Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 المتحف الوطني للفن الحديث في تونس يفتح أبوابه

يضم 16 قاعة ويقدم التجارب التشكيلية وتحولاتها خلال قرن ونيف

مشهد من داخل المتحف التونسي (خدمة المتحف)

مع افتتاح المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، يبدأ الموسم الثقافي التونسي الجديد محتفياً بالفنون التشكيلية التي تعد من أهم التجارب التشكيلية العربية، وأقدمها، وأكثرها ثراء وتنوعاً. وهذا المتحف الذي يستجيب لأحدث المواصفات التقنية والجمالية في عرض الأعمال الفنية، يضم بعضاً من مقتنيات وزارة الثقافة التونسية التي تكتظ بها خزائنها.

ومن المعروف أن الدولة دأبت على بعث "لجنة اقتناءات الدولة التونسية للأعمال الفنية"، التي تقوم بزيارة المعارض الفنية، واقتناء بعض من أعمالها لفائدة الدولة. وقد تجمع في خزائن وزارة الثقافة، نتيجة هذه الاقتناءات الدورية، ما يقارب 12 ألف عمل فني.

يضم هذا المتحف اتجاهات فنية شتى من رسم ونحت وخزف ونسيج وحفر وصور فوتوغرافية، ويقدم أعمالاً فنية بديعة أنجزها الفنانون التونسيون على امتداد 150 سنة، وتعد بحق نماذج عليا للفن العربي الحديث. وقد حمل المعرض الضخم داخل المتحف اسم "الفنون التشكيلية في تونس رحلة مع الرصيد الوطني (1850-2021)".

أحدث المواصفات العالمية

في قلب مدينة تونس العاصمة، وفي مدينة الثقافة، الشاذلي القليبي ـ تم افتتاح المتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر، في جناح  من المدينة يضم عدداً من القاعات الفسيحة، هيأها القائمون على المعرض وفق أحدث المواصفات الفنية من حيث الإضاءة وطرق العرض، وأساليب الصيانة. وقد ضم  هذا المعرض حوالى 400 عمل  فني تم انتقاؤها بعناية فائقة، من بين آلاف الأعمال التي تمتلكها  الوزارة، تشمل مرحلة من تاريخ الفنون التشكيلية في تونس دامت قرناً ونصف القرن أي من سنة 1850 إلى 2021. وقد عمل القائمون على المعرض على وضع نماذج تمثل كل التيارات الفية التي عرفتها تونس على امتداد هذه المدة الطويلة، من رومانسية وواقعية وانطباعية ووحشية وتكعيبية وسوريالية، كان من أعلامها فنانون كبار من أوروبا وتونس عملوا جميعاً على خلق "مدرسة تونسية" لها خصائصها الفنية والجمالية الفارقة.

على امتداد 850 متراً مربعاً ترتفع 16 قاعة بعضها بطابقين  تحتوي على فضاءات عرض ومكاتب إدارية ومحال بيع ومخازن وقاعة اجتماعات، وهذا مما يجعل هذا المتحف من أكبر متاحف الفنون التشكيلية في البلاد العربية وأحدثها.

تاريخ الفنون التشكيلية

قسم المعرض إلى أربع فترات كبرى، هي فترة البايات الحسينيين (فترةالحكم العثماني)، والفترة الاستعمارية، ومرحلة الفن التجريدي، وفترة التاريخ المعاصر.

الفترة الأولى هي فترة التأسيس، حين توافد على قصور البايات (الحكام العثمانيين) عدد من الفنانين التشكيليين من كل البلاد الأوروبية، لإنجاز صور شخصية (بورتريهات) للحكام وأسرهم. ويضم المعرض بعضاً من هذه اللوحات التي رسمها عدد من الفنانين الفرنسيين والإيطاليين.

أما الفترة الاستعمارية فقد عرفت ترسيخ الفنون التشكيلية في البلاد التونسية، إذ ظهر عدد من الفنانين التونسيين الذين أخذوا أصول الصناعة عن الفنانين الأوروبيين، ومضوا يقتفون آثارهم في أساليب الرسم. وقد شهدت هذه الفترة افتتاح "الصالون التونسي الأول" سنة 1894 الذي سيطر عليه تيار الاستشراق الفني. أما الرسامون التونسيون فقد اقتصروا على تقليد اللوحات الأجنبية، يستعيدون تقنياتها في الأداء ومزج الألوان.

أما المدرسة التونسية فلم تبرز إلا بعد الحرب العالمية الأولى، حيث ظهر جيل جديد من الرسامين حاولوا التخلص من مواضعات الفن الغربي ومواضيع الاستشراق، باحثين عن سمات في الأسلوب والمواضيع تربطهم ببيئتهم الأصلية. ومن أهم الفنانين الذين دافعوا عن "فن وطني" مستقل عن التيارات العالمية، يصور مشاهد مستوحاة من التراث التونسي، هو الفنان عبد العزيز القرجي الذي شغف برسم مشاهد من الحياة الشعبية، مستدعياً، في مرحلة أولى جملة من التقاليد والنماذج البشرية. ثم تطورت تجربته، في مرحلة ثانية، لتصبح استلهاماً للمنمنمة الإسلامية ولأبعادها الروحية والفكرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما الفن التجريدي فقد ظهر في تونس منذ خمسينيات القرن الماضي مؤدياً دوراً مهماً في تطوير الفن التشكيلي التونسي. وقد عمل الفنانون  التجريديون من أمثال الهادي التركي ونجيب بلخوجة ورفيق كامل على رسم لوحة فنية جديدة مفعمة بالمعاني الروحية والصوفية.

لكن المعرض لم يقتصر على الاحتفاء بأعمال الرواد فحسب، بل احتفى أيضاً بأعمال الفنانين الشباب وبمنجزهم الفني اللافت.

رسائل المعرض

كانت الغاية من تنظيم هذا المعرض الكبير تتمثل في  إبراز الرصيد الوطني للفنون التشكيلية في تونس، وتعقب مختلف مراحلها، وتسليط الضوء على أهم إنجازاتها. والأهم من ذلك الكشف عن ثراء التجربة التونسية في مجال الفنون التشكيلية وعن تنوعها وتعدد أشكالها. فهذه التجربة، التي تعد بحق من أغنى التجارب العربية، أسهمت في خلق مناخ إبداعي جديد أفضى إلى تأصيل هذه الفنون في أديم الثقافة العربية.

 ثمة بعض المآخذ على  المعرض عبر عنها الفنانون التشكيليون، ومنها تسرب بعض الأخطاء إلى سير حياة بعض الفنانين التي رافقت أعمالهم الفنية (أخطاء في تاريخ الولادة والوفاة)، وكذلك غياب أسماء بعض الفنانين الكبار عن المعرض، لكن أهم هذه المآخذ اقتصار المتحف على مقتنيات الوزارة من غير أن تشمل مقتنيات الخواص، وهي كثيرة وبعضها يعد من التحف الفنية النادرة، فالفن التشكيلي التونسي لا تمثله مقتنيات الوزارة فحسب، على أهميتها، وإنما تمثله كل الأعمال التي أنجزها الفنانون التونسيون والموزعة الآن في المتاحف العالمية والخزائن الخاصة، ولا يمكن بأية حال أن نكتب تاريخ الفنون التشكيلية في تونس بمعزل عن  هذه الأعمال المهمة.

لكن رغم كل هذه المآخذ، يظل هذا المتحف إنجازاً كبيراً لا يقل قيمة عن بقية المتاحف العالمية، من حيث سعة المساحة، وجمالية التصميم، وتقنيات العرض، وطرق الإضاءة، وعدد الأعمال المعروضة وتنوعها.                                                                                                                                                

المزيد من ثقافة