الربيع العربي... ووهم "الإعلام الجديد"

اعتماد الوسائط الرقمية بديلا عن التغيير الحقيقي ضرب من خداع الذات

مواقع التواصل الاجتماعي فشلت في أن تكون مفاتيح لحل الأزمات السياسية بالمنطقة العربية (أ.ف.ب)

إذا كان لا يمكننا، بطبيعة الحال، تصفير القيمة الإيجابية لما سمي بـ"الإعلام الجديد" في  الفضاء الافتراضي، لا سيما عبر فيسبوك  وتويتر على سبيل المثال (لأن ذلك يعني إنكاراً ونكوصاً عن حقائق الواقع)، فإنه في الوقت ذاته  لابد من الإقرار أن ثمة تغييرات متصلة بمجالات الواقع لا يمكن أن نتصور أبداً أن تلك التحديات الرقمية للإعلام الجديد قادرة على أن تكون هي الحاسمة والنهائية في إحداثها، كما يتوهم البعض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وإذا كان من طبيعة الأشياء، أن لكل مجالا أو واقعا على حدة، قانون "آلة" يخضع له بحيث لا يكون بإمكانك فتح باب خزانة الأموال الفولاذية إلا بمفتاحها، لأن المفتاح هنا هو الآلة الوحيدة التي تمكنك من ذلك الفتح ـ فإن الواقع السياسي والمجتمعي والاقتصادي تحكمه قوانين وآلات ربما تكون غير منظورة لبعض الناس، لكنها مع ذلك لا يمكن أبداً القفز عليها، مهما بدا ذلك ممكناً لدى بعض الحالمين الخياليين!

 ذلك أن أي محاولة للقفز في الهواء على تلك القوانين والآلات، لا تعني إلا تعقيداً جديداً في الطريق المختصر للوصول اليها عبر "المفتاح"!

وبإمكاننا القول، في إقرار عام، إن القاسم المشترك الأول بين الجوانب الثلاثة المذكورة للواقع هو شرط الحرية. لكن  في الوقت ذاته فإن شرط التغيير في السياسة مثلاً لا يكون إلا عبر حرية الفكر على المستوى النظري أولاً، ثم الحريات المتصلة بآليات تنظيم الممارسة السياسية ذاتها، إلى جانب الأجسام التنظيمية الأخرى التي تلعب دوراً في تحريك الشأن العام، مثل الطبقات، والنقابات، والجمعيات، ومنظمات المجتمع المدني.

 بحيث يمكننا القول إن أي تصور لتغيير الواقع السياسي بمعزل عن تلك الأدوات السياسية للتغيير سيكون تدويراً للأزمات في ذلك الواقع وتجديداً لانسداداتها.

هذا ما دل عليه اليوم؛ فشل السرديات والأوهام التي شاعت مع بداية ما سمي بثورات الربيع العربي في العام 2011، التي صاحبها وثوق يقيني عممه كثيرون بحيث أوحي للناس أن مفاتيح التغيير لتلك الانسدادات في واقع الأزمات السياسية في العالم العربي (وهي أزمات صنعها واقع تاريخي مديد للاستبداد) ستكون هي آليات الإعلام الجديد لوسائل التواصل الاجتماعي مثل الفيسبوك وتويتر، وأن تلك التقنيات هي الحل السحري لأزمات السياسة والثورة في المنطقة، بمعزل عن روافع التغيير السياسي عبر مفاتيحه: الأحزاب، والنقابات، ومنظمات المجتمع المدني.

لذلك يمكننا اليوم القول إنه مهما بدت سخونة التخييل في وسائل التواصل الاجتماعي المسماة بـ"الإعلام الجديد"، وزعم قدرتها على تغيير واقعنا المأزوم والمحبط، ومهما كان ذلك الحماس الذي يتعبأ به كل وافد أو ناشط جديد على استخدامات الفيسبوك، فإنها لا تعدو أن تكون فقاعات لامتناهية من تجديد الغباء؛ ذلك الذي وصفه إينشتاين ذات مرة بأنه "فعل الشيء ذاته مراتٍ عديدة ثم توقع نتيجة مختلفة!"

صحيح أن تنظيم الخبرة السياسية بالواقع طرأت عليه تغييرات كثيرة، ومن ضمنها التحديات الرقمية الجديدة، لكن الزعم بأن تلك الوسائل ستكون بديلاً عن مفاتيح التغيير الحقيقية سيكون ضرباً من خداع الذات.

ربما كان من الأهمية بمكان اليوم، بعد فشل أغلب ثورات الربيع العربي في المنطقة، التأمل في شرط الاستبداد التاريخي الذي خيم على المنطقة العربية منذ الأمويين والمماليك والأتراك ورصد مؤثراته اللامتناهية التي تعبر مفاعيلها غالباً في طبيعة التخلف في الحقل الاجتماعي وفي العلاقات البينية، لأن التفكير في التغيير السياسي لا يمكن أن يفضي إلى صواب في النتائج ما لم يكن هناك نظر معرفي عميق وحر، يرصد التغييرات التي تعبر عنها بوادر الثورة في الجوانب الفكرية الاجتماعية التي ستؤدي في النهاية إلى التغيير السياسي.

بطبيعة الحال هناك انسداد كبير في المنطقة العربية، وصفه المفكر البريطاني الأمريكي برنارد لويس ذات مرة  بـ"الاستثناء التاريخي"، في إشارة منه إلى ايحاء خبيث مفاده أن المنطقة العربية هي ذات استثناء "طبيعي" من التغييرات الديموقراطية التي انتظمت الكثير من دول العالم في الشرق والغرب. وهي بطبيعة الحال نظرة لا تخلو من العنصرية والاستخفاف.

لقد ظلت المنطقة العربية في ضوء متغيرات الثورة المعلوماتية والاتصال معرضةً للكثير من المتغيرات، وأحد أهم الأوهام التي صاحب تلك المتغيرات؛ الزعم بأن "الإعلام الجديد" المتمثل في وساط التواصل الاجتماعي هو مفتاح التغيير، في مصادرة واضحه على مضمون الثوابت الاستراتيجية لآليات التغيير في كل مجال على حدة من مجالات التغيير المتصلة بواقع المنطقة.

 ولهذا سنجد أن أصحاب هذا الأسلوب التبشيري بصرعات الموضة الرقمية فيما هم يصورون أنفسهم مواكبين لهوية التطور الرقمي عبر استخدام تلك الوسائط لوسائل التواصل الاجتماعي، إلا أن ذلك غالباً لا يكون صحيحاً؛ لأن أي حماس يبشر بالاختلاف النوعي الهائل في خصائص قابلة للإدراك النسبي في آليات تغيير الواقع وشروطه المتصلة بهوية ذلك الواقع ذاته، هو حماس شكلاني يعكس أزمة متصلة بطبيعة إدراكهم أكثر من أي شيء آخر.

اليوم، بعد فضيحة الفيسبوك وسقوطه المدوي وعجزه عن توفير أهم أبجديات الصناعة الإعلامية؛ أصبح ما يطلق عليه "الإعلام الجديد" في وسائل التواصل الاجتماعي كاسمٍ رديف لتلك الوسائط الرقمية، أكثر ضرورة للمراجعة والتريث في استحقاق مصطلح "الإعلام الجديد" لأن الإعلام معرفة وصناعة بالأساس.

وبالعودة إلى موضوعات التغيير المتصلة بإشكالية الواقع في المنطقة العربية، يمكننا القول، بصفة عامة، إن الفكر هو الهوية العقلانية الأولى والأكثر قدرة على الاستجابة لرؤية تحديات ذلك الواقع عبر المعرفة لا (الأيديولوجيا) إضافة إلى الحريات التي هي الشرط الشارط لفاعلية الفكر ولسوية التغيير.

 لكن إذا كان التفكير في مأزق تاريخي يقتضي بالضرورة تفكيراً عميقاً، فإن الشروط الموازية لعملية التغيير في الواقع السياسي لا يمكن القفز عليها بتلك الخفة التي عكسها الإيمان الساذج ببدائل "الإعلام الجديد" فيما سمي بالربيع العربي!.

المزيد من آراء