Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العالم يدرس أسباب العنف ضد الأطباء ومصريون إلى "التسييس"

قسم الاستقبال الأكثر تعرضاً للاعتداءات والوقت والألم يؤججان مشاعر الغضب لدى أهل المريض وحادثة مستشفى قويسنا خرجت عن السياق

الطواقم الطبية حول العالم مهددون بالتعرض للعنف من أهالي المرضى الغاضبين (أ ف ب)

تأوه مريض وطال انتظار وصول طاقم التمريض، فهرع أهله صوب مكتب كبيرة الممرضات وأمطروها بوابل من السباب والشتائم. خرج مريض آخر من غرفة العمليات وترك في البهو أمام المصعد منتظراً دوره للصعود إلى الغرفة، ففقد أهله أعصابهم واعتدوا بالضرب على الممرضين. نقل مريض ثالث إلى وحدة العناية الفائقة، ومنع أهل المريض من الدخول نظراً إلى حرج الحالة، وبعد شد وجذب بين أهل المريض وطاقم التمريض انهال الأهل على الطاقم شتماً ثم ضرباً بالأيدي.

مات مريض أثناء خضوعه للجراحة، وحين أبلغهم الطاقم الطبي، لم يتمالك الأهل أعصابهم واعتدوا باللكمات والركلات على جميع أفراد الطاقم. وحالياً، مصر منشغلة بحادثة اعتداء زوج مريضة وأهله على طاقم التمريض في مستشفى قويسنا المركزي في المنوفية (شمال مصر) حيث تعدت مشاهدات فيديو الاعتداء بضعة ملايين مشاهدة.

الاعتداء ظاهرة قديمة

اعتداء أهل المريض، وأحياناً المريض نفسه في حال كانت صحته تسمح له بذلك، على أفراد الطواقم الطبية ظاهرة آخذة في التمدد بالسنوات القليلة الماضية. الاعتداء على الطبيب والممرض والمساعد والموظف والعامل في المستشفى أو المستوصف بدأ مع بداية المرض والعلاج والرعاية الطبية.

وعلى رغم أن الظاهرة ليست موثقة على جدران معابد المصريين القدماء، أو على القطع الأثرية السومرية، أو ما تركته حضارة وادي السند في الهند أو مملكة شو في الصين أو مملكة كنعان في الشرق الأدنى، فإن مشاعر الحزن أو الغضب أو القلق التي تعتري أهل المريض كثيراً ما تؤدي إلى ردود فعل يشوبها العنف وإن ظل غير موثق. حتى أقدم دليل موثق على جدران كهف من الحجر الجيري على عملية بتر جراحي لذراع مزارع عثر عليه في كهف بجزيرة بورنيو في أرخبيل الملايو والذي يعود إلى ما لا يقل عن 31 ألف عام مضت، لم يحو توثيقاً لاعتداء أهل المزارع على طاقم الجراحة، فإما أن الاعتداء لم يحدث وإما حدث ولم يتم توثيقه.

أما في عصر الـ"سوشيال ميديا" فإن السمة الرئيسة هي التوثيق. قبل سنوات وفي مستشفى حكومي بالعاصمة الأردنية، اعتدى سبعة أشخاص من أهل مريضة على طبيب بعد أن فشلت جهوده في إنعاش قلبها. وفي أحد مستشفيات بغداد اعتدى أهل مريض على طبيبة وممرض بعد أن شكوا في وجود تقصير تجاه قريبهم. وفي مدينة طرابلس اللبنانية اعتدى أهل مريض على طبيب وفروا قبل وصول قوات الأمن. وقبلها وفي محافظة عكار أصيب طبيب بإصابات بالغة استدعت تحوله من معالج إلى مريض بعد أن رفض تمديد فترة إقامة مريضة تعافت تماماً، فما كان من أهلها إلا أن ضربوه ضرباً مبرحاً.

اعتداءات في كل مكان

قصص شبيهة وحوادث متطابقة دارت وتدور في الهند والولايات المتحدة الأميركية والصين وأستراليا وغيرها من دول العالم، لدرجة أن جهات بحثية واستطلاعية واستقصائية تجري دراساتها وقياساتها منذ سنوات على "العنف ضد الطواقم الطبية".

استطلاع أجري في أستراليا عام 2019 رصد زيادة نسبتها 48 في المئة بحالات الاعتداء على طواقم التمريض في كوينزلاند ونيو ساوث ويلز. وفي الهند، أفادت الجمعية الطبية الهندية أن 75 في المئة من الأطباء يتعرضون لإساءات لفظية وجسدية في المستشفيات. ووجدت أن الخوف من التعرض للعنف هو السبب الأكثر شيوعاً للتوتر لدى الأطباء. وفي أميركا، أظهر استطلاع أجرته الكلية الأميركية لأطباء الطوارئ أن 47 في المئة من 3500 طبيب طوارئ تعرضوا للاعتداء أثناء تأدية عملهم، وأن 97 في المئة من حالات الاعتداء حدثت على يد المريض نفسه.

من كوينزلاند إلى نبروه

ومن أطباء الطوارئ إلى أطباء نبروه في المنصورة (مصر)، جرت واقعة اعتداء في الصيف الماضي ما زال المصريون يتذكرون تفاصيلها، لا لتفردها، حيث الاعتداءات على الطواقم الطبية صارت متكررة، لكن لضراوتها. تلقى طبيب قلب اتصالاً هاتفياً في الفجر من جار له يستغيث به للتدخل لإنقاذ زوجته المحجوزة في قسم العناية الفائقة بمستشفى نبروه العام (حكومي). ارتدى الطبيب ملابسه وتوجه مع جاره إلى المستشفى حيث استأذن الأطباء العاملين لفحص المريضة. وتبين أنها مصابة بجلطة في الشريان التاجي منذ يومين، وأن تلفاً أصاب عضلة القلب، فطلب نقلها إلى مركز متخصص لعمليات القلب لإخضاعها لعملية قسطرة وإنعاش رئوي، وهو ما حدث، لكن المريضة توفيت بسكتة قلبية. وحين خرج لإخبار ذويها، ما كان من نجليها الشابين ووالد زوجها إلا أن انهالوا عليه طعناً بأسلحة بيضاء نجم عنها خضوعه لتدخل طبي عاجل و68 غرزة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الواقعة تسببت في صدمة لكثيرين، ليس لوقوع الاعتداء، فالاعتداء اللفظي أو حتى بالأيدي والأرجل يجد له البعض ما يبرره بدافع المشاعر المحتقنة أو الغضب أو القلق على المريض، لكن الصدمة كانت لسببين: الأول هو ضراوة الاعتداء وفداحته، والثاني تمثل في سؤال منطقي: لماذا يتوجه أهل المريض إلى المستشفى مسلحين بسكاكين ومطاوي وما خفي كان أفدح.

فداحة ما تعرض له طبيب وثلاثة من أفراد الأمن في "مستشفى حلوان" (جنوب القاهرة) في الصيف الماضي نافست ما تعرض له طبيب المنصورة. هذه المرة تعدى شخص على الطبيب وأفراد الأمن بعد مشادة كلامية أثناء اصطحابه سائق توك توك مصاباً بجروح عدة. وحين شعر بوصول قوات الشرطة، لاذ بالفرار لكن الشرطة تمكنت من الوصول إليه في عنوانه لأنه "مسجل خطر"، فما كان منه إلا أن أطلق طلقات خرطوش على القوات وأمر كلابه الشرسة بتعقبهم.

كلاب وخرطوش

ربما تكون الكلاب الشرسة والخرطوش إفراط في استخدام العنف في سياق المستشفيات، لكن "المعتاد" و"الكلاسيكي" هو الاعتداء اللفظي والجسدي. ولأن شر البلية ما يضحك، فقد وصل الأمر إلى درجة التصنيف الشعبي للاعتداءات على الطواقم الطبية بين "مفهوم" -وليس بالضرورة مقبولاً- وغير مفهوم. في شهر مايو (أيار) الماضي اعتدى أهل مريض على طبيب في مستشفى السويس (شمال شرقي مصر) بالضرب المبرح، لا لتقصير في رعاية مريضهم أو تأخير في تقديم الدواء له، بل لأنه طلب منهم خفض صوتهم لا سيما أنهم كانوا يتحدثون بأصوات مرتفعة على باب الرعاية الفائقة.

لكن حادثة الاعتداء الأحدث التي جرت في مستشفى قويسنا بمصر قبل أيام قليلة فاقت ما قبلها من حوادث لأسباب كثيرة، بعضها لا يتعلق بالتمريض أو المريض أو فكرة الاعتداء نفسها. تم تداول فيديو لمجموعة من السيدات يعتدين على ممرضات بالضرب والركل. وظهر في الفيديو إحدى السيدات وهي تنهال بالضرب على إحدى العاملات مستخدمة حزاماً جلدياً وصفه مغردون بـ"الكرباج".

التفاصيل دالة

التفاصيل التي أدت إلى المشهد المريع هي أن المريضة وصلت المستشفى في صحبة زوجها وعدد كبير من الأهل وذلك لإصابتها بنزيف أثناء حملها. الزوج والأهل الملتاعون طلبوا تدخل الأطباء بسرعة، لكن الممرضات أجبن بأن الأطباء مشغولون في إجراء جراحة حالياً، فما كان من الزوج ومن معه من أهل المريضة إلا أن انهالوا عليهن ضرباً مبرحاً، تارة باللكمات وأخرى بالشباشب. وقيل إن إحدى الممرضات كانت حاملاً وأدى الضرب إلى إجهاضها وهو ما تم نفيه لاحقاً.

إلى هنا، والواقعة تبدو في سياق الاعتداءات على الطواقم الطبية في المستشفيات "عادية" و"كلاسيكية" إلى حد كبير على رغم فداحتها، لكن ما حول الاعتداء "المعتاد" إلى اعتداء غير مسبوق هو أن الزوج ضابط في القوات المسلحة المصرية. فريق من المهتمين والمتابعين والضالعين في شؤون السياسة انكب للبحث عن أصل وفصل الزوج، وتم التنقيب عن صوره على منصات التواصل الاجتماعي بملابس الجيش وتحميلها جنباً إلى جنب مع فيديو الاعتداء في خطوات مدروسة ومعروفة نتائجها.

تصادف مرور هؤلاء

وتوالت التعليقات والتغريدات والتدوينات والمشاركات من قبل البعض الذي "تصادف" أنهم يرفعون شعار "سنحيا كراماً" (شعار المؤيدين للداعية السلفي المسجون حالياً حازم صلاح أبوإسماعيل)، أو ممن يضع أصابع "رابعة" الأربع الصفراء صورة "بروفايل" لحسابه، وذلك إضافة إلى آخرين ممن يعارضون انخراط الجيش في شؤون السياسة، وبينهم من يحملون عداءً ضمنياً لكل من يمت بصلة إلى جهازي الجيش والشرطة، على اعتبار أن كل المنتمين للجهازين يحظون بمكانة أعلى من المواطنين العاديين ويسيئون استخدام وظائفهم الرسمية بالضرورة.

كانت هناك ضرورة لاحتواء الموقف والتعامل معه بحكمة وسرعة، لا سيما أن عديداً من الأذرع الإعلامية والعنكبوتية تعاملت مع الاعتداء المروع باعتباره فرصة ذهبية لاستثمار الموقف لصالح جماعات سياسية وانتماءات أيديولوجية، حيث الدق على وتر "الدولة الظالمة" و"الحكومة الفاشية" و"الاستثناءات الديكتاتورية" و"آه يا بلد" و"الغلابة لا مكان لهم تحت حذاء العسكر"، إلى آخر مظلوميات وصعبانيات عصر الاستقطاب الكبير الدائرة رحاه منذ يناير (كانون الثاني) 2011.

خطوات رسمية

وتوالت الخطوات الرسمية. وزير الصحة والسكان خالد عبدالغفار توجه إلى المستشفى والتقى طاقم الممرضات واستمع لهن. وأكد للحضور أن سبب الزيارة ليس لـ"الطبطبة" أي تهدئة المشاعر، لكن لاستعادة الحقوق ومحاسبة الجميع بالقانون، مشيراً إلى أنه "حتى لو كان مدير المستشفى عجز عن حمايتهن لأنه لم يكن موجوداً وقت الحادثة، فنحن (الحكومة) سنحمي من وقع عليه الظلم والاعتداء بالقانون".

من جهته، قال المتحدث العسكري العقيد غريب عبدالحافظ على صفحته الرسمية "تتابع القوات المسلحة عن كثب ما أثير بمواقع التواصل الاجتماعي في شأن واقعة مستشفى قويسنا المركزي، وتؤكد كامل احترامها لمبدأ سيادة القانون، وتهيب بالجميع تحري الدقة والانتظار لحين انتهاء التحقيقات".

قد يبدو التصريح مقتضباً أو يحتاج إلى تفاصيل، لكن الملم بالخطوات العسكرية وإجراءاتها في ما يتعلق بالأحوال والحوادث المدنية يعرف أن ما يجري في داخل أي مؤسسة عسكرية لا يعرض بالضرورة بتفاصيله في مؤتمرات صحافية وتغريدات عنكبوتية وتدوينات وصور وفيديوهات على منصات الـ"سوشيال ميديا".

أوتار التسييس والاستقطاب

لكن التغريدات النارية والداقة على أوتار "طبعاً لأن زوج المريضة في الجيش" و"آه يا بلد الحق فيك مهضوم طالما للغلابة"، إلى آخر القائمة المعتادة في عصر الاستقطاب تتوالى من قبل معارضين للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، ومنصات إعلامية تابعة لجماعات أو دول تناصب النظام المصري العداء سواء أكان صريحاً أو مكتوماً. في الوقت نفسه تتعامل وسائل الإعلام المصرية مع الحدث بحذر بالغ كثيراً ما يكون مبالغاً فيه وغير مبرر في عصر السماوات المفتوحة.

الصراع بين أهل المريض الذين تنتابهم دائماً مشاعر بأن الطواقم الطبية تقصر أو تستهين أو تتجاهل أو تتأخر في التعامل مع المريض من جهة، والطواقم الطبية الواقعة بين شقي رحا الضغوط المستمرة في عملهم لا سيما في حالات نقص أعدادهم واعتبارهم مقصرين طالما المريض ليس بخير، صراع أبدي، لكن الجديد فيه هو تجرؤ أهل المريض المتزايد في التعبير عن القلق أو الغضب عبر الاعتداءات بأنواعها.

جراح الجهاز الهضمي والمناظير خالد مصطفى يقول إنه من واقع خبرته على مدى 35 عاماً فإن العوامل الثلاثة الأكثر تسبباً في حدوث هذه الاعتداءات تتعلق بقسم الاستقبال، والوقت، والألم. يقول إن "قسم الاستقبال من أطباء وممرضين وموظفين وأفراد أمن وحتى نظافة هو الأكثر تعرضاً لاعتداءات أهل المريض، وذلك لطبيعة العمل في هذا القسم. فبين حوادث وسكتات قلبية ودماغية وحالات حرجة وغيرها، يكون أهل المريض في حالة قلق عارم وخوف شديد قد يدفع بعضهم إلى الاعتداء على الطواقم الموجودة في حال لم تسر الأمور على ما يرام مع المريض. والتوقيت عليه عامل مهم جداً، حيث يتوقع أهل المريض أن يلقى مريضهم عناية فائقة لحظة وصولهم الاستقبال، وهو ما لا يكون متوفراً دائماً لأسباب عديدة. وحتى لو توفر ولم تكتب السلامة للمريض، فإن الشعور بأن تقصيراً حدث من قبل الأطباء يكون سيد الموقف. والعامل الثالث هو الألم، حيث تأوه المريض لفرط الألم يفقد أهله القدرة على التفكير بهدوء أو السيطرة على قلقهم مما قد يدعو بعضهم إلى ترجمة الغضب والقلق بعنف موجه ضد الطواقم الطبية".

تكرار وقائع

وكان الأمين العام لنقابة الأطباء محمد فريد قد حذر قبل نحو شهرين من تكرار وقائع الاعتداء على المنشآت الطبية والعاملين فيها. وطالب بسرعة إقرار قانون المسؤولية الطبية وتغليظ عقوبة الاعتداء على المنشآت الطبية والعاملين والاهتمام بتأمين وسائل الحماية على المستشفيات. وقال فريد إن العاملين في أقسام الطوارئ والاستقبال هم الأكثر تعرضاً للاعتداء.

وكان مجلس النواب المصري قد ناقش مشروع قانون بتعديل عدد من أحكام قانون العقوبات في الاعتداء على الأطباء قبل نحو عام، وذلك لتغليظ العقوبات بعد أن تكررت حوادث الاعتداء على الطواقم الطبية وكذلك المنشآت وإحداث تلفيات ضخمة بها.

في الوقت نفسه، وعلى الجانب الآخر من مسلسل الاعتداءات غير المقبولة من أهالي المرضى في المستشفيات، فإن مشكلات جمة تعتري هذا المجال ويعانيها آلاف المرضى وأسرهم. فبين نقص التدريب وانتفاء الجانب الإنساني في التعامل مع المرضى والإهمال والتقصير والاعتماد على "الإكراميات" شرطاً غير مباشر للاهتمام بالمريض وغيرها لا سيما في المستشفيات العامة، يكاد لا يخلو بيت مصري من حكاية أو حكايتين عن معاناة مع طواقم التمريض.

التقصير ومبرر الاعتداء

ولأن التقصير أو الإهمال ليسا مبرراً للاعتداء، ولأن القطاع الطبي محمل بتلال من المشكلات الموروثة من عهود سياسية سابقة، ولأن الاعتداء على الطواقم الطبية يمكن فهمه وربما تبريره شعبياً حين يكون المعتدي مواطناً غلبه غضبه أو قلقه لكن لا يمكن فهمه أو تبريره إن كان المعتدي ضابطاً غلبه غضبه أو قلقه، ولأن تقصير الطواقم الطبية يكون مبرراً للاعتداء إن كنا واقفين على ضفة أهل المريض لكن غير مقبول تماماً حين نقف على ضفة الطواقم، ولأن ظاهرة الاعتداء تحتاج إلى حلول جذرية تبدأ بالقوانين وإنفاذها وتمر بحل مشكلات العلاج والمستشفيات من جذورها وتنتهي بسيادة القانون على الجميع من دون تسييس أو استقطاب أو تبرير ما لا يمكن تبريره، فإن جموع المصريين تنتظر ما ستسفر عنه التحقيقات في هذا الاعتداء، لحين وقوع الاعتداء التالي.