Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

3 مبدعين شبان من أوكسفورد في ألمانيا ما قبل النازية والكارثة

بعد أن كاد يكتب "كباريه" يوماً سبندر يروي الحكاية في روايته "المعبد"

مشهد من فيلم "كباريه" (1972) (موقع الفيلم)

كانوا ثلاثة شبان يدرسون في أوكسفورد ويتبادلون الشكوى من ضيق ذرعهم بضغوط المجتمع الطبقي الإنجليزي ذي التراتبية المفرطة، وبما كان قد تبقى من النزعة المحافظة التي كانت تسود إنجلترا حتى بعد أعوام طويلة من رحيل الملكة فكتوريا. في ذلك الحين كانوا شباباً لكنهم كانوا يحملون أسماء وتطلعات تعد بأنهم سيكون لهم شأن كبير في إبداع بلادهم: دبليو أتش أودن، وكريستوفر إشروود وستيفن سبندر. وهم خلال نقاشاتهم وتبرمهم اليومي اتخذوا ذات يوم قرارهم بأن يتوجهوا إلى ألمانيا حيث جمهورية فايمار والحرية والإبداع في أعظم تجلياتها. وتوجهوا إليها بالفعل وعاش اثنان منهم فترة لا بأس بها فيها، بينما الثالث، إشروود قرر البقاء "إلى الأبد" ليصبح لاحقاً صاحب الرواية التي أرخت للنازية بأفضل ما يكون وعرفت في العالم أجمع حين صارت فيلماً عنوانه "كباريه" ستلعب فيه فاتنة السبعينيات لايزا مينيلي دور جين روز مغنية الـ"كباريه" التي يفتن بها الفتى الإنجليزي على خلفية القمع النازي المستشري.

وهذه الرواية المبنية أصلاً على الحكاية الحقيقية للشبان الثلاثة، كان إشروود دائماً ما يخشى أن يسبقه ستيفن إلى رواية الحكاية طالما أن كل الشبان أغرموا بجين وكانت لهم معها حكايات، لكن ستيفن لم يفعل تماماً بل كتب رواية بالفعل ثم انتظر نصف قرن وأكثر قبل أن تنشر نسخته من الحكاية، نسخة لا تلعب فيها جين سوى دور ثانوي. النسخة التي أصدرها سبندر متأخراً نحو 40 عاماً بعد أن نصحه كثر ومن بينهم فرجينيا وولف وتي س إليوت بألا ينشرها "لأن الزمن كان أبكر من أن يسمح بذلك"! وكانت النتيجة يومها أن باع المخطوطة إلى جامعة "تكساس" التي ستعود إلى المشروع في عام 1962 وتطلب من الكاتب إعادة قراءتها تمهيداً لنشرها. ففعل لكنه لم يعد قراءتها فقط بل أعاد كتابة أجزاء عديدة منها، مغيراً بعض التواريخ لتتماشى مع مشاهد عن بدء ظهور النازية، لكنه أبقى على العنوان القديم "المعبد".

أقنعة شفافة

تبدأ أحداث "المعبد" في أكسفورد حيث يلتقي بول مع سيمون وبرادشو، وهي الأسماء التي اختارها الكاتب لنفسه ثم لإشروود وأودن على التوالي. ولقد شجع هذان الأخيران رفيقهما على زيارة ألمانيا برفقتهما بحجة أنه قد يفضل ألمانيا على بريطانيا بفعل الأجواء الليبرالية المخيمة فيها، وإذ يتعرف بول إلى المدعو إرنست ستوكمان، أحد المعجبين بشعره، من خلال صديقيه، يدعوه هذا لزيارة منزل عائلته في هامبورغ وتتم الزيارة بالفعل، ويلتقي بول أم ستوكمان وبعض أصدقائه الأثرياء من أمثال يواكيم وويلي. وهكذا تبدأ الحياة هناك تحلو لبول إلى درجة أنه بعد عودته إلى بريطانيا وقد ترك وراءه سيمون وبرادشو، الأول ليلحق به بعد حين والثاني ليبقى في هامبورغ غير ناو الرجوع إلى الوطن، سيعود بول مرة أخرى، هو الذي كان قد صرخ عند نهاية الجزء الأول من الرواية وقد أفاق ذات لحظة مفعماً بالحيوية وحب الحياة في تلك الـ"فايمار" التي بدأ يعتاد عشقها: "الآن فقط بدأت أعيش".

اعتراف لا يهم كثيراً

والعودة ستكون في عام 1932 بعد أن كانت الزيارة الأولى في عام 1929. وسيعترف سبندر لاحقاً في تقديمه طبعة عام 1988 من الرواية أن أحداث كلا الجزأين قد حدثت في عام 1929 في الواقع، لكنه نقل الجزء الثاني إلى شتاء عام 1932 لزيادة الشعور بالنذير النازي. وفي القسم الثاني، يستعيد بول عديداً من أصدقائه مرة أخرى، وأبرزهم ويلي لاسل، الذي بات الآن خاطباً امرأة نازية، ويواكيم لينز، الذي يعاني كثيراً جراء علاقته بهاينريش. وإذ أقام هاينريش هذا صداقات مع إريك، الفاشي علناً، يقابله بول ويشعره بالاشمئزاز والانزعاج من أيديولوجيته. بعد فترة وجيزة، يزور بول يواكيم مرة أخرى ليجده مصاباً بجرح في وجهه، ويقيم في شقة مهدمة. ويروي يواكيم لبول كيف قام أحد أصدقاء هاينريش النازيين بتهديده وتدمير ممتلكاته بعد أن دنس يواكيم زي الحزب النازي الخاص بهاينريش. والحال أن هذا النقاش حول معارفهم السابقين هو ما يختم "المعبد" التي هي رواية أجواء وأفكار أكثر كثيراً مما هي رواية أحداث، ناهيك بأنها لا تبدو متشابهة مع رواية إشروود إلا بالنسبة إلى قارئ يعرف حكاية الرفاق الثلاثة الحقيقيين الذين صاغ سبندر روايته منطلقاً منهم لكنه مركز على بول الذي هو أناه الآخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين الرواية والسيرة الذاتية

ومهما يكن من أمر يبقى أن رواية "المعبد" تشكل خلفية جيدة لمعرفة تفاصيل من سيرة ستيفن سبندر ولو خلال تلك السنوات الألمانية من حياته، خلال عطلة عام 1929 التي علمت إلى الأبد مسار حياته، لكن هذه الرواية ستكون دائماً من الأفضل قراءتها بالتوازي مع قراءة السيرة الذاتية التي كتبها ستيفن سبندر ونشرها في عام 1951 بعنوان "عالم لدخول العالم". وهنا لا بد من أن نذكر أن سبندر باتت له، وفي الأقل، كما يمكننا أن نلاحظ في سيرته الذاتية أكثر بكثير مما في "المعبد"، ومنذ تلك الرحلة البافارية المبكرة، علاقة مهمة بشكل خاص بالثقافة الألمانية، حتى وإن كان وجدها تتعارض بشدة مع جذوره اليهودية. ففي النهاية بات تذوقه للمجتمع الألماني يميزه عن بعض معاصريه. ومع ذلك تقول سيرته إنه حتى لئن كان قد فكر يوماً بالانتحار، إذ راح يتوقع أن يغزو النازيون إنجلترا بسبب كرهه نظامهم، فقد ظل يحافظ على حبه لألمانيا وثقافتها، وقد عاد إليها بعد الحرب حيث وضع كتاباً عن أطلالها.

أجواء بدلاً من الأحداث

وفي الرواية كما في السيرة الذاتية تبدو ممتعة على أية حال، قراءة تلك الصفحات التي يتحدث فيها سبندر، مرة من خلال شخصية بول، ومرة من خلال حكايته هو نفسه، عن تلك الاكتشافات في الحياة والجنس والأدب والعلاقة مع الآخر كما العلاقة مع الجسد من خلال تلك الحياة اللامبالية التي كانت عليها الحياة الألمانية، حيث تخاض النقاشات بصورة متواصلة حول توماس مان وريلكه وهولدرلين وحتى حول أندريه جيد، في المقاهي في العشيات، في وقت كانت النهارات تخصص لمشاهدة الأفلام الروسية والشغف بها والتعرف إلى شتى جوانب التيارات الفنية والأدبية التعبيرية، كما على أغاني "الكباريه" العابقة بالتحريض السياسي والمسرح الاستفزازي، إضافة إلى التنقل كالأثرياء في سيارات "بوغاتي" التي كانت على الموضة حينها في وقت المذياع الذي كان قد أضيف إلى السيارات حديثاً يبث، بأعلى ما يكون، أغاني كول بورتر وموسيقى الجاز، وذلك من دون أن ينسى بول هنا وستيفن هناك تفاصيل تلك الرحلات بالدراجات الهوائية على ضفاف نهر الراين، وبالقطارات والسيارات عبر بلدان البلطيق وأجوائها، التي كانت لا تزال تعيش كما كانت في القرون الوسطى أيام الكاتدرائيات الضخمة.

وسيقول ستيفن سبندر في نهاية الأمر إن ذلك كله هو ما صنعه بأكثر مما صنعته جامعة أوكسفورد، مازجة لديه بين توجهه المبكر إلى الشعر والتوق إلى "النضال السياسي من أجل تغيير العالم"، وهو ما سيقوده بعد عودته إلى دياره خوفاً من استشراء النازية إلى أحضان الحزب الشيوعي الإنجليزي ليتركه لاحقاً ويصبح من كبار ناقديه، لكن تلك حكاية أخرى طبعاً، وإلى جماعة بلومزبوري لينوع اهتماماته بين الأدب والفن، وبخاصة الفن.

في الوسط الفني

بقي أن نذكر في النهاية أن سبندر كانت له خلال العقود الأخيرة من حياته علاقات فكرية عميقة مع عالم الفن، بما في ذلك مع بيكاسو الذي سيكتب عنه، كما أن الفنان هنري مور الذي اشتهر إلى منحوتاته بتحقيق نقوش ومحفورات طباعة حجرية مصممة لمرافقة أعمال عدد من الكتاب، فزين أعمالاً لبودلير كما أنجز رسوماً توضيحية لنصوص من دانتي وجيد وشكسبير وغيرهم، نفذ عديداً من الرسوم التي أرفقت بكتب متعددة لسبندر. ومن أعمال سبندر الشهيرة المرتبطة بعالم الفن، كتاب "مذكرات الصين مع ديفيد هوكني" الذي أصدره في عام 1982 ناهيك بأن الفنان السوفياتي فاسيلي الأصل كاندينسكي قد صنع نقشاً لسبندر بعنوان "الأخوة" (1939).

المزيد من ثقافة