Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كليلة ودمنة": نص عربي مرر الفكر السياسي الهندي إلى العالم

الفلسفة الأخلاقية تنتقل خلال عصر النهضة لتؤسس نوعاً من أدب الحيوانات الرمزي

إحدى الرسوم التي وضعت للحكايات (من الكتاب)

في كتابه "العقل الأخلاقي العربي" الذي يشكل الجزء الرابع والأخير من "نقد العقل العربي" يعرف المفكر المغربي الراحل محمد عابد الجابري كتاب "كليلة ودمنة" بأنه كان "منذ عصر التدوين، الذي ترجم فيه، إلى عصر النهضة العربية الحديثة، الذي بلغ أوجه في منتصف القرن العشرين، المرجع الأول في تكوين العقل الأخلاقي العربي". ويضيف الجابري مستطرداً "ليس هذا وحسب، بل كان هذا الكتاب طوال هذه المدة قيمة في ذاته، قيمة على مستوى أدب اللسان وقيمة على مستوى أدب النفس، وهو من هنا كان بالفعل أول كتاب مدرسي في الثقافة العربية الحديثة". وإذ يقول الجابري هذا يشير إلى ما في فصول الكتاب من تناقض بين نصوص تركز على "طاعة السلطان" وأخرى تركز على "خطر صحبته" وتندد "بميوله إلى الطغيان"، لافتاً إلى أن النصوص الداعية إلى الطاعة، فارسية الأصل، والأخرى هندية الجذور. وإلى ذلك، فإن الجابري يضيف بأن هذا الكتاب الذي وضعه عبدالله بن المقفع خلال واحدة من أرقى فترات ازدهار الفكر العربي بما فيه الفكر المنقول عن لغات مجاورة أخرى، استبق معظم المؤلفات المتداولة في العالم لتشكل نواة الفكرين السياسي والأخلاقي في مرحلة ما بعد ظهور النهضة الفكرية في العالم، مفترضاً أن كتاب الأمير للإيطالي النهضوي ماكيافيللي قد تأثر به، بالتالي فإن العربية كانت اللغة التي مررت هذا النص العظيم إلى أوروبا.

البداية قشتالية

وفي هذا السياق يمكن الحديث طبعاً عن كيف أن ألفونسو العاشر ملك قشتالة الذي لقب بالحكيم قد أمر أواسط القرن الثالث عشر الميلادي تماماً، بأن يترجم عن العربية، مباشرة، ذلك النص الذي سيكون له منذ ذلك الحين تأثير كبير، ليس فقط في الآداب الرمزية الإسبانية والأوروبية، باعتبار أن الكتاب ينتمي إلى الأدب الرمزي، بل كذلك في الفكر السياسي، بحيث لن يعدم من سيقول لاحقاً إن معظم الذين خاضوا الكتابة حول السياسة والعلاقات السياسية وشؤون السلطة، بمن فيهم نيقولو ماكيافيللي صاحب "الأمير" إنما اطلعوا، أولاً، على ذلك النص في شكل مباشر أو بالواسطة. قد يكون في هذا التأكيد شيء من المغالاة، لكنه -في حد ذاته- يكفي للبرهان على الأهمية التي اتخذها النص.

ومن هنا فإن كتاب "كليلة ودمنة"، الذي عرفه الأدب العربي منذ القرن الميلادي الثامن، لكنه - في أصله الهندي المؤكد - كان وضع قبل ذلك بقرون وترجم إلى لغات آسيوية عدة منها الفارسية بأمر من كسرى أنو شروان قد لعب دوراً كبيراً في ولادة الفكر السياسي الحديث على الصعيد الأوروبي، بقدر الدور الذي لعبه على صعيد الفكر العربي منذ ظهوره في هذه اللغة، ذلك الظهور الذي أسبغ عليه مكانته الفكرية العربية منذ ذلك الحين، بالتالي فإن هذا الكتاب، على رغم أصوله السنسكريتية البعيدة، وعلى رغم معرفة الفرس له حتى من قبل الإسلام، فإن "كليلة ودمنة" اشتهر كجزء من التراث العربي، وذلك طبعاً، بفضل عبدالله بن المقفع، الذي هو، بفضل الكتاب واشتغاله عليه، يعتبر واحداً من ألمع أصحاب الفكر السياسي في التراث الإسلامي.

بين دبشليم وبيدبا

ولنذكر هنا بأن حكايات "كليلة ودمنة" وعلى الأقل في صياغتها العربية النهائية على الأرجح، تبدأ دائماً بما يقوله "دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف". وبيدبا هو، وفق معظم التفسيرات، الواضع الأول للكتاب، وهو فيلسوف أخلاق وحكيم، كان أكثر ما يهمه من خلال كتابته حكايات الكتاب الأولى، أن يعرض المبادئ الأخلاقية ولكن بصورة رمزية وعلى ألسنة الحيوانات، ومن خلال وصف العلاقات في ما بينها. ويقول لنا تاريخ "كليلة ودمنة" إن هذا الكتاب قد صيغ من بعد بيدبا وخلال أزمنة متلاحقة مرات عدة، من أشهرها تلك النسخة التي حملت اسم "بانكاتانترا" أي "الكتب الخمسة". وفي هذه النسخة نعرف للمرة الأولى أن بطلي الحكايات هما الثعلبان "كاراتاكا" (كليلة لاحقاً) و"دامانكا" (الذي سيحمل لاحقاً اسم دمنة) اللذان يعيشان مغامرات توفر للكاهن البراهمي فيزنوزارمان أمثولات وحكماً يستخدمها في تعليم ثلاثة أمراء جهلة كلفه الراجا تعليمهم. ومن هنا عرف الكتاب أيضاً باسم "كتاب الأمراء"، وهو اسم استخدمته نسخ أوروبية عدة وضروب محاكاة لاحقاً.

رحلة كتاب طويلة

قبل وصوله إلى ابن المقفع، قام نص "كليلة ودمنة" الأصلي برحلة طويلة عبر خلالها أواسط آسيا وفارس. وحدث له كما يحدث لهذا النوع من الكتب، أن اغتنى في طريقه. وكذلك إذ اشتغل عليه ابن المقفع في بغداد، التي كانت حاضرة العالم الثقافية في ذلك الحين، ومصباً لشتى الحضارات، كان من الطبيعي أن يضيف إليه كثيراً من الحكايات الجديدة، مما جعله يتألف في النهاية من 17 فصلاً يحمل كل منها حكاية، بعد أن كان في الأصل الهندي يتألف من خمس حكايات فقط، وبهذا يمكن القول إن الصيغة التي وصلتنا بقلم ابن المقفع باتت صيغة بالغة الغنى، وتنتسب في نهاية الأمر إلى الأدب السياسي – الأخلاقي العربي، وربما بأكثر كثيراً من انتسابها إلى الفكر الهندي القديم، مما يجعلها حقاً وبأكثر من أي نص آخر وصل إلى العرب من آسيا جديرة بأن تعتبر نصاً "عربياً".

بين السفسطائيين

ولعل أهم إضافات ابن المقفع، نوعياً لا كمياً، هي ذلك الفصل الذي يشهد محاكمة دمنة، التي لا تكف عن زرع الشقاق بين الحيوانات. وكان من الواضح أن هذه المحاكمة إنما أتت تستجيب لدوافع أخلاقية بحتة، وتجعل شيئاً من الروح الأخلاقية يدخل على البعد السياسي، مما يخلق تناقضاً واضحاً. وتستبق النص العربي لكليلة ودمنة أربع مقدمات، لعل أهمها تلك التي تروي لنا سيرة المفكر الفارسي برزويه، وذلك لأنها تكشف عن عمق الأزمة الروحية والعقلية التي يمكن للفكر أن يعيشها في مقابل ألاعيب السياسة. أما بالنسبة إلى الفصول الباقية فإن كلاً منها يحتوي حكايات متفرقة. ومن الواضح لدى قراءة هذه الحكايات أنها كلها تشتغل من طريق الرمز والكناية والأمثولة، ما يوضحه كونها، كما أسلفنا، وضعت أصلاً لغاية محددة: تأديب الأمراء وأبناء علية القوم، أخلاقياً ولكن سياسياً أيضاً. ومن الواضح في معظم الحكايات أن الأخلاق التي تدعو إليها قد يغلب عليها الطابع البراغماتي أكثر مما تغلب عليها مبادئ الفضيلة، التي قد يوحي بها استخدام تعبير "الأخلاق" في هذا المجال. ويتضح هذا أكثر ما يتضح لدى مراجعتنا حكايات اشتهرت مثل "الأرنب وملك الفيلة" و"الثعلب والطبل" و"الأرنب والأسد" و"الناسك المخدوع" و"الذئب وابن آوى والغراب" وغيرها. ويرى باحثون مدققون لحكايات "كليلة ودمنة" أننا هنا لا يمكننا الحديث عن "أية سمات سيكولوجية للشخصيات" باستثناء ما يتعلق بشخصية دمنة التي تبدو، في معظم الحكايات ذات شخصية ماكيافيللية تقربها من سوفسطائيي الفكر اليوناني القديم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من لافونتين إلى أورويل

كما أشرنا كان لترجمة "كليلة ودمنة" في قشتالة ومن ثم إلى لغات أخرى أوروبية، لاتينية بخاصة، تأثير كثير، وكتب كثيرون على منواله، من أ. ف. دوني 1525 في كتابه عن "الفلسفة الأخلاقية"، إلى لافونتين في حكاياته، مروراً بأمثال أ. فيرينزويلا من أصحاب حكايات الحيوان، ووصولاً ربما إلى جورج أورويل في القرن العشرين وكتابه الشهير "مزرعة الحيوان". ويعرف ابن النديم، ابن المقفع في "الفهرست"، بأنه "روزبه بالفارسية، وهو عبدالله بن المقفع، ويكنى قبل إسلامه أبا عمرو، فلما أسلم اكتنى بأبي محمد" ويقول إنه "تقفع لأن الحجاج بن يوسف ضربه بالبصرة، ضرباً مبرحاً فتقفعت يداه". وأصله من خوز وهي مدينة في كور فارس. وعاش ابن المقفع في القرن الثامن وكان "في نهاية الفصاحة والبلاغة، كاتباً، شاعراً فصيحاً" ولقد قتله سفيان بن معاوية حرقاً بالنار، بتهمة الزندقة. وهو كان "أحد النقلة من اللسان العربي إلى الفارسي مضطلعاً باللغتين فصيحاً بهما". وقد نقل كتباً عدة إضافة إلى "كليلة ودمنة" وكتاب "مزدك". وله كتاب الأدب الكبير وكتاب الأدب الصغير، المعتبران من أهم الكتب النثرية في التراث العربي.

المزيد من ثقافة