هل تنجح الجهود الدولية في إقناع طهران بالعودة إلى التهدئة؟

إيران بدأت تشعر بإمكان خسارة كل الجهود التي بذلتها من أجل التوصل إلى نقطة وسط مع الإدارة الأميركية لإطلاق عملية حوارية

مروحية لسلاح البحرية الاميركي تقلع عن سطح البارجة uss boxer في خليج عُمان في 18 يوليو 2019 (رويترز)

يمكن القول إن ما تشهده منطقة غرب آسيا في الآونة الأخيرة، خصوصاً المنطقة الخليجية، من تصاعد حدة التوتر، حالة غير مسبوقة حتى بالمقارنة بعقد الثمانينيات من القرن الماضي، وما رافقها من حرب ناقلات بين إيران من جهة، والولايات المتحدة الأميركية من جهة أخرى. إذ يمكن القول إن الغيوم التي تتراكم في سماء هذه المنطقة وفوق مياه الخليج تنذر بوقوع عاصفة هوجاء قد تؤدي إلى تدمير المنطقة، أو تدخلها في حالة من الخراب، إذا لم تبادر الجهات المعنية إلى تنضيب هذه الغيوم من الأمطار التي تحملها، وتبعدها عن الرياح العاتية المحتبسة وراء الكم الهائل من التصعيد والتوترات التي تتضاعف يوماً بعد يوم، ويسهم فيها كل الأطراف المعنيين بالأزمة التي تمرّ في هذه المنطقة، خصوصاً الاستفزازات الإيرانية التي تلعب دور المخصب لهذه التوترات.

العواصف التي تنذر بإدخال المنطقة في أتونها، لا تشكل مصدر قلق فقط لدول المنطقة، بل حتى للعواصم الدولية التي لا تخفي قلقها من تداعيات أي انتكاسة أمنية قد تشهدها مياه الخليج على المستقبلين القريب والبعيد. فبعدما كان التصعيد شبه محصور بين لاعبين أساسيين هما الأميركي بما يمثله من تكتل دولي وإقليمي، والإيراني كمصدر زعزعة لمشاريع التهدئة الإقليمية، تأتي العملية التي قامت بها قوات من حرس الثورة باحتجاز ناقلة النفط البريطانية لتفتح الطريق أمام الدخول البريطاني المباشر على خط الأزمة. هذه المرة ليس للعب دور التهدئة والبحث عن مخارج للتخفيف من التصعيد الذي تشهده المنطقة، بل كشريك للاعب الأميركي وأحد الذين طالتهم الاستفزازات الإيرانية، التي بدأت مع استهداف ناقلات في ميناء الفجيرة في الثاني عشر من مايو(أيار) الماضي والناقلة اليابانية في الثالث عشر من يونيو(حزيران) وليس انتهاء بتوقيف الناقلة البريطانية التي لا يمكن فصلها عن عملية احتجاز ناقلة النفط الإيرانية في مضيق جبل طارق.

استعراض القوة

رد الفعل الإيراني على احتجاز ناقلة النفط في مضيق جبل طارق، يبدو أنه تعبير عن تصاعد المخاوف الإيرانية من وجود إستراتيجية أميركية جديدة في ما يتعلق بجهود واشنطن لترجمة مساعيها بتصفير صادرات النفط الإيرانية، وإن ما تقوم به واشنطن هو عملية اصطياد الناقلات الإيرانية في المياه الدولية أو المعابر المائية البعيدة من مضيق هزمز لسحب الذرائع من النظام الإيراني الذي دأب على توجيه رسائل تهديد بإقفال هذا المضيق إذا ما منع من تصدير النفط. وبالتالي فإن الرد الإيراني على هذه الإجراءات سيكون محصوراً في المناطق المشتركة في مياه الخليج والتي توفر له الأرضية للرد على الحصار الأميركي، ما يعني أن هذه الإجراءات وإن جاءت كرد فعل على الحصار الأميركي إلا أنها تشكل تهديداً مباشراً لأمن إمدادات الطاقة، الأمر الذي قد يستدعي تدخلاً دولياً وليس أميركياً لمواجهة هذه التهديدات التي تقوم بها طهران.

استعراض القوة الذي لجأ إليه النظام الإيراني عبر الإجراءات التي قامت بها وحدات من حرس الثورة، من إسقاط طائرة الاستطلاع الأميركية المسيّرة وسلسلة الاحتجازات لناقلات نفط مختلفة الجنسية والتبعية، كان الهدف منه إيرانياً إيصال رسالة إلى واشنطن، بأن طهران على استعداد للذهاب في المواجهة إلى حدودها القصوى. وهو تعبير واضح عن مخاوف النظام من الاستمرار في حالة "لا حرب ولا تفاوض" التي ترفع من تداعيات الأثمان التي قد تترتب على هذه المعادلة، وإن جرّ المنطقة إلى مواجهة مباشرة قد تساعده على فرض معادلة جديدة في ظل ما تبديه الإدارة الأميركية من تردّد في دفع الأمور إلى الدائرة التي يريدها بعض أجنحة النظام في طهران.

في المقابل، فإن القوى الإيرانية التي تبذل جهوداً كبيرة وواسعة لقطع الطريق على أيّ نوع من المواجهة العسكرية وتدفع باتجاه تغليب الحوار والتفاوض على مبدأ الاحترام المتبادل وبعيداً من الضغوط وخارج تأثيرات العقوبات، يبدو أنها بدأت تشعر بإمكان خسارة كل الجهود التي بذلتها لتذليل العقبات من أجل التوصل إلى نقطة وسط مع الإدارة الأميركية لإطلاق عملية حوارية وتفاوضية مثمرة. ولعل الموقف الأخير للرئيس الأميركي دونالد ترمب وحديثه عن صعوبة التوصل إلى حوار مع طهران قد يزيد من تعقيد المشهد أمام هذه القوى، في ظل ما تشهده المساعي الأميركية الهادفة إلى حشد الجهود العالمية للتوصل إلى آلية دولية تتصدى للاستفزازت الإيرانية التي تهدّد أمن إمدادات الطاقة من الطرق المائية الدولية واستقرارها.

تصاعد حدة التوترات التي تشهدها منطقة الخليج ومضيق هرمز، قد يكون الدافع الذي حدا ببعض الأطراف الإقليميين، خصوصاً العمانيين والعراقيين من أجل التحرك نحو طهران للتخفيف من حدة التصعيد وقطع الطريق على أي نيات إيرانية لإمكان الانسحاب من الاتفاق النووي، انطلاقاً من مخاوف هذه الأطراف من أن يؤدي مثل هذا القرار الإيراني إلى إدخال المنطقة في أتون مواجهة قد لا يرغب فيها أي من الأطراف وبالتالي قد يؤدي إلى تحويل الغيوم المتراكمة في سماء المنطقة إلى عاصفة مدمرة تطيح أمنها واستقرارها. وقد لا تقف تداعيات ذلك على المنطقة فقط، بل ستنعكس على الأمن والاستقرار الدوليين أيضاً.

وساطة عُمان

فالزيارة التي من المقرر أن يقوم بها وزير الدولة للشؤون الخارجية العمانية يوسف بن علوي إلى طهران وهي الثانية خلال شهر، تأتي على خلفية العلاقة التي تربط مسقط بين قطبَي الأزمة المستجدّة في مضيق هرمز، أي طهران ولندن، خصوصاً أن الجانب البريطاني يؤكد أن عملية احتجاز ناقلة النفط تم في المياه الإقليمية لسلطنة عمان، في حين يأتي تحرك رئيس الوزراء العراقي عادل عبدالمهدي المفاجئ انطلاقاً من العلاقات المميزة التي تربطه مع النظام الإيراني من جهة وقبيل الزيارة المرتقبة – العائلية- التي سيقوم بها إلى فرنسا في الأيام المقبلة، وقد تدخل في إطار الوساطة مع طهران من أجل إقناعها بالحفاظ على الفرصة التي ظهرت في المبادرة التي تبنّاها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون للتوصل إلى حلول بين طهران وواشنطن للعودة إلى طاولة التفاوض والحوار، إضافة إلى الدور الذي تلعبه بغداد في المساحة المشتركة بين طرفّي الأزمة. وهي جهود تصبّ في إطار مخاوف هذه الأطراف من أن يصل التصعيد إلى نقطة اللاعودة، والتداعيات التي ستطال هذه الدول جراء انفلات الأمور. خصوصاً السلبيات التي قد يتعرض لها العراق الذي سعى منذ عام 2003 إلى إقامة توازن دقيق بين حكم الجغرافيا في علاقته مع إيران كلاعب إقليمي وصاحبة نفوذ مؤثر في الساحة العراقية وبين الدور الأميركي كلاعب لا يمكن تجاوزه، وهو توازن أسهم في تجنيب العراق الكثير من الصراعات بين الطرفين في عهد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما على الرغم من السلبيات التي اعترته وسمحت بتعزيز النفوذ الإيراني في العراق، ومساعي الجانب العراقي إلى إبعاد البلاد عن التأثيرات السلبية لعودة التوترات في عهد الرئيس ترمب.

لا شك في أن نجاح الجهود الدولية والإقليمية في إقناع طهران بوقف الإجراءات الاستفزازية والحفاظ على ما تبقى من الاتفاق النووي والتفاهمات الدولية وتسهيل عملية العودة إلى طاولة المفاوضات، قد يكون مرهوناً في قدرة النظام الإيراني على حسم خياراته بين الجناح الذي يدفع باتجاه التصعيد وبين القوى الراغبة في الخروج من مأزق الأزمة القائمة عبر الحوار والتفاهم مع واشنطن والعواصم الدولية والإقليمية على سلة متكاملة لحل الملفات موضوع الخلاف بين جميع الأطراف.

المزيد من تحلیل