Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف باتت دول "العشرين" بمثابة مجلس إدارة العالم؟

نقاط قوة اقتصادية وعسكرية وسياسية تجعل منها درعاً لصد الأخطار المعولمة

تمثل مجموعة العشرين نحو 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم (أ ف ب)

تشهد العاصمة الإندونيسية بالي بدءاً من نهار الثلاثاء، 15 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، وعلى مدى يومين متتاليين، أعمال قمة مجموعة العشرين، التي تضم أكبر اقتصادات العالم وأكثرها إنتاجاً وقوة شرائية لمواطنيها.

قبل أن ينصرم القرن العشرين بعام واحد، وبالتحديد في عام 1999، جاء تشكيل هذه المجموعة، رداً على سلسلة أزمات مالية طالت الدول الآسيوية في أوائل التسعينيات، واعتبرت المجموعة منذ ذلك الوقت بمنزلة ناد دولي، يهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي الدولي، وإيجاد فرص للحوار بين البلدان الصناعية والناشئة اقتصادياً، وقد عقد أول اجتماع لها على مستوى زعماء الدول الأعضاء عام 2008.

هل هناك ما يميز قمة العشرين هذه الدورة؟

 المؤكد أن هناك ما يميز دورة قمة العشرين الحالية، لا سيما بعد عامين من جائحة "كوفيد-19"، التي أثرت سلباً في أحوال العالم، المتقدم والنامي على قدم المساواة، مع التبعات التي خلفها الفيروس، ثم جاءت الحرب الروسية – الأوكرانية لتزيد المشهد الدولي التباساً، وتتفرع الأزمة إلى أزمات، بدءاً من إشكالية الطاقة وارتفاع أسعارها، مروراً بتعطل سلاسل الإمداد، والمخاوف من نقص السلع الغذائية، وبالتحديد الحبوب، بسبب الصراع بين موسكو وكييف، وصولاً إلى احتمالات المواجهة بأسلحة غير تقليدية.

في هذا السياق، يبقى لقاء العظماء العشرين إن جاز التعبير، فرضاً وليس نافلة، ويظل السؤال "لماذا هذه المجموعة مهمة لضبط مسارات الكون ومساقات مواطنيه؟".

القوة الاقتصادية منطلق أول

لعل السبب الأول ونقطة الارتكاز الرئيسة في كينونة مجموعة العشرين مرده قوة وصلابة وضعها الاقتصادي العالمي، فهي تمثل نحو 20 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي لدول العالم، و80 في المئة من التجارة وثلثي السكان في العالم.

وتضم المجموعة، إضافة إلى الاتحاد الأوروبي، 19 دولة هي الأرجنتين وأستراليا والبرازيل وكندا والصين وفرنسا وألمانيا والهند وإندونيسيا وإيطاليا واليابان والمكسيك وروسيا والسعودية وجنوب أفريقيا وتركيا وكوريا الجنوبية والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركية.

وهناك بعض الدول مثل إسبانيا وهولندا التي تشارك في اجتماعات مجموعة العشرين بصفة ضيفين دائمين.

تعني تلك الحقائق أن هناك مقدرات قوة اقتصادية عالمية في أيدي تلك المجموعة، وأنها قوة قادرة على صنع الصيف أو الشتاء، حال اتفقت أو افترقت، ومن هنا يكتسب حضورها على الساحة الدولية زخماً شديداً.

يلاحظ المرء كذلك أن هناك قوى آسيوية ذات ثقل ليست من الأعضاء، وربما لا ولن يسمح لها يوماً بالاقتراب من حدودها، إذ تعد قوة صاعدة، وأنها ليست مكافئاً موضوعياً بعد، لكن في ظل نهج ينتشر بسرعة حول العالم، كما الحال مع فكرة "البريكس بلس"، فإن مخاوف العشرين من النمور الآسيوية الجديدة تظل واضحة، وتبقى لقاءات مجموعة العشرين في كل الأحوال لتنسيق الخطوط وتخليص الخيوط لصالح أجيال المجموعة القائمة والقادمة.

على أن علامة استفهام أخرى ترتفع في الأفق "هل لهذه المجموعة دور أو أدوار أخرى تتجاوز النظرة البراغماتية الضيقة لأعضائها؟".

مجموعة العشرين ونداءات غوتيريش

في أواخر شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وقبل نحو شهر من لم شمل عظماء اقتصادات العالم، بعث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش برسالة إلى وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية باقتصادات العشرين الرائدة في العالم، فما الذي حملته الرسالة؟

المؤكد أن هناك رغبة لدى غوتيريش في أن تقوم المجموعة بتغيير المسار، وقيادة الانتعاش الاقتصادي والعالمي الذي يشمل البلدان النامية المتضررة بشدة من جائحة "كوفيد-19"، ومن تأثير الحرب في أوكرانيا ومن تغير المناخ.

رسالة غوتيريش تكاد تحمل المجموعة عبئاً أدبياً وأخلاقياً كبيراً، وهذا في واقع الأمر صحيح، لا سيما أن تلك الدول تتسبب بأكثر من 68 في المئة من تلوث المناخ العالمي، ولا تزال يدها مغلولة عن مساعدة الدول الفقيرة، وربما الالتزام الخاص بتقديم نحو 100 مليار دولار مساعدات للدول النامية في مؤتمر غلاسكو للمناخ في العام الماضي، لا يزال حبراً على ورق.

تكتسب مجموعة العشرين أهمية خاصة بالنسبة إلى اقتصادات دول العالم الثالث بنوع خاص، انطلاقاً من قدرتها على التعاطي مع واحدة من أعقد القضايا الاقتصادية العالمية، أي أزمة الديون العالمية، التي باتت خانقة، ولم يعد أحد قادراً على تحمل أعبائها وتبعاتها، ويمكن لدول هذه المجموعة أن تعفي كثيرين منها، أو في أضعف الأحوال أن تحولها إلى استثمارات تدر دخلاً، وتساعد على دفع الاقتصاد العالمي، في مدارات بعيدة عن الركود والتضخم العالميين واللذين يحلقان بقوة فوق سماوات العالم شرقاً وغرباً.

لقد بات النظام المالي العالمي غير عادل، لا سيما جراء اعتماده على تحليلات قصيرة الأجل للكلفة والعائد، مما يميز الأغنياء على الفقراء.

المجموعة وأميركا... ديون وسياسات نقدية

واحدة من أهم الحقائق الاقتصادية العالمية التي تكرست خلال الأشهر الأخيرة، لا سيما بعد العملية العسكرية الروسية ضد أوكرانيا، موصولة بالأوضاع المالية العالمية، وما تقوم به الولايات المتحدة الأميركية بنوع خاص من سياسات مالية حمائية تستهدف تقوية عملتها المحلية الدولار، التي هي في الوقت ذاته المرجع الأكبر لجميع عملات العالم، رفع الفيدرالي الأميركي الفائدة على الدولار أربع مرات متتالية، وفيما الدولار يزداد قوة ومتانة، كانت أوضاع عملات العالم المختلفة تتراجع، بل إن بعضها هوى بشكل غير مسبوق.

لم يتوقف المشهد عند هبوط قيمة العملات لدى غالبية دول العالم، بل كرس الأمر مزيداً من المشكلات الاقتصادية، بدءاً من زيادة أسعار السلع والخدمات، والاضطراب في أسواق النفط العالمية ومعدلات أسعارها، وعجز كثيرين في داخل الدول النامية والفقيرة عن القيام بواجباتهم الاعتيادية تجاه أعباء الحياة اليومية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 التطورات الأخيرة على هذا النحو باتت تمثل مهدداً حقيقياً للاستقرار الاجتماعي، مما دعا إلى الخوف من أن تشهد دول بعينها قلاقل واضطرابات أمنية، لا سيما من قبل الجموع الغاضبة غير القادرة على تأمين لقمة العيش لأسرها.

 على عتبات بالي، تساءل كثيرون، هل ستتمكن بقية الدول الأعضاء من إقناع الولايات المتحدة بإجراء تغييرات في سياساتها النقدية، الأمر الذي يعود بالجميع إلى واحدة من أهم القواعد الاقتصادية العالمية: "عش ودع الآخرين يعيشون".

عند كثير من المراقبين الماليين أن واشنطن لا بد لها هذه المرة من أن تفكر في مسار آخر غير المسار البراغماتي التقليدي، وإلا فإنها ربما ستجد الدولار في تراجع عن مكانته العالمية التقليدية، وبخاصة في ظل ما جرى أخيراً من إحلال الروبل الروسي في المعاملات مع عدد من الدول ومنها الاتحاد الأوروبي.

والمؤكد أن الروبل بنفسه لن يتمكن في المدى المنظور من مقارعة الدولار، لكن توجه دول "البريكس"، بما فيها الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، عطفاً على بقية الدول المنتظر انضمامها إلى ما سيطلق عليه دول "البريكس بلس"، يمكن أن يخلق سلة عملات تختصم بحال من الأحوال من قوة الدولار التقليدية يوماً تلو الآخر.

وبقدر ما تبقى مسألة تغيير واشنطن سياساتها النقدية مهمة لبقية العالم، فإن إيجاد مسارب أمل حول أزمة الديون العالمية يظل هاجساً مخيفاً للجميع، بما فيهم الولايات المتحدة الأميركية عينها، تلك التي تجاوزت ديونها لبقية دول العالم 30 تريليون دولار.

وهو أمر مزعج لا سيما إذا تخيل البعض أن واشنطن لن تقوم يوماً ما بسداد أذونات الخزانة الخاصة بها لأي دولة تملكها، وساعتها سيكون الانهيار العالمي حدثاً مؤكداً وبشكل يجعل من أزمة الاقتصاد العالمي في ثلاثينيات القرن الماضي قصة أطفال بالنسبة إلى ما ستجري به المقادير.

إنقاذ الكرة الأرضية أو هلاكها

الذين يتساءلون عن أهمية مجموعة دول العشرين والدور الذي تمثله في قلب عالمنا المعاصر، يلفت أنظارهم أن موعد القمة جاء بعد نحو أسبوع من انطلاق أعمال قمة المناخ العالمي "كوب 27"، في مدينة شرم الشيخ المصرية على ساحل البحر الأحمر، وقبل انتهائها بعدة ساعات، فهل من رابط بين القمتين؟

حتماً هناك رابط بين القمتين، وهو ما وضح جلياً في نداء الأمين العام غوتيريش لقادتها، داعياً إياهم إلى زيادة هائلة في التزاماتهم تجاه التنمية الإنسانية، وتخفيف آثار التغير المناخي، وتقديم نسبة لا تقل عن اثنين في المئة من الناتج الإجمالي لكل دولة من دول المجموعة للمساهمة في حل أزمة المناخ العالمي.

ولعله مما يحسب إيجاباً لهذه المجموعة وجود ما يعرف بلجنة "علماء الـ20"، التي أنشئت بواسطة أكاديميات العلوم الوطنية في بلدان مجموعة العشرين، بهدف الحد من الأخطار التي تهدد النظم الإيكولوجية البحرية والحفاظ على البيئات البحرية وقد قدمت مجموعة من التوصيات في هذا السياق.

من بين تلك التوصيات العمل على إنشاء نظام محسن لتخزين البيانات وإدارتها على النحو الذي يضمن تمكين العلماء على مستوى العالم من الوصول إليها بسهولة، فضلاً عن تبادل المعلومات المكتسبة من خلال الأنشطة البحثية التي يجري تنفيذها، في ظل تعاون مكثف ومتعدد الجنسيات، للتعجيل بالتوصل إلى فهم شامل للمحيطات العالمية وديناميكيتها.

ولهذا السبب وعلى وجه التحديد يتعين على الجميع السماح بتدفق البيانات بطريقة حرة مع الثقة، ويعني مفهوم الثقة هذا ألا تتحول القضية إلى براغماتية غير مستنيرة، من خلال استغلال المعلومات لصالح جانب من دون الآخر، بل العمل على تحويل البيانات إلى منافع عامة يستفيد منها العلماء في مختلف أرجاء العالم.

الأمن الغذائي والسيبراني

تكتسي القمة هذه الدورة أهمية كبيرة على مستوى تهديدين، الأول يتعلق بما يعرف بسلاسل الإمداد والأمن الغذائي، والثاني يختص بالمعلوماتية وما بات يشكل هاجساً عنوانه الأمن السيبراني.

أما التهديد الأول فقد أسهمت جائحة "كوفيد-19" في تشكيله أول الأمر، فمع قصور حركة الشحن وتوقف السفر بين بلدان العالم لفترة ليست بقصيرة مع انتشار الفيروس القاتل، باتت هناك أزمة حقيقية في توريد السلع والخدمات إلى بقية أرجاء العالم، وتكدست البضائع بالموانئ، الأمر الذي تسبب في حركة واضحة من الكساد والتضخم العالميين.

 ثم جاءت الأزمة الأوكرانية لتتسبب في أزمة حبوب عالمية، ونقصها يعني حالة من الجوع ثم المجاعات، ما لم يقدر لدول المجموعة اتخاذ إجراءات شافية وافية، تقي العالم شر الهول الكبير القادم لا محالة حول العالم.

 أما التهديد الثاني ومن دون الخوض في غمار التحليلات التقنية، فموصول بما بات يعرف بالأمن السيبراني، وهو مصطلح فرض نفسه عالمياً خلال العقود الأخيرة، وتحديداً العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، وذلك حين أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي هي من يقوم بالتحكم في دفة غالبية الأنشطة الإنسانية المعاصرة.

ولعل المتابع لحركة التواصل الإنساني، لا سيما بين الدول ذات المستويات المتقدمة من شبكات الاتصالات، وفي المقدمة منها دول مجموعة العشرين، يدرك تمام الإدراك كيف أنها باتت تعتمد بالكلية على الفضاء السيبراني في عمل شبكات الدفاع والهجوم على أراضيها، وإدارة بورصات الأوراق المالية، ثم مجالات الرحلات الجوية، بجانب وسائل الانتقال في البحار، مما يعني أن من يملك زمام المبادرة وأدوات القيادة والسيطرة في هذا العالم غير المنظور هو من سيقدر له تدبير شؤون العالم.

وبالقدر نفسه، يمكن للقارئ أن يتخيل مقدار الضرر الذي يحيق بالعالم برمته، وبدول المجموعة على نحو خاص، حال تم اختراق هذا الفضاء السيبراني من قبل جماعات الإرهاب الإلكتروني، وأية فوضى يمكن لهم أن يحدثوها حول العالم.

البعد العسكري والموقف من روسيا

يعد اجتماع دول العشرين المقبل أول قمة تعقد في زمن أزمة الصراع الروسي – الأوكراني، وسيكون من المقطوع به أن تسارع زعامات تلك الدول إلى البحث في مسار ومصير تلك الحرب.

في البداية يبدو هناك اختلافات حول مشاركة روسيا في أعمال القمة، فقد كان هناك رفض أميركي وأوروبي بشكل واضح لحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن الدولة المضيفة وجهت الدعوة إلى روسيا، فيما لا يزال الموقف الروسي الرسمي غير واضح من ناحية أخرى، وما إذا كان الحضور والمشاركة سيكونان على مستوى رئيس الدولة أم من ينوب عنه.

غير أن جوهر القصة ليس هنا، إنما في قادم مشهد تلك الحرب، وهل يمكن أن تتطور المعارك لتحدث مواجهة يخشى منها الجميع، ما بين حلف "الناتو" وروسيا، وإطلاق شرارة الحرب العالمية الثالثة.

تبدو قمة العشرين هذه المرة وكأنها قمة حرب، وهذا صحيح بصورة أو أخرى، مع الأخذ في الاعتبار أن مواقف الأوروبيين تتغير كل يوم، وفي تراجع واضح عن التبعية المطلقة للولايات المتحدة الأميركية، فقد خبر الأوروبيون الثمن الباهظ الذي دفعوه جراء الانجرار وراء رغبات واشنطن في التصعيد مع موسكو، فما الحال مع الحرب الشاملة؟

من منظور ديموغرافي، تعد مجموعة العشرين مجموعة أكثر شرعية من جهة تمثيل عالم متنوع ومعقد من مجموعة السبع، ولهذا فإن أمر الخيار العسكري في المشهد الروسي – الأوكراني لن يكون حصراً على السبعة الكبار بملامحهم الغربية، وباعتبار اليابان تدور في فلك الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وأحد ثلاثة أضلاع للمثلث الرأسمالي.

ولأن دول السبع لا تستطيع دفع البقية من مجموعة العشرين في طريق التناحر العسكري مع روسيا، لهذا يأمل كثير من المراقبين أن تكون هذه القمة فرصة لإيجاد مخرج سلمي للأزمة التي طالت.

 هل من خلاصة؟

تبقى قمة العشرين الحالية نقطة مهمة في تحولات العالم المعاصر، خصوصاً في ظل ما يبدو وكأنه صراع متجدد بين كتلتين حول العالم، شرق وغرب، في عالم تجاوز الثنائية القطبية، وبات بحال من الأحوال أقرب ما يكون إلى زمن التعددية القطبية، فهل سينجح زعماء العشرين في دفع العالم عن هوة الشقاق والفراق المعاصرة، وإعطاء زخم للأمل مع بداية العام الجديد، من خلال دروب التعاون الأممي الخلاق، وبعيداً من السياسات البراغماتية قصيرة النظر، التي تبغي مصالح أيديولوجية ضيقة، تستغلها جماعات اليمين واليسار للعودة من جديد إلى دوائر التنظير الفكري، فيما البشر يموتون من قهر المناخ وقرص الجوع ونقص الوقود؟