Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"علم" الفائز بـ"الهرم الذهبي" يبرز محنة جيل التناقضات

المخرج الفلسطيني فراس خوري يخاطب الوجدان العربي مراهنا على الشباب

من جو فيلم "علم" الفلسطيني في مهرجان القاهرة (ملف الفيلم)

"في روما، افعل ما يفعله الرومان"، ينصح القول الشهير. لعلها المقولة التي اعتمدت عليها لجنة تحكيم المخرجة اليابانية ناومي كواسي عندما أسندت جائزة "الهرم الذهبي" للدورة الأخيرة من مهرجان القاهرة السينمائي إلى الفيلم الفلسطيني "علم" (باكورة فراس خوري الروائية الطويلة)، مرافعة تنتصر للقضية الفلسطينية وتذكر بضرورة الوقوف إلى جانب الفلسطينيين في نضالهم. العمل بسيط المضمون ولا بأس به في عديد من جوانبه، لكن أن يعطى الجائزة الكبرى فهذا أمر لا يخلو من مبالغة.

"علم" الذي انطلق من مهرجان تورونتو السينمائي في أيلول الماضي يأتي بجديد وبجرعة اختلاف مع ما نراه، ورأيناه في عديد من الأفلام الفلسطينية، هذا الجديد يتجسد في الشخصيات وفي البيئة وفي عادية العيش اليومي المتكرر، ليظهر كيف أن الوضع السياسي الضاغط يصوغ واقع الناس اليومي ويصنع علاقات متوترة بين البشر. أبطال فيلم خوري طلاب مراهقون يكتشفون الحياة ويكتشفون بموازاة ذلك الظروف التي يعيشون ضمنها، هذا كله في مرحلة عمرية شديدة الحساسية يتكون فيها الوعي. تدور الأحداث داخل جدران مؤسسة تعليمية تقع في الجليل، أو ما يعرف بأراضي 48. مجرد وجود هؤلاء الشخصيات داخل مؤسسة مماثلة خاضعة للاحتلال، يتيح لأي مخرج، وفي هذه الحالة فراس خوري، أن يضمن حكاية من الألف إلى الياء، حتى لو لا يملك ما يقوله، هذا ما يميز الأفلام التي تجري على خطوط النار، وهذه حدودها أيضاً. في الأماكن التي تشهد صراعات وخلافات مستمرة منذ عقود، ينوب المكان عن الشخصيات، الأمر الذي قد ينتج بعض السهولة أحياناً. إذاً، الحكاية هنا مضمونة: تاريخ طويل من الاحتلال. يبقى إيجاد حكبة تبرر الساعتين السينمائيتين.

علم وذكرى

والحبكة التي يعثر عليها خوري تدور على واحد من أكثر الأمور رمزية في حياة المواطنين: العلم. العلم الذي يرمز إلى انتمائهم الوطني، وهو في حال الفلسطينيين المقيمين داخل أراضي 48، موضوع تحد باستمرار. وهذا العلم، الإسرائيلي، لا الفلسطيني، سيرتفع على سطح المدرسة في مناسبة ذكرى تأسيس دولة إسرائيل لتكون تلك اللحظة نقطة فاصلة في وعي تامر (محمود بكري) ورفاقه. وجود علم إسرائيلي فوق رؤوسهم، سيستفز بعض الطلبة، خصوصاً أن استقلال إسرائيل هو نكبتهم، فتصبح إزالته عند البعض هاجساً، فيما يبدي البعض الآخر تردداً حيال خطة قد تودي بهم إلى السجن، ومنهم تامر الذي يميزه الفيلم عن البقية ويقتفي أثره، لكونه جديداً على النشاط السياسي، فالأخير ابن تروما أبعدته عن السياسة، نتعرف على تفاصيلها تباعاً. 

يحاول الفيلم تطوير فكرة ملهمة، فكرة لم تطرح جدياً في الأفلام الفلسطينية، ربما لأن كثراً لا يرونها أولوية، فالصراع الدائر هو دائماً بين جهة محتلة، وجهة تعيش في ظل الاحتلال. الفكرة المشار إليها تكشف صراع الأجيال، بين جيل ينتمي إليه تامر ورفاقه، وجيل هو ذلك الذي يتحدر منه الأهل والمدرسون. جيل تامر إما يعي الصراع جيداً أو يكتشفه للتو، وفي الحالتين يعلم أن لا مجال للتفريط به، هذا الجيل لا يزال على رغم صغر سنه ومحدودية تجربته، يحاول التصدي للاحتلال باللحم الحي. أما جيل الأهل والمدرسين، فتبلدت مشاعره. لا شيء يؤثر فيه. ربما بسبب ما عاشه هذا الجيل من تجارب مخيبة أثبتت أن النضال لا يأتي بنتيجة.

حتى إن والد تامر يسأله في إحدى المرات عما إذا كان ينوي تحرير القدس في نظرة ساخرة لنشاطه، هذا كله يفضي بالفيلم إلى نقطة أخرى مهمة، وهي التناقض بين الروايتين الإسرائيلية والفلسطينية الذي يتجلي في المنهج التعليمي المتبع، لغسل دماغ الأولاد وتلميع صورة إسرائيل والتعتيم على ما جرى من مجازر، لكن الطلبة يثورون ضد هذه الراوية، وهذا يشجع تامر المتردد الأبدي على حسم قراره والانضمام للشلة التي تنوي إنزال العلم الإسرائيلي واستبدال علم فلسطين به. ولا يمكن الحديث عن تامر من دون ذكر دور ميساء (سيرين خاص) التي لها دور مهم في حض تامر على الاهتمام بالنشاط السياسي. في هذا المجال، لا يختلف الفيلم عن أي كوميديا رومنطيقية للمراهقين، لكن في خلفية الصورة... دبابات وصوت رصاص.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تامر الذي يعبر عن محنة جيل يعيش تناقضات وجودية على رغم عنه وليس برضاه، فهو متردد إلى درجة التبلد، تخرج منه الكلمات بصعوبة، تائه، يعطي انطباعاً شديداً بأنه لا يعرف ماذا يريد ولا شيء له أهمية. وهذه المشكلة الأساسية في الفيلم. والأنكى أننا لا نعرف إذا كانت المسألة تتعلق بإخفاق في بناء الشخصيات أم أن الأمر لا يعدو كونه قراراً من جانب المخرج ليصنع شيئاً مختلفاً. وليس تامر الشخصية الوحيدة التي تشبه المسودة، فجميع الشخصيات، وهي تمثل شرائح اجتماعية مختلفة، فيها ما يكفي من التردد وسوء التصرف أمام الظروف التي تجد نفسها فيها. يوزع الفيلم نفسه على أكثر من جبهة: سياسية، عائلية، عاطفية. صحيح أنها كلها مترابطة، لكن هناك أشياء تحدث على حساب أشياء أهم. أما المواقف فمفتعلة بعض الشيء، تؤكد ان الصدق لا يكفي لصناعة سينما صادقة، فما يصح داخل القلوب لا يصح بالضرورة على الشاشة.

ثمة ارتباك متواصل في الفيلم، لا نعرف إذا كان يكتفي بالانعكاس سلباً على الممثلين، أم أن الممثلين هم الذين يصنعون هذا الارتباك. الإيقاع هو كل شيء في السينما والفيلم الذي أمامنا لا يحسن صناعته. عيوب "علم" تقنية لا تشمل المضمون، أولها اختيار الممثلين وزجهم في حكاية يرددونها كطلاب حفظوا درسهم رغماً عنهم. لا كيمياء إطلاقاً بينهم. هناك صعوبة في تصديق عدد من المشاهد، هذا كله يشكل عائقاً كبيراً بيننا وبين فيلم ننساه فور خروجنا من الصالة، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحدث لعمل يطمح إلى مخاطبة الوجدان العربي من خلال المراهنة على العنصر الحي فيه، أي الشباب الذين يمثلون الأمل في مرحلته الأجمل. 

المخرج فراس خوري الذي على غرار بطله تامر، جاء متأخراً إلى عالم النضال، قد يكون مثالياً في طرحه ورؤيته. وكأي مثالي، لا بد أن يصطدم بالواقع. وآخر اصطدام له بالواقع العربي حصل حينما رفضت السلطات المصرية إعطاءه تأشيرة للمشاركة في مهرجان القاهرة، لكونه يحمل جوازاً إسرائيلياً، لكن يأمل خوري حضور مهرجان البحر الأحمر السينمائي الذي يعقد بعد أيام قليلة في جدة.

المزيد من سينما