هل تطيح أزمة كركوك بالعلاقات بين بغداد وأربيل؟

لم تجرَ انتخابات محلية في المحافظة منذ عام 2005 بسبب الخلافات السياسية بين قواها الحزبية

من أجواء الدعاية الانتخابية في مدينة كركوك المتعلقة بانتخابات البرلمان العراقي في أبريل 2018 (أ.ف.ب)

استمرت محافظة كركوك مصدراً للأزمات السياسية العراقية. إذ منذ إعلان الحزبين الكرديين، اللذين يملكان الغالبية في مجلسها، اتفاقهما على اسم المهندس طيب جبار كمرشح لتولي منصب محافظ كركوك، تتالت الردود السياسية من مختلف القوى العراقية، منذرة بوقوع أزمة بين بغداد وأربيل، تضاف إلى الأزمة الراهنة المتعلقة بتسليم كميات النفط المتفق عليها بين الجانبين، وفق قانون الموازنة العامة لهذا العام.

هذه الأزمة الجديدة قد تطيح بالعلاقات التي تحسنت بين الطرفين منذ تشكيل حكومة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، لكنها أولاً قد تعيق إجراء انتخابات مجالس المحافظات، المقررة أن تجرى نهاية العام الحالي، أو انتخابات محافظة كركوك على أقل تقدير. إذ لم تجرَ الانتخابات المحلية فيها منذ عام 2005، بسبب خلافات قواها السياسية.

أجواء متوترة

التصعيد الأبرز جاء من الأمين العام لميليشيات "عصائب أهل الحق"، أقرب القوى السياسية والعسكرية العراقية لإيران، قيس الخزعلي. إذ قال في تغريدة مقتضبة على "تويتر"، إن "كركوك عراقية، نقطة راس السطر". وهو الخطاب الذي اعتبره المراقبون تعبيراً عن الموقف الرسمي الإيراني غير المعلن، لكنه جاء بمثابة اشتباك مع رسالة زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود البارزاني بشأن كركوك، التي قال فيها "أعلنا سابقاً، ونعلنها الآن، أننا لا نساوم على هوية كركوك الكردستانية، ويجب أن تكون هذه المدينة نموذجاً للتعايش القومي والديني".

المتابعون للشأن العراقي ما زالوا ينتظرون الموقف العام لتحالف البناء، الذي يشكل الواجهة السياسية لفصائل الحشد الشعبي، وتعتبر عصائب أهل الحق واحدة من تشكيلاتها فحسب. فذلك الموقف، الذي يعبر عن موقف أكبر كتلة نيابية عراقية (إضافة إلى الحضور العسكري)، سيحدد مستوى التوتر السياسي والأمني بين بغداد وأربيل.

كانت المفاجأة بالبيان الصادر عن كتلة النصر النيابية، التي يتزعمها رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي، الذي عرف بمواقفه المتشددة والتصعيدية ضد إقليم كردستان. لكن بيان النصر كان عمومياً تماماً، داعياً مكونات المحافظة إلى "تغليب لغة الحوار بحل قضية محافظ المدينة، بما يضمن حقوق الجميع وأمن المحافظة واستقرارها". هذا الموقف الإيجابي عزاه المراقبون إلى نتائج مؤتمر حزب الدعوة الأخير، الذي شهد تراجعاً لموقع العبادي وسلطته، لمصلحة الأمين العام المنتخب نوري المالكي. وهذا الأخير بدا مهادناً للإقليم، من خلال اتصاله برئيس الإقليم ورئيس وزرائه.

تيار الحكمة الوطني، بقيادة عمار الحكيم، الذي كان تقليدياً الطرف الشيعي الأقرب للأكراد في الداخل العراقي، ظهر كأكثر التيارات العراقية تشدداً في هذا الموقف. إذ أكد عضو المكتب السياسي في التيار فادي الشمري رفض التيار لما وصفه بأمن كركوك وتركيبتها وتعددها. وأضاف "تفاهمات بعض إخوتنا قادة كردستان مرفوضة ما لم تنسجم مع إرادة ورغبة المكونات الأخرى من أبناء كركوك".

وتيار الحكمة كان أعلن قبل فترة وجيزة تحوله إلى المعارضة السياسية، وهو ما اعتبره المراقبون محاولة منه لخلق مسافة من عبد المهدي، المتهم من قبل القوى الشيعية بمحاباة الأكراد.

تعويل كردي ثنائي

يأخذ الأكراد كل هذه المواقف بالاعتبار. إذ قال مصدر سياسي كردي بأن القوى المركزية العراقية تنشد الشعبوية في مواقفها من مسألة كركوك، كي تتجاوز أزماتها مع القواعد الاجتماعية في مناطقها الأساسية، وتحديداً في ملفات الفساد.

المصدر الكردي أكد أهمية هذه المواقف، لكن عقب بأن الأكراد أساساً يعولون على موقفين آخرين من العاصمة بغداد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يتعلق الأول بموقف عبد المهدي، الذي يستطيع توفير المظلة القانونية والأمنية لانتخاب محافظ كردي جديد للمحافظة، وهو موقف لم يظهر حتى الآن من رئيس الوزراء. ويقول المراقبون إنه ينتظر وصول الوفد الكردي المفاوض بهذا الشأن خلال الأيام القليلة المقبلة.

الثاني هو موقف التيار الصدري، صاحب الثقل السياسي، وحتى العسكري الموازي لتحالف البناء. فبتمايز الصدريين عن القوى العراقية المركزية الأخرى، يستطيع الأكراد المناورة وتخفيف الضغوط عن كاهلهم. لكن عدم وضوح الموقف الصدري أرجعه المراقبون إلى انشغال التيار بمسألة سعي الحكومة المركزية إلى ربط فصائل الحشد الشعبي بالجيش العراقي، وسحب سلطة التيارات السياسية عليه، عبر الأمر الديواني الأخير الخاص بهذا الشأن. وهو ما قد يشكل خضة للتيار الصدري، الذي يستند في جانب مؤثر من قوته إلى الحضور العسكري لسرايا السلام المسلحة، التابعة له.

ثلاثة طروحات

ينتظر المتابعون للشأن العراقي وصول الوفد الكردي المفاوض إلى العاصمة بغداد خلال الأيام القليلة المقبلة، لمعرفة التوجهات التي ستسير إليها أوضاع محافظة كركوك. وهناك ثلاثة طروحات يجري تداولها في الساحة العامة العراقية لهذا الشأن.

إذ تطرح القوى الكردية على الحكومة المركزية ومكونات كركوك من العرب والتركمان القبول بانتخاب محافظ كردي جديد للمحافظة، مقابل تساهل كردي في الملفات الأخرى، أو تأجيلها على أقل تقدير، مثل توزيع المناصب الحكومية في المحافظة وتأجيل عودة البيشمركة إلى المحافظة إلى ما بعد إجراء انتخابات مجالس المحافظات نهاية هذا العام.

القوى التركمانية والعربية في المحافظة، تعرض بقاء المحافظ بالوكالة الحالي راكان الجبوري، حتى لا تحدث توترات سياسية وأمنية خلال الفترة القصيرة الباقية لانتخابات مجالس المحافظات، مقابل القبول بانتخاب محافظ كردي لها، فيما لو حصل الأكراد على أكثر من نصف مقاعد المجلس في الانتخابات المحلية المقبلة.

بين الطرحين، قد تلجأ الحكومة المركزية إلى فرض حل وسط، قائم على الحل الفعلي لمجلس محافظة كركوك، وتعيين شخص متفق عليه وحيادي كمحافظ حتى إجراء الانتخابات المحلية المقبلة.

المزيد من الشرق الأوسط