Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

وثيقة من مأرب تهجو الحوثي وتتعقب أخطاء أسلافه

من المآخذ الظاهرة على الكتاب اتخاذه مساراً هجومياً وهجائياً لم يفرق فيه بين إمام وآخر على رغم البون الشاسع بين تجارب القرون

صدر كتاب "الكهنة... صفحات من التاريخ الأسود للكهنوت الإمامي في اليمن (مواقع التواصل الاجتماعي)

دفعت الأوضاع الصعبة التي يشهدها اليمن الكتاب إلى شحذ أقلامهم لتفنيد الأحداث الكبرى والمأساة الإنسانية ومواجهة ما يصفونه بالممارسات الحوثية بحق الشعب، مع الأخذ في الاعتبار التأصيل التاريخي للحركة المدعومة من إيران وربط نهجها بروافدها الدينية الأولى وجذورها الممتدة منذ مئات السنين.

وصدر كتاب "الكهنة... صفحات من التاريخ الأسود للكهنوت الإمامي في اليمن"، للباحثة لمياء الكندي في إطار جهود حملة الرأي والكُتاب في مواجهة الانقلاب الحوثي على الدولة اليمنية والإجماع الشعبي وتسببه في إحداث مأساة إنسانية مروعة هي الأسوأ على العالم ولا يعلم لمداها منتهى، كما يستعرض تاريخاً طويلاً في البلد تحت حكم الأئمة الزيديين، يتصل بتسلسل منطقي للأحداث في سبيل الحكم المستمد من "الحق الإلهي في الحكم والولاية".

اليمن في حكم الزيدية

وفي الكتاب الذي صدر عن "مؤسسة جذور للفكر والثقافة ومنتدى معدي كرب القومي" في 158 صفحة من القطع المتوسط، يستعرض تاريخاً يمنياً مثقلاً بإرث طويل من الدماء والاستلاب، سعت خلاله أيضاً إلى التوضيح والكشف والتعرية لما سمته "الممارسات الإجرامية لكهنة السلالة أثناء حكمهم لليمن".

ولهذا ناقش الإصدار وفق تسلسل تاريخي ومنطقي "البنية الفكرية والممارسات الإجرامية للائمة بدءاً من يحيى بن الحسين الرسي، أول إمام زيدي حكم أجزاء من اليمن بين الأعوام من 897 ميلادية إلى 911 ميلادية وهو مؤسس الزيدية ومؤسس ما عرف بالدولة الهادوية التي حكمت خلال الفترة من 284 هجرية وحتى 1006هجرية، ونهاية بآخر أئمة الزيدية في اليمن محمد بن أحمد حميد الدين الذي أسقط حكمه فجر الـ 26 من سبتمبر (أيلول) 1962، ثم عودة ميليشيات الحوثي التي تحكم قبضتها اليوم على أجزاء واسعة من الشمال اليمني عقب انقلابها العام 2014.

نزع هالة القداسة

وتطرق الكتاب إلى عشرات الأئمة وسيرهم بشكل مختصر، إذ تضمن الاشارة الى ما وصفته المؤلفة "بجرائمهم التاريخية بحق اليمنيين بشكل مركز"، وهو ما أكسبه ميزة عن غيره من الكتب الطويلة التي قد يعزف كثيرون عن قراءتها.

وتقول الكندي خلال حديثها إلى "اندبندنت عربية" إن أهمية الكتاب تأتي كونه أطلق للمرة الأولى المسميات الفعلية والتوصيفات التي ارتبطت بأدعياء الحق الإلهي في الحكم، ونزع هالة القدسية الزائفة التي تستروا بها طوال قرون عدة.

وكون الكاهن تعني ادعاء معرفة الأسرار وأحوال الغيب والاصطفاء السماوي، لم يغفل الكتاب أفراد فصل كامل تضمن أهم الفتاوى والأقوال التي تكرس استهداف الوعي الجمعي نحو اتباع "أعلام الهدى" وأهل الحق و"الولاية" في الحكم، وما يترتب على مخالفة ذلك من غضب الله ووعيده في الدنيا والآخرة.

وفي هذا الإطار استعرضت سلسلة من "جرائم الإبادة" بحق الشعب اليمني الذي يقاوم فكرة حصر الولاية في البطنين وفقاً للمشاريع "الطائفية المستوردة الدخيلة والحق الإلهي الذي يدعون تمثيله".

 

الكفاح الفكري

الكندي التي أهدت إصدارها لـ "شهداء الجيش الوطني والمقاومة الشعبية وشهداء التحالف العربي لدعم الشرعية"، عقب حفل إصدار شهدته قاعة جامعة إقليم سبأ بمحافظة مأرب شرق اليمن، قالت إن بحثها يسعى إلى "مواجهة الفكر الحوثي الدخيل وكشف تاريخ الإمامة الملطخ بالدم وجرائمه ضد المرأة في اليمن".

وكي يحظى بحقائق موضوعية أكدت أنها استندت من خلال المعلومات والمادة الواردة فيه والخاصة "بجرائم الكهنة على كتب التاريخ ذاتها وسيرهم التي ألفها أبناؤهم أو القريبون منهم، وتم تصوير تلك الجرائم على أنها ممارسات طبيعية في إطار الانتصار للحق الإلهي الذي يدعون تمثيله".

وراعت الكاتبة استخدام لغة كتابية مبسطة وسلسة بعيدة من التكلف والتعقيد الفلسفي، والهدف كما تقول "كي توصل رسالة الكتاب إلى مختلف الشرائح الاجتماعية والثقافية والفكرية على اختلافها، ولتتناوله جميع شرائح وفئات الشعب"، ولهذا فالكتاب متاح عبر مختلف الوسائط الرقمية.

أبعاد ظرف الزمان

ولعل الظرف الزماني للكتاب منحه بعداً رمزياً كونه يأتي، وفقاً للمؤلفة، "في مرحلة يعيش فيها اليمنيون أكبر استفزاز حضاري وتعليمي وفكري وثقافي من قبل المتمردين الذين يسعون من خلاله إلى تجريف الهوية الوطنية والمساس برموزها الثقافية، وبخاصة تلك التعديات والتغييرات الممنهجة التي تعرضت لها الكتب المدرسية في محاولة لصبغها بالأفكار الطائفية والعقائدية التي تفرض على اليمنيين بالقوة من قبل ميليشيات التمرد الكهنوتية الحوثية اليوم". 

وفي إسقاط على الواقع الذي تستشهد به الكاتبة اليوم للاستدلال على الكارثة التي حلت باليمنيين، ترى أن انقلاب ميليشيات الحوثي على الدولة زاد معاناة الشعب اليمني وجعله يعيش وضعاً صعباً للغاية، إذ أصبح معظم المواطنين نازحين ومشردين بين المحافظات، يكابدون شظف العيش وظروف حياة فرضت عليهم.

وعبر هذا الواقع المرير "تعرضت المرأة لنصيب كبير من الظلم والتهميش، خصوصاً وأن الشعب اليمني شعب محافظ ديني، إذ استغلت تلك الميليشيات هذا الأمر لأجل حرمان المرأة من جميع حقوقها، ولعل أهم حق للمرأة هو التعليم، لكن حفيدات بلقيس أبين إلا أن يقفن بصلابة في وجه كل من يحاول حرمانهن من حقوقهن، كما شاركت المرأة اليمنية في مواجهة الانقلاب المشؤوم الذي يريد أن يعيد اليمن لعصر الظلام والجهل".

وعن أبرز الصعوبات التي عانتها تؤكد الدكتورة الكندي بأنها كأي امرأة تعيش في مجتمع محافظ وجدت معوقات سعت إلى تحجيم نشاطها، وتتحدث عن بدايتها بأنها انطلقت في فترة الدراسة الجامعية وهي المرحلة التي وجهت فيها نشاطها الثقافي والكتابي.

غير أن الكتاب الذي "لقي تفاعلاً كبيراً منذ اللحظة الأولى لإعلان توقيعه أزال أكوام التعب وكان التفاعل فوق المتوقع، وهو ما يؤكد اتقاد روح الوعي والتحدي الوطني لمشاريع الخرافة والكهنوت الحوثية".

وتخلص إلى القول بأنه " آن الأوان للعقل الجمعي اليمني اليوم أن يتذكر كل المرارات والمكايدات التي أعاقت نموه الحضاري ووضعته في خانة أكثر الشعوب فقراً وجهلاً بسـبب أئمة الجور والكهنوت وظلامية حكمهم".

مشتركات الدم والمال

وكان واضحاً إتاحة نصيب وافر من المبحث لـ "التاريخ الدموي للكهنة" مستدلاً بسلسلة من الحروب والحملات والإعدامات الجماعية التي نفذوها في سبيل تثبيت سلطتهم وحصولهم على الأموال والموارد، وهو استخلاص عن أبرز المشتركات التي ينتهجها الأئمة بحسب البحث التاريخي حتى اليوم.

وهنا تستدل بواقعة تضمنها كتابها ومنها أنه "بعد سيطرة يحيى بن الحسين على صنعاء سنة 288 هـ، قام بتعيين حاشيته الخاصة من أبنائه وإخوانه وأبناء عمومته العلويين، مستعيناً بتثبيت أركان حكمه بالجند الذين استقدمهم معه من طبرستان وعرفوا باسم ’الطبريين‘ وهم الذين شكل منهم يحيى بن الحسين جنده الخاص الحامي لدولته والمسير للحروب فيها، فكان ’الطبريون‘ الفرس مسلطين بسيوفهم وبما أوتوا من قوة على رقاب القبائل اليمنية، وكانوا يد المجرم يحيى بن الحسين الضاربة في البطش والسلب والنهب والتخريب وإحراق المزارع وهدم البيوت وسجن المنافسين وقتل المخالفين وإعدام الأسرى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي هذا الجانب توضح أنهم "دائماً ما كانوا يشددون، كما نرى من الحوثيين اليوم، على أخذ الحقوق من خلال فرض الإتاوات والجبايات والزكاة والأوقاف وزكاة الخمس والصوافي، والصوافي تسمية أطلقها الأئمة على الأموال التي تمت مصادرتها من المشايخ والدولة اليمنية والوزراء والأمراء لمصلحتهم، لقاء ما يعتبرونه جهاداً على من يخرجون، وكل هذا باسم فتاوى مزيفة تظلل العامة بين الترغيب والترهيب، مكرسين كل ما يشرع لهم أخذ الأموال بالباطل، بينما هم كدولة تسيطر بالحديد والنار غير ملزمين بدفع أية حقوق للرعية حتى على مستوى الجيش، فلا يوجد جيش عدا وحدات معنية بحماية عروشهم، أما الحملات التي ينفذونها على البلدات والقرى والمدن فكانت توكل إلى القبائل، ويتم إغراؤهم بأخذ ما يقع تحت أيديهم جراء عمليات السلب والنهب التي شرعوها، فهذه السلوكيات متوارثة لديهم، فالحوثي لم يدفع الرواتب عدا تمويل حروبه وتمديد نفوذه وسلخ الهوية وتزييف الوعي وتجريف المناهج التعليمية خدمة لمشاريعهم المدعومة من إيران".

ولا تخفي جماعة الحوثي التي صنفتها الحكومة الشرعية اليمنية ودول خليجية عدة جماعة إرهابية سعيها إلى المشي على خطى أسلافها من أئمة اليمن الذين قضوا، إلا أن ما يناقض في نظر كثيرين مزاعمهم تلك، هو اتكاؤهم على النظام الإيراني الذي يجاهر باستغلال نفوذه في دول عربية عدة، فيما كان عدد من الأئمة وحكام اليمن الأقدمين معتزين بهويتهم العربية الأصيلة، وتربطهم علاقات وطيدة بجوارهم العربي في مثل علاقة الإمام حميد الدين بالسعودية حتى آخر أيام حكمه التي انتهت باستضافته وذويه من جانب السعوديين.

ولهذا كان من المآخذ الظاهرة على الكتاب اتخاذه مساراً هجومياً وهجائياً لم يفرق فيه بين إمام وآخر على رغم البون الشاسع بين تجارب القرون السابقة لحكم الأئمة في ما بينها، فضلاً عن تجربة الحوثيين الراهنة التي تصنف باعتبارها أكثر قتامة نظير قيامها على أيدولوجية العداء لجيرانها العرب والتبعية الإيرانية.

المزيد من كتب