Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أمم متحدة ضد الغزو

هل سيكون بمقدور روسيا وأوكرانيا تحقيق وقف إطلاق النار والعودة لخطوط ما قبل 24 فبراير الماضي؟

للنزاع الروسي - الأوكراني أثر مباشر وغير مباشر على حياة الملايين من سكان العالم (رويترز)

خلال الأيام القليلة الماضية بقيت أنظار العالم مشدودة إلى نيويورك لمتابعة افتتاح أعمال الدورة الـ 77 للجمعية العامة للأمم المتحدة، وخصوصاً الشق رفيع المستوى لمعرفة تقييم رؤساء وملوك وقادة الدول للوضع العالمي والمخاطر التي تتهدد الأمن والسلم الدوليين، وكيفية معالجتها بأفضل السبل بما يضمن تجديد التزام الدول بميثاق الأمم المتحدة الذي كان - ولا يزال - المظلة الضامنة لأمن الشعوب والقاسم المشترك الذي يمكن البشرية من العمل لتحقيق مستقبل أفضل.

لقد استمع العالم من خلال كلمات ممثلي الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى المناشدات المتكررة لوضع نهاية للنزاع الروسي - الأوكراني، لما لهذه الحرب من أثر مباشر وغير مباشر على حياة الملايين من سكان العالم. وجاءت هذه الحرب العدمية في خضم سنوات واجه فيها العالم زيادة في أزمة الغذاء وتدهور المناخ وزيادة الفيضانات والجفاف وانتشار جائحة كورونا وارتفاع مؤشرات التضخم، فقد عمق الغزو الروسي كل هذه الأزمات وضاعف الضغط خصوصاً على الدول الفقيرة.

لقد ظل حفظ الأمن والسلم الدوليين الهاجس الأكبر للدول الأعضاء، ولم يفلح مجلس الأمن في منع الأسباب التي لطالما هددت استقرار العالم، وأخفق في حل المنازعات الدولية التي ما زالت تهدد العالم بمزيد من الحروب العدمية. وفي ما يتصل بالغزو الروسي لأوكرانيا، أخفق المجلس وبشكل مخز، لأن الفيتو الروسي، العضو الدائم في مجلس الأمن، كان مشرعاً كالعصا الغليظة في وجه السلام، فيما كان صراخ قرابة مليار من فقراء العالم يعيشون على أقل من دولارين في اليوم مسموعاً في قاعة الجمعية العامة للأمم المتحدة، لوقف الحرب والالتفات إلى التحديات الكبرى التي تواجه عالمنا.

وينص ميثاق الأمم المتحدة في مادته الثانية على امتناع الدول الأعضاء خلال ممارستها علاقاتها الدولية عن التهديد باستخدام القوة ضد سلامة الأراضي، والاستقلال السياسي، لأي دولة عضو أخرى. وحينما استثنى الميثاق منطوق المادة الثانية في المادة 51 فإنه أحل استخدام القوة ضمن إطار الدفاع المشروع وفي سبيل استعادة الأمن والاستقرار.

وتعلم روسيا وخبراؤها في القانون الدولي أن العمليات العسكرية في أوكرانيا هي غزو غير مبرر، ولا تأتي ضمن فهم القانون الدولي لعمليات الدفاع المشروع عن النفس، كون روسيا هي التي بادرت للاعتداء على دولة جارة، ودولة عضو في الأمم المتحدة. وخلال الأشهر القليلة الماضية ارتكبت روسيا بحسب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان، في تصريحه أمام مجلس الأمن الدولي، جرائم حرب في أوكرانيا ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، وما زال تحقيق المنظمة جارياً في مواقع مختلفة من الأراضي الأوكرانية.

وكانت محكمة العدل الدولية قد طالبت في مارس (آذار) الماضي القوات الروسية بتعليق عملياتها العسكرية في أوكرانيا فوراً، بناءً على طلب قانوني تقدمت به أوكرانيا، باعتبارها طرفاً في معاهدة روما التي أنشئت بموجبها المحكمة. وانطلقت الدعوة الأوكرانية من اتفاقية منع الإبادة الجماعية لعام 1948، بحسب الادعاء الروسي ولدحض روايته التي تنطلق من أن غزو أوكرانيا جاء لوقف جرائم الإبادة الجماعية بحق سكان إقليمي لوغانسك ودونيتسك الأوكرانيين، واستعدادها للتعاون مع تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية حول ادعاءات روسيا لارتكاب القوات الأوكرانية جرائم إبادة جماعية في الإقليمين.

وعلى رغم المناشدات الدولية هددت روسيا خلال اليومين الماضيين بشكل صريح باستخدام أسلحة الدمار الشامل ضد أوروبا، ضاربة عرض الحائط بالتزاماتها الدولية في معاهدة عدم الانتشار، مما دفع الأمين العام للأمم المتحدة للتعبير عن قلقه ودعوته الدول النووية لتجديد التزامها بعدم استخدام الأسلحة النووية. وزادت روسيا من تصعيدها عبر دعوة 300 ألف من جنود الاحتياط للانخراط في الحرب. ودعت لتنظيم استفتاءات لإلحاق أجزاء من أوكرانيا بالاتحاد الروسي.

كسر دائرة العنف

وعلى رغم الانتصارات ذات الكلفة الباهظة التي حققتها وتحققها القوات الأوكرانية المسنودة دولياً في دفع القوات الروسية إلى التراجع عن المناطق التي احتلتها، فإن الحرب سجال بين كر وفر، والتهديدات الروسية الأخيرة تلمح إلى مزيد من الدموية في المواجهات المقبلة ومزيد من التدمير للبنية التحتية والتشريد للشعب الأوكراني.

إن استمرار الحرب في أوكرانيا يهدد بتوسيع رقعتها، ولن يكون هناك منتصر فيها، وسيكون الجميع مهزوماً، بل ستشكل بؤرة لمزيد من الضغائن والأحقاد. وهذه دعوة لجميع العقلاء والحكماء في عالمنا، فلا أحد يريد أن يرى روسيا منهزمة مندحرة، كما لا يريد أن يرى أوكرانيا مدمرة من وراء وهم الاعتقاد بمؤامرة تحاك في داخلها وعبرها ومن خلالها لاستهداف روسيا ومكانتها الدولية. ولا يمكن أن تستمر لغة القوة، حتى إن بعض المفكرين الاستراتيجيين يرون في احتمال استخدام أسلحة الدمار الشامل تدميراً لواقع استخدامها للردع ومنع نشوب الحروب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وترتبط الدول العربية بعلاقات تاريخية عميقة مع روسيا الاتحادية، ويذكر العالم العربي بكثير من الامتنان مواقف الاتحاد السوفياتي الداعمة للقضايا العربية، وخصوصاً القضية الفلسطينية. فمواقف الدعم إبان العدوان الثلاثي على مصر في 1956، ومواقفها مع العراق واليمن عقب الثورة وإمدادها العرب بالسلاح في حرب تحرير الجزائر وحرب أكتوبر (تشرين الأول) في مصر، وأخيراً استقبلت جامعة الدول العربية في يوليو (تموز) الماضي وزير خارجية روسيا الاتحادية للاستماع إلى وجهة نظر إدارته من الحرب في أوكرانيا.

ويتفهم العرب موقف روسيا الرافض لفكرة القطب الدولي الأوحد، وهم يتعاطفون مع الأفكار المطروحة اليوم حول التعددية القطبية في العلاقات الدولية، ومن خلال تجاربهم التاريخية المتراكمة هم لا يرحبون بلعب دور لصالح هذا القطب أو ذاك ضمن رؤية تبعية، من حيث إن منطقتنا تتوفر على جميع العناصر والمقومات للإسهام في تشكل قطبها الإقليمي الجديد الذي سيتفاعل مع العالم من منطلق تبادل المصالح والمنافع لتوفير الأمن والاستقرار والرفاه لشعوبنا.

وتأتي المناشدات العربية لروسيا لوضع نهاية للحرب من منطلق الروابط العميقة بين شعوبنا العربية وروسيا الاتحادية. وقد سمعت روسيا رسائل صادقة من دول صديقة لها، مثل تلك التي سمعتها أخيراً من دول مثل الهند والصين خلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في سمرقند، حول ضرورة وضع نهاية لحربها في أوكرانيا. يبقى السؤال كيف يمكن إنهاء الغزو الروسي لأوكرانيا، وإنهاء الحرب، ولكن بنتائج مستقرة، أي بنتائج يمكن الركون إليها.

إنهاء الحرب مطلب عالمي

ويتفق المراقبون على أنه في هذه الحرب لا يمكن تصور الجيش الأوكراني يحقق نتائج حاسمة وسريعة لدفع الجيش الروسي خارج حدوده مع إقرارهم بأن أوكرانيا هي الدولة التي تعرضت للغزو وهي تقاتل باستماته للدفاع عن سيادتها. ولا يمكن تصور رؤية الجيش الروسي فاقدَ المبادرة في هذه الحرب، على رغم وجود مؤشرات على تزايد القلق بين أوساط سكان لوغانسك ودونيتسك على مصائرهم. وفيما تبحث أوكرانيا عن النصر تبحث روسيا عن الخروج من المأزق الأوكراني بما يبرر ما جرى خلال الأشهر الماضية.

في المقابل يرى المراقبون أن أوروبا تريد رؤية السلام، ولا تريد رؤية هذه الحرب تتوسع حتى أشهر الشتاء، وهم على استعداد لدفع ثمن لذلك السلام، ولكن أي ثمن سيكون بوسعهم دفعه؟ فأوروبا منقسمة حول كيفية إنهاء الحرب وما هي السقوف الممكنة، خصوصاً مع توسع هامش القوى الشعبوية التي بدأت أصواتها تسمع بشكل واضح من أحزاب اليمين في البرلمانات الأوروبية ومن دول مثل المجر.

هل سيكون بمقدور روسيا وأوكرانيا العودة لاتفاق "مينسك 2" لعام 2015 وتحقيق وقف لإطلاق النار والعودة لخطوط ما قبل 24 فبراير (شباط) الماضي؟ ففي إنهاء الحرب في أوكرانيا مصلحة للشعبين الأوكراني والروسي، فنهاية هذه الحرب ستشكل نصراً للأوكرانيين الذين رووا بدمائهم حقول القمح والذرة في وطنهم، ونصراً للروس الذين أبقوا على أواصر القربى والدم مع جيرانهم. فروسيا أكبر من الأفراد وأبقى. فلا تتركوا فرصة السلام تمر، فقد لا تعود بعد ذلك بتاتاً، كما قال بوشكين.

المزيد من آراء