.

كذلك فإن عدم وضوح الدور الكردي في أي خطة لإقامة منطقة آمنة قد تقام شمال سوريا يبقى حاجزاً أمام تنفيذ هذه الخطة، وخصوصاً دور مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية... فهل تقبل تركيا بقاءهم أم يقبلون هم تسليم السلاح أم أن الجهتين ستنفذان مقترح المنطقة الآمنة بالتعاون في ما بينهما في المنطقة؟

يعلم جيداً من يتابع الشأن السوري والتطورات في المنطقة أن كل هذه الإحتمالات من الصعب جداً تطبيقها.

وإلى جانب ما ذكر، يبقى أن لإقامة منطقة آمنة تكلفة إقتصادية خصوصاً مع عودة عشرات آلاف النازحين إليها، فيما لم تعلن أي جهة معنية بالمقترح حتى الساعة التكفّل بها، فهل تكون تركيا الراعي المالي لهذه الخطة؟

المزيد من الشرق الأوسط