Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفيلسوف الألماني هردِر دعا إلى الوحدة الكونيّة

إنتسب إلى حركة "العاصفة والاندفاع" ودافع بجسارة عن المساواة الحضارية بين الشعوب

الفيلسوف والكاتب الألماني هردر (موقع فلاسفة ألمان) 

أثّر الأديبُ والناقدُ الفنّي يوهان غوتفريد فون هردر (1744-1803) تأثيراً بالغاً في نتاج الكثير من الأدباء والكتّاب الذين انتسبوا خصوصاً إلى حركة الانتفاضة الألمانيّة الأدبيّة والسياسيّة التي قادها في النصف الثاني من القرن الثامن عشر نوابغ الأدب الألمانيّ، من أمثال منظّر الفنّ الأديب الروائيّ الشاعر غوتِّه (1749-1832)، والكاتب المسرحيّ ياكوب لِنتس (1751-1792)، والكاتب المسرحيّ الشاعر فريدريش كلينغر (1752-1831). عُرفت هذه الحركة باسم "العاصفة والاندفاع" (Sturm und Drang)، وآثرت مناصرة النهضة الأدبيّة والقوميّة الألمانيّة، فأعلت من شأن الحرّيّة، ورفضت التقاليد والأعراف الاجتماعيّة التي تقهر الإنسان وتحرمه من استقلاله الوجدانيّ. فضلاً عن ذلك، عاينت في بعض أصناف الفنّ الأخلاقيّ المتسامي تشويهاً لواقع الإنسان المنخرط في معاناة الوجود اليوميّة. لم تتطوّر الحركة فتتحوّل إلى تيّار سياسيّ، بل اقتصر أثرُها على النهضة الأدبيّة. لذلك سمّاها غوتِّه نفسُه "الثورة الأدبيّة". ظهر أثرُ هردر أيضاً في نطاق فلسفة التاريخ وفلسفة القوميّة، بحيث انتشرت أفكارُه السياسيّة في ألمانيا وأرجاء شتّى من أُوروبّا، لا سيّما في البلاد السلاڤيّة.

الانتساب إلى فكر الأنوار

 

نشأ هردر في أسرةٍ بروتستانتيّة متحدّرة من بروسيا الشرقيّة تنتسب في معظمها إلى المذهب التقويّ اللوتريّ الذي أسّسه فيليب ياكوب شبِنِر (1635-1705)، وكان يروم الإسهام في صحوة الإيمان المسيحيّ وتحفيز الممارسة الدِّينيّة التقويّة التي تناهض التنظير الفكريّ المجرّد وتناصر الالتزام الأخلاقيّ العمليّ المفيد. درس هردر الفلسفة واللاهوت في مدينة كونيغسبرغ حيث استمع العامَ 1762 إلى محاضرات كانط في الفيزياء والمِتافيزياء، وانتسب إلى الحلقة الدراسيّة التي كان يعقدها اللاهوتيّ الألمانيّ الشهير يوهان غيورغ هامان (1730-1788) الذي كان يناهض حركة التنوير العقلانيّة ويسعى إلى تدبّر العناصر اللاعقلانيّة المنبعثة من تدفّق الحياة في الوعي الإنسانيّ. حرّضه هذا المفكّر على استكشاف كنوز الأدب الإنجليزيّ، لا سيّما أعمال شكسبير (1564-1616)، والأدب السكوتلانديّ في أناشيد أوسيان التي جمعها وترجمها الشاعر السكوتلانديّ جيمس ماكفرسون (1736-1796). منذ ذلك الحين، أكبّ هردر على جمع القصائد الشعبيّة هذه، ونقلها إلى الألمانيّة، ونشرها في إصدارات متعاقبة.

ارتباط اللغة الشعريّة باللغة الأمّ

في العام 1764، عينّته الإدارة التربويّة معلِّماً في مدينة ريغا الساحليّة المرفئيّة الروسيّة. فاغتنم الفرصة وعكف على نشر كتابه "مقتطفات من الأدب الألمانيّ الحديث" (Fragmente über die neuere deutsche Litteratur). استلهاماً لفكر الأنوار الأُوروبّيّة، أخذ يدافع عن المضامين التحرّريّة التي كانت تنطوي عليها دوريّة "الرسائل الأدبيّة" (Literaturbriefe)، وقد أسهم في إنشاء موادّها الفلاسفة الألمان غوتهولد لسّينغ (1729-1781)، وموزس مِندلسون (1729-1786)، وتوماس أبت (1738-1766)، والناقد الأدبيّ الهجائيّ المؤرّخ فريدريش نيقولاي (1733-1811). غير أنّ هردر أصرّ على الإتيان بأفكار ثوريّة جديدة، فصاغ مشروعاً رياديّاً يقضي بكتابة تاريخٍ أدبيٍّ عملانيٍّ يتناول النتاج الأدبيّ في مختلف القرائن والأوضاع، مُبيّناً أثرَ الأحوال التاريخيّة والاجتماعيّة التي تؤثّر في الوعي الثقافيّ. فإذا به يستجلي مقام اللغة الخاصّ، ويعاين فيها أساساً من أسُس تطوّر الأدب.

 

ذلك بأنّ اللغة، في نظره، تعبّر عن عبقريّة كلّ شعب على حدة. فالشاعر ينبغي أن يُفصح عن وجدانه بلغته الأمّ، إذ إنّ اللغة الأصليّة هذه تستطيع وحدها أن تخاطب الإنسان العاديّ المنتسب إلى الشعب الذي يجسّد أنبلَ صورةٍ عن الإنسانيّة: "ما دمنا نصون لغتَنا الأمّ في لساننا، فإنّنا ننفذ إلى أعماقِ ما يميّز كلَّ لغة. فإذا بنا نعثر هنا على ثغرات، وهناك على فيضٍ؛ هنا على كنوزٍ، وهناك على قفر. فيتسنّى لنا أن نُغني عوزَ الواحدة بكنوز الأخرى. لذلك نسأل: ما العلاقة الدقيقة التي تربط اللغة بالذهنيّة؟ إنّ مَن يحيط بلغةٍ من اللغات ويقف على جلائلها ودقائقها إنّما يتعهّد بنظره حقلاً مليئاً بالأفكار؛ ومَن يتعلّم أن يعبّر عن نفسه بواسطة هذه اللغة على وجه التحديد إنّما يظفر لنفسه بكنزٍ من المفاهيم الواضحة. ومن ثمّ، فإنّ الكلمات الأُوَل التي نتمتمها هي مداميك الأسُس التي تقوم عليها معارفُنا، والمربّيات الحاضنات هنّ المعلّمات اللواتي يلقّنّنَ المنطق". ليس المطلوب أن نجعل اللغة الأمّ القيمة المطلقة في الوجود، بل أن نستثمر قدراتها في التعبير الأنسب عن وجدان الشعب. ومن ثمّ، فإنّ التاريخ الأدبيّ هذا ينطوي على غايات عملانيّة تهذيبيّة تتعلّق بتنشئة الوعي الشعبيّ وتنميته.

أصل اللغة

وعلاوةً على ذلك، حرص هردر على انتقاد الجماليّات الأدبيّة السائدة في عصره، لا سيّما تلك التي كانت تُملي على المبدعين ضرورةَ الاقتداء بنماذج السلف الصالح. ولكن سرعان ما أثار هذا الانتقاد ردودَ المحافظين الذين راحوا يضيّقون عليه في مدينة ريغا التي ما لبث أن غادرها في سفر طويل إلى بعض المدن الفرنسيّة والألمانيّة، ابتداءً بمدينة نانت، وتعريجاً على باريس حيث تعرّف إلى المرأة التي أصبحت زوجته ورُزق منها ثمانية أولاد، وانتهاءً بستراسبور التي تعرّف فيها إلى الشابّ غوتِّه الذي أصبح صديقه. في المدينة المزدوجة الثقافة هذه، أنشأ بحثه الشهير "مقالةٌ في أصل اللغة" (Abhandlung über den Ursprung der Sprache)، فنال عليه العامَ 1771 جائزة أكادِيميا برلين. ولكن حين استفسره علماء الأكادِيميا البرلينيّة عن استعدادات الشعوب البدائيّة المهمَلة ثقافيّاً المستندة إلى ملَكاتها الطبيعيّة العفويّة، وسألوه عن قدرة هذه الشعوب الذاتيّة على اختراع لغاتها الخاصّة، أجابهم منتقداً نظريّة الذين ينسبون إلى اللغة أصلاً مِتافيزيائيّاً لاهوتيّاً، من أمثال عالم اللغة الألمانيّ يوهان بِتر سُسميلش (1707-1767)، ونظريّة الذين يربطونها بالمحاكاة الطبيعيّة، من أمثال الفيلسوف الفرنسيّ كونديّاك (1714-1780). ذلك بأنّ هردر كان مقتنعاً بأنّ البحث عن أصل اللغة يزجّ بالعقل الإنسانيّ في لجّة الدوران المهلك، إذ إنّ مثل هذا البحث يفترض أصلاً وجودَ اللغة في صورة الأهليّة الطبيعيّة أو الكفاءة العفويّة التي يسمّيها التبصّر (Besonnenheit). يبدو أنّ الملَكة التدبّريّة هذه تحمل، في فكر هردر، بعض الدلالات الكانطيّة التي تشير إلى بنية لغويّة اقتضائيّة مجاوِزة فُطر عليها الذهن الإنسانيّ.

الأسلوب الشعريّ في النصّ الدِّينيّ المسيحيّ

 

أقام هردر زهاء ستّ سنوات في مدينة بُكبورغ شمال غربي ألمانيا، ممارساً وظيفة القسّيس الراعي، ومصادقاً الأديب اللاهوتيّ السويسريّ يوهان كاسبر لاڤاتر (1741-1801) صاحب الاختصاص الشهير بمباحث الاستدلال على الطباع الإنسانيّة من خلال النظر في هيئة الجسد وتقاسيم الوجه. من جرّاء العلاقة الوجدانيّة هذه، طفق هردر يُفصح عن آرائه الدِّينيّة اللاهوتيّة، فأنشأ يذيع أنّ رواية الخلق المسيحيّة قصيدةٌ جميلةٌ أبدعتها المخيِّلة الشعبيّة، تلائم طوراً من أطوار النضج الإنسانيّ ولا يمكن نقلها إلى لغة التأصيل المفهوميّ النظريّ المجرّدة. فضلاً عن ذلك، أخذ يبيّن في كتاباته أنّ الله لا يوحي بكلامه في "الكتاب المقدّس" فحسب، بل أيضاً في عمله العظيم الذي هو العالم نفسه. أمّا أسلوب الإنشاء في أسفار "الكتاب المقدّس"، فيتّسم بالشعريّة الوجدانيّة التي كانت تميّز الشعب العبريّ، على نحو ما أظهره كتابُه في "روح الشعر العبرانيّ" (Vom Geist der Ebräischen Poesie). لم تُسعفه الكتابات اللاهوتيّة الجريئة هذه في الحصول على كرسيّ تدريسيّ في جامعة غوتّينغن، فاضطرّ إلى البقاء في مدينة بُكبورغ منصرفاً إلى كتاباته التأريخيّة.

تساوي الحضارات في مسعاها الارتقائيّ الذاتيّ

في هذه الأثناء (1774) أنهى هردر كتابَه الذي يُعَدّ من عيون الأدب التأريخيّ "فلسفةٌ أخرى في التاريخ من أجل تنشئة البشريّة" (Auch eine Philosophie der Geschichte zur Bildung der Menschheit)، وفيه يخالف آراء فلاسفة الأنوار، من أمثال الفيلسوف الفرنسيّ ڤولتيِر (1694-1778) والفيلسوف السويسريّ إيزاك إيسُلين (1728-1782) اللذَين كانا يُصرّان على صدارة عصرهما المستنير وتفوّقه النوعيّ على سائر العصور. أمّا هردر، فكان يعتقد اعتقاداً راسخاً أنّ العصور القديمة، لا سيّما الوسيطيّة، لها القيمة عينها، إذ إنّ كلّ زمنٍ من أزمنة التاريخ وكلّ قومٍ من الأقوام إنّما يتحلّى بشخصيّة فريدة وخصائص ذاتيّة. فلا يجوز، والحال هذه، إلّا أن نحكم على العصر بالاستناد إلى الخصوصيّة الثقافيّة التي ينفرد بها، وباستخدام معايير التقويم المستلّة من صميم هذه الخصوصيّة. ومع أنّ هردر لم يكن يشارك فلاسفة التنوير في تفاؤلهم الحضاريّ المبنيّ على فرضيّة التقدّم الارتقائيّ في النضج البشريّ، إلّا أنّه كان يَعيب على ڤولتِر مثلاً موقفَه التشكيكيّ النسبانيّ، ويتصوّر أطوار التاريخ البشريّ على مثال أزمنة الحياة، إذ في كلّ عصر من عصور التاريخ تتجلّى البشريّة في كامل أوصافها، على نحو ما تتجلّى الحياة النباتيّة أو الإنسانيّة بكاملها في كلّ حقبة من حِقبها.

 

ومن ثمّ، تنفرد كلّ ثقافة إنسانيّة بقيمة ذاتيّة خاصّة مستقلّة عن قيَم الثقافات الأخَر. لذلك كان هردر يخاطب شعوب الأرض على هذا النحو: "أيّتها الشعوب المنتشرة في بقاع العالم كلّه، أيّتها الشعوب التي ولّت وزالت على تعاقب الأزمنة: إنّ حياتك لم تقتصر على إخصاب الأرض برماد أجسادك، بحيث يستطيع نسلُك، في نهاية الزمن، أن يَسعَد ويبتهج بالثقافة الأُوروبّيّة". لا يعني ذلك أنّه كان مصاباً بالحنين الوهميّ إلى عصرٍ من العصور أو حقبةٍ من الحِقَب، كما هي الحال لدى الأدباء الرومانسيّين. جلُّ الأمر أنّه كان مقتنعاً بفرادة الوعي المنبسط في الأزمنة الإنسانيّة المتعاقبة. وهذا ما كشف عنه في كتابه الذي أنشأه في مدينة ڤايمار التي انتقل إليها بفضل مساعي صديقه الوفيّ غوتّه، إذ عُيِّن مستشاراً كنسيّاً في البلاط ومفتّشاً عامّاً. كانت المدينة، عصرئذٍ، رمزَ الانفتاح الثقافيّ وعاصمةً من عواصم الروح الأُوروبّيّة، فلم يغادرها هردر حتّى مماته. عنوان الكتاب "أفكارٌ من أجل فلسفة تاريخ البشريّة" (Ideen zur Philosophie der Geschichte der Menschheit). أمّا محتوياته، فتشتمل على الموضوعات الأساسيّة التي كان يعالجها، مستنيراً بآراء غوتِّه، لاسيّما في حقول الأدب واللغة وفلسفة التاريخ وفلسفة الدِّين وفلسفة الطبيعة. شعاره في هذا البحث تعزيزُ فرادة الاختبار الذاتيّ: "عِلمُنا كلُّه يحسب الأمور بواسطة العلامات الفرديّة الخارجيّة المجرّدة التي لا تصيب أيَّ أمرٍ من الأمور في صميم وجوده الداخليّ".

المناقشات الفلسفيّة الألمانيّة بشأن الإلحاد

حقيقة الأمر أنّ هردر كان يعاين في ميادين التاريخ والأخلاق، وأيضاً في حقل الطبيعة الصامتة، آثارَ قدرة الله العظيمة وحكمته وصلاحه. من جرّاء التصورّ الدِّينيّ هذا، راح يدافع عن الفيلسوف الهولّنديّ سبينوزا (1632-1677)، ويدفع عنه تهمة الإلحاد التي رشقه بها الفيلسوف الألمانيّ فريدريش هاينريش ياكوبي (1743-1819) الذي استثارت رسائلُه بشأن تعليم سبينوزا نقاشاً فلسفيّاً حادّاً تناول مسألة الإلحاد الأُوروبّيّ في أواخر القرن الثامن عشر (Pantheismusstreit). كان هردر يعتقد أنّ الله لا يمكن أن يتصوّره الإنسان في هيئة الكائن الشخصيّ المغاير القائم خارج العالم والممتنع عن الإدراك العقليّ، بل ينبغي أن تتجلّى عظمتُه في بدائع الطبيعة التي تحمل سمة الألوهة. بما أنّ الطبيعة تنطوي على خصائص الألوهة، فإنّ علوم الطبيعة مقدّسةٌ تحتوي على أسرار العظمة الإلهيّة. ومن ثمّ، لا يتدخّل الله في شؤون العالم بواسطة المعجزات، بل بواسطة القوانين الطبيعيّة الناظمة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استناداً إلى عمل الطبيعة، أخذ هردر يتصوّر الجنس البشريّ في قربه العضويّ من الجنس الحيوانيّ، على رغم الاختلاف في نظام الجنسَين البنيويّ. ذلك بأنّ الخَلْق يشتمل على كائناتٍ متشابهة في شكلها الخارجيّ تتباين بنيتُها التنظيميّة الداخليّة تبايناً يُظهر الاختلافَ على مستوى الإتقان الاكتماليّ. في هذا السياق، كان لا بدّ له من أن يستعين بفرضيّة الفيلسوف الألمانيّ لايبنيتس (1646-1716) القائلة باحتشاد القوى العضويّة (organische Kräfte) المنحجبة التي تحيي كلَّ كائن من الكائنات وتكشف عن عظمة الله الكامنة في الطبيعة. بفضل هذه الفرضيّة، استثمر هردر التوسّعات والتحاليل التي استودعها كتابَه "في معرفة النفس البشريّة وإحساسها" (Vom Erkennen und Empfinden der menschlichen Seele) لكي يبرهن على انغلال الله في العالم انغلالاً حلوليّاً، وعلى خلود النفس الإنسانيّة، وعلى وحدة النفس والجسد.

مخاصمة كانط الفلسفيّة

تناول كانط كتابَ هردر "أفكارٌ من أجل فلسفة تاريخ البشريّة" وفنّد الآراء التي ينطوي عليها، لا سيّما الاعتقاد المِتافيزيائيّ الذي يستند إليه وفرضيّة القوى العضويّة غير المنظورة، مخطّئاً المنهج الضبابيّ الذي يروم أن يشرح ما لا نفهمه بواسطة أمورٍ نعجز أيضاً عن فهمها. ذلك بأنّ شرح الغامض بالغامض يعطّل البناء الفكريّ برمّته. بيد أنّ هردر لم يستسغ النقد، فهبّ يهاجم كانط ويعيب عليه تفاؤلَه البريء في تصوّر تاريخ البشريّة الكوسموبوليتيّ، واستنادَه إلى مقولة الجنس البشريّ المشترك، في حين أنّ الإنسانيّة تتوزّع شعوباً وأقواماً تتنوّع خصائصُها بتنوّع ميزات كلّ ثقافةٍ على حدة.

 

وما لبث أن عاود الانتقاد، إذ خطّأ كانط القائلَ إنّ الإنسان يحتاج إلى معلِّم، مُبيّناً أنّ الكائن المحتاج إلى معلِّمٍ ما برح في الطور الحيوانيّ: "يحتاج الشعبُ إلى معلِّم ما دام لا يدرك حقيقة ذاته. كلّما اكتسب هذا الإدراك، اضطرّت الحكومة إلى تغيير أساليبها وإلى الزوال. إنّ أنبل غايةٍ من غايات الحكومة أن تصبح قابلةً الاستغناءَ عنها، بحيث يجب على كلّ فردٍ أن يحكم نفسَه بنفسه". في هذا السياق، كان هردر يرفض الدولة التي عاين فيها آلةً قاهرةً، مُندِّداً بجميع أصناف الاستبداد المستنير وغير المستنير. أمّا مثالُه الأعلى، فالإنسانيّة الناضجة التي تجسّد غاية الطبيعة البشريّة: "إذا كانت الفلسفة تروم أن تصبح مفيدةً للإنسان، فلتضعه في مقام الصدارة". "فالإنسانيّة ديانة الإنسان الأسمى" (هردر، "أفكارٌ من أجل فلسفة تاريخ البشريّة"). لم تقف المناقشات الناشطة بين هردر وكانط عند هذه الحدود، بل تحوّلت لاحقاً إلى مشادّات حادّة أصابت شخصيّة كلٍّ من الفيلسوفَين، وأفضت إلى القدح والتجريح والمشاتمة.

وعلاوةً على ذلك، رفض هردر التصوّر الجماليّ الكلاسّيكيّ الذي يحصر الصنيع الفنّيّ في أبعاده الشموليّة التي تتجاوز حدود المكان والزمان. فأصرّ على المرجعيّة السياقيّة التي تجعل هذا الصنيع تعبيراً حيّاً عن فرادة قوّة الفنّان الخلّاقة المنغرسة في تربة الانتساب القوميّ. أثناء الزيارة التي اطّلع فيها العامَ 1788 على روائع الفنّ الإيطاليّ، أصابه بعضٌ من الاكتئاب لشدّة ما عاين من الأطلال الحضاريّة المتروكة، وفي يقينه أنّ العمل الفنّيّ يجسّد اقتدار العظمة الإلهيّة. لا عجب، والحال هذه، من أن يُفضي به مثلُ هذا التصوّر إلى مخالفة صديقه غوتِّه ومجانبة مُنظِّر الجماليّات فريدريش فون شيلر (1759-1805) في تصوّرهما الكلاسّيكيّ أمجادَ الميثولوجيا القديمة وامتداحهما سموَّ الروائع التي خلّدتها الحضاراتُ القديمة. لذلك كانت نظرته في السعادة مقترنةً برؤيته الجماليّة: "ليست الطبيعة البشريّة مَركبَ سعادةٍ مطلقةٍ مستقلّةٍ جامدةٍ، كما يحدّدها الفلاسفة، بل بالأحرى تستخرج هذه الطبيعة لذاتها ما تقوى عليه من سعادةٍ [...] تتغيّر هيئتُها بحسب الأحوال والأمكنة" [...]. لكلّ قومٍ مركزُ سعادته في صميم ذاته، كالكرة التي تحوي في ذاتها مركزَ جاذبيّتها".

استغلال إرث هردر الفكريّ

لا شكّ في أنّ أفكار هردر الطليعيّة أثّرت تأثيراً بالغاً في حركة الثقافة الأُوروبّيّة وفي تطوّر الأشكال الأدبيّة في القرن التاسع عشر. ذلك بأنّه ألهم أصحاب الرواية الملحميّة، وأغنى تيّارات الكتابة الأسطوريّة ونظْم الأناشيد الشعبيّة، ورفد الأساطير الميثولوجيّة بزخمٍ إيحائيٍّ بليغ. أمّا في نطاق الفلسفة، فإنّ كتاباته أثّرت في مثاليّة شلينغ وهيغل وفي روحيّة هُلدرلين. وكان لتصوّراته الجماليّة الوقع الشديد في نصوص هؤلاء الفلاسفة الذين تعارفوا في أثناء دراساتهم الجامعيّة في مدينة تُبينغن. غير أنّ الباحثين يستجلون في فكره الدِّينيّ الأثرَ الإلهاميّ الأبلغ، إذ إنّه من المفكّرين الأوائل الذين كشفوا لنا كيف يمكن أن نتجاوز التنوير العقلانيّ الأُوروبّيّ من خلال الاعتراف بقيمة الاختبار المعيشيّ الحيّ، وكيف يمكن أن نستنقذ التقليد التراثيّ المحلّيّ الذي ينبغي أن يستند إلى روح الإنسانيّة المتجلّية في إبداعات الشعوب: "إنّ رداءَ الفلسفةِ ومحبّةِ البشر العالميَّ يمكنه أن يحجب القمع والاغتصابات التي تنال من الحرّيّة الإنسانيّة الشخصيّة المحلّيّة المدنيّة القوميّة الحقّ".

بيد أنّ أفكار هردر عرفت مصيراً آخر من الاستغلال الظالم، إذ فسّرها الرومانسيّون تفسيراً يلائم تصوّراتهم، وأوّلها أهلُ المذهب التاريخانيّ تأويلاً يناسب مقاصدهم. أمّا التشويه الأخطر، فأصابها حين روّجت لها الأيديولوجيا النازيّة، وعاينت فيها تمجيداً للقوميّة المتصلّبة والوجدانيّة الجماعيّة اللاعقلانيّة. من الواضح أنّ مثل هذا التشويه يخالف ما كان يذهب إليه هردر في تصوّراته القوميّة من مناهضة السياسات البيروقراطيّة المستعلية المتجاهلة اختباراتِ الشعوب الحيّة وتقاليدَها التراثيّة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة