ملخص
للمرة الثانية خلال أيام، دوّت إنذارات الخطر في مكة المكرمة بالتزامن مع هجمات حوثية على السعودية، مستعيدة سجلاً من الوقائع التي شهدتها العاصمة المقدسة على مدى عقود، وقادت خيوط بعضها إلى إيران وجماعات مرتبطة بها، من متفجرات الحجاج وأحداث الثمانينيات إلى الصواريخ والمسيّرات القادمة من اليمن.
هناك أصوات لا تحتاج إلى أن تسمعها مرتين كي تحفظها الذاكرة، ونغمة التحذير الأمني الحادة التي تطلقها الهواتف عند اقتراب الخطر، واحدة منها، وهي النغمة ذاتها التي سبق أن سمعها سكان مناطق عدة في السعودية، أثناء الهجمات الإيرانية خلال الأشهر الماضية.
وهذه المرة، عاد صوت الإنذار ليدوّي في مكة المكرمة للمرة الثانية خلال أيام، وسط حركة المعتمرين والزوار في محيط المسجد الحرام والطرق المؤدية إليه.
ولم يدم الإنذار طويلاً حتى أعلن الدفاع المدني السعودي زوال الخطر، بالتزامن مع موجة جديدة من الهجمات الحوثية على السعودية، إذ أعلن تحالف دعم الشرعية في اليمن اعتراض وتدمير ستة صواريخ باليستية أطلقتها الجماعة، وقال إن الدفاعات الجوية أحبطت محاولات لاستهداف لمدينتي الطائف وينبع، من دون أن يعلن أن مكة المكرمة كانت ضمن أهداف الصواريخ الستة.
وجاء إنذار مكة بعد أيام من محاولة أكثر وضوحاً، حين أعلنت قيادة القوات المشتركة للتحالف اعتراض طائرة مسيّرة أطلقها الحوثيون، وتدميرها جنوب العاصمة المقدسة، قبل دخولها مجالها الجوي المحظور.
وعلى رغم أن الاستهداف بدا محاولة يائسة، فشلت في بلوغ مرادها، فإن حساسية الحرمين والمقدسات لدى السعوديين لا تقبل المساومة، وهو ما انعكس في المواقف الصادرة من أعلى هرم السلطة، فقد ندّد العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز بمحاولة الحوثيين تكرار استهداف مكة المكرمة، عاداً أن هذا "الجُرم المشين" ينتهك حرمة المقدسات، ويستفز مشاعر المسلمين في أنحاء العالم، مقدراً دور القطاعات العسكرية والأمنية في الدفاع عن البلاد، والتصدي بكل حزم لأي اعتداء على الأماكن المقدسة وضيوف الرحمن والمواطنين والمقيمين.
ووصف التحالف الهجوم بأنه استهداف "لمهبط الوحي وأرض الرسالة، ومهوى أفئدة الملايين من المسلمين في شتى الدول"، مؤكداً أن أمن الحرمين وضيوف الرحمن "خط أحمر"، واضعاً الحادثة ضمن سجل سابق، ومعلناً أنها تمثل المحاولة الحوثية الثانية لاستهداف مكة المكرمة، بعد الصاروخ الباليستي الذي أطلق في الـ 27 من يوليو (تموز) 2017.
ومع عودة جماعة الحوثي، المدعومة من إيران، لتهديد محيط مكة المكرمة، يستعيد المشهد سجلاً أقدم من الصواريخ والمسيّرات، شهدت خلاله العاصمة المقدسة وقائع مختلفة في دوافعها والجهات التي تقف خلفها، فيما قادت خيوط عدد منها إلى إيران أو جماعات مرتبطة بها.
"مكة هي الهدف"
يذهب الكاتب في صحيفة "الشرق الأوسط" بكر عويضة إلى أبعد من قراءة محاولة الحوثيين الأخيرة، باعتبارها مجرد حلقة في المواجهة العسكرية، وكتب في مقالة بعنوان "استهداف مكة... هدف قديم يتجدد"، أن استهداف العاصمة المقدسة "ليس من قبيل العبث، ولا هو بلا هدف إستراتيجي بعيد المدى"، مضيفاً أن إرسال المسيّرة نحو مكة المكرمة جاء "بقصد قياس ردود الفعل الإسلامية تحديداً، والعالمية عموماً"، ليستعيد أحداث موسم حج عام 1987، قبل أن يختصر قراءته بالقول إن "مكة المكرمة هي الهدف".
ويمد الكاتب المقارنة إلى اقتحام جهيمان العتيبي وأتباعه المسجد الحرام عام 1979، فكتب أنه "على رغم الفارق المذهبي، والبعد الزمني الشاسع بين المسيّرة الحوثية والاقتحام الجهيماني للحرم، فإن الأساليب تعددت، فيما يبقى الهدف من استهداف مكة واحداً".
وتلتقي المقارنة عند فكرة "المهدي"، وإن اختلفت جذورها المذهبية والفكرية، فقد اقتحم جهيمان وأتباعه المسجد الحرام وبايعوا محمد بن عبدالله القحطاني باعتباره "المهدي المنتظر"، فيما تحتل عقيدة الإمام الغائب وظهور المهدي موقعاً مركزياً في النظام الإيراني، الذي تأثرت بعض أفكاره السياسية والدينية بها جماعات موالية لطهران في المنطقة.
لكن سجل الوقائع التي قادت خيوطها إلى إيران أو جماعات مرتبطة بها، أقدم من الصواريخ والمسيّرات، إذ يوثق أرشيف الصحافة السعودية فصولاً من التوتر الذي امتد خلال ثمانينيات القرن الماضي إلى مكة المكرمة.
51 كيلوغراماً من المتفجرات
في أغسطس (آب) 1986، وصل حجاج إيرانيون إلى السعودية في طريقهم إلى مكة لأداء المناسك، قبل أن تكشف إجراءات التفتيش عن كمية كبيرة من المتفجرات، مخبأة داخل أمتعتهم، وبحسب ما وثقته الصحافة السعودية لاحقاً، فقد أثارت الحقائب اشتباه رجال الأمن أثناء التفتيش، ليكشف فحصها عن مخازن سرية في أسفلها، تحوي مادة شديدة الانفجار، ومع توسيع إجراءات التفتيش عثر على المادة داخل 95 حقيبة، بوزن إجمالي بلغ 51 كيلوغراماً.
وذكرت روايات صحافية سعودية أن معظم ركاب الطائرة لم يكونوا على علم بما أخفي داخل حقائبهم، وأن الأمتعة سلمت إليهم قبل السفر، ولم تكشف السلطات السعودية تفاصيل القضية كاملة في حينها، وفي سبتمبر (أيلول) 1987 أعلنت الرياض أنها كانت قد ضبطت شحنة المتفجرات المرتبطة بالحجاج الإيرانيين، وقال مسؤول سعودي إن الرياض امتنعت وقتها من إعلان تفاصيل الواقعة، تفادياً لتصعيد التوتر خلال موسم الحج.
وظلت القضية حاضرة في سجل العلاقات السعودية - الإيرانية قبل أن تعود للواجهة بعد عقود، عبر روايات خرجت من داخل إيران، إذ اتهم أحمد منتظري، نجل المرجع الإيراني الراحل حسين علي منتظري، في عام 2018 عناصر في الحرس الثوري بوضع المتفجرات داخل حقائب الحجاج.
وتحمل رواية استخدام أمتعة الحجاج، في حال صحتها، أحد أكثر تفاصيل الحادثة حساسية، فهي تعني توظيف رحلة دينية وحقائب قاصدي مكة المكرمة لنقل عشرات الكيلوغرامات من المتفجرات، قبل أن ينتقل التوتر بعد عام واحد إلى شوارع المدينة.
صدامات موسم الحج
في الـ 31 من يوليو (تموز) 1987، تحولت مسيرة نظمها حجاج إيرانيون في مكة المكرمة إلى مواجهات دامية مع قوات الأمن السعودية، انتهت بمقتل 402 شخص، وفق الحصيلة السعودية، بينهم 275 إيرانياً و85 سعودياً و42 حاجاً من جنسيات أخرى، إضافة إلى مئات المصابين، وتبادلت الرياض وطهران المسؤولية عن الأحداث، فاتهمت السعودية الجانب الإيراني بتحويل موسم الحج إلى ساحة للتحرك السياسي وإثارة الاضطرابات، فيما حمّلت إيران قوات الأمن السعودية مسؤولية سقوط القتلى.
وأظهرت تسجيلات بثها التلفزيون السعودي حينها متظاهرين يلقون الحجارة ويحرقون مركبات أمنية، وقالت السلطات السعودية إن بعض المشاركين كانوا يحملون أسلحة بيضاء، في حين قالت طهران إن الحجاج تعرضوا لإطلاق النار، وهي رواية نفتها السلطات السعودية آنذاك.
"حزب الله" الكويتي وتفجيرات مكة
مساء الـ 10 من يوليو (تموز) 1989، كانت مكة المكرمة تعيش أيام الحج عندما دوّى انفجاران قرب المسجد الحرام، مما أسفر عن مقتل حاج باكستاني وإصابة 16 آخرين، واستنفرت السلطات السعودية أجهزتها الأمنية قبل أن تقود التحقيقات إلى مجموعة من الكويتيين، وفي سبتمبر من العام نفسه، أعلنت السعودية إدانة 16 كويتياً بتنفيذ التفجيرين، ونفذت فيهم أحكام الإعدام، وذكرت السلطات أن أفراد المجموعة تدربوا على استخدام المتفجرات وأدخلوها إلى السعودية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وحضرت فكرة "ترويع الآمنين" في نتائج التحقيقات، وقالت السلطات السعودية إن المدانين أقرّوا بأن غاية العملية كانت نشر الرعب بين الحجاج، وإظهار أن السعودية عاجزة عن حماية بيت الله.
لكن أهم ما كشفته التحقيقات كان الخيوط التي امتدت خارج مكة المكرمة، فبعد تنفيذ الأحكام، بثّ التلفزيون السعودي اعترافات مصورة للمدانين، تضمنت حديثاً عن مصدر المتفجرات وعمن تولوا تدريب أفراد المجموعة، وفي الوقت نفسه، اتهم مسؤولون سعوديون طهران بالوقوف خلف العملية، فيما نفت إيران صلتها بالتفجيرات، ثم ارتبط عدد من المتهمين في تقارير لاحقة بما عرف بـ"حزب الله" الكويتي، ضمن شبكة الجماعات المسلحة الموالية لإيران، والتي نشطت داخل الخليج خلال تلك المرحلة.