Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خطوة بوتين التالية في أوكرانيا

مع التعبئة العامة ستنخرط روسيا علناً في معركة رئيسة وسيتحول الخيار إلى ضرورة و"العملية الخاصة" إلى حرب يحتاج الروس جميعاً إلى خوضها والانتصار فيها

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أثناء حضوره قمة "منظمة شنغهاي للتعاون الاقتصادي" في سمرقند (رويترز)

للمرة الأولى في حرب أوكرانيا، على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يتعامل مع احتمال جدي بخسارته إياها. فعوّضت الانتكاسات المبكرة حول كييف وتشيرنيغوف بالمكاسب التي حصلها الروس في الجنوب والشرق. وكان من الممكن تبرير تلك الانتكاسات كانسحابات تكتيكية، وحصولها بالتالي تبعاً لاختيار الروس، بصرف النظر عما إذا كانت حقاً كذلك.

وخلافاً لهذا، فإن تكبد الروس ما يشبه هزيمة ساحقة في منطقة خاركيف، في 10 سبتمبر (أيلول)، واسترجاع القوات الأوكرانية بشكل سريع أراض مساحتها 2000 ميل مربع في الشرق والجنوب، أظهرا ملياً أن الأوكرانيين يسيطرون على الوضع، وأن القوات الروسية ربما ستظل ضحية، في المستقبل، لهجمات من هذا النوع.

ولقد دمر هجوم خاركيف الذي شنته أوكرانيا الوهم [الرائج سابقاً] عن منعة روسيا التي لا تقهر، كما أنه أذن بمرحلة جديدة في توقعات الغرب. وفجأة صار في مستطاع القادة والاستراتيجيين في الغرب احتساب تفوق أوكرانيا العسكري. ويبدو مؤكداً أن هذا التحول في التفكير سيطلق العنان لديناميكية دعم عسكري لأوكرانيا جديد، ونقضت الحجة التي تزعم أن على أوكرانيا طلب السلام رسمياً، وليس مواصلة الحرب.

لكن المنظور الروسي إلى الأمور تغير بشكل أكثر دراماتيكية. وينطوي التغير على احتمال مجازفات جديدة تواجه أوكرانيا والغرب. فمنذ إخفاقه في تسديد ضربة صاعقة والاستيلاء على كييف في فبراير (شباط) 2022، ظل بوتين يحاول إنجاز أمرين مختلفين في وقت واحد.

الأول هو الحفاظ على الحرب مستمرة على المدى الطويل بواسطة جيش روسي بُني في زمن السلم، وظن أن الجيش الأوكراني ضعيف، وأن الحرب المديدة في مصلحة روسيا. أما الأمر الآخر فهو حسبانه أن في وسعه بقاء المجتمع الروسي بمنأى من الحرب، وافتراضه أن في إمكانه أن يحافظ على مستوى عالٍ من الدعم المحلي طالما أعفي الروس العاديون من الإسهام في تحمل تكاليف الحرب. إلا أن انتصارات أوكرانيا في ميدان القتال حول خاركيف، كذبت هذه الحسابات تكذيباً صارخاً.

ويواجه بوتين عدداً من الخيارات القاسية، فهو يستطيع إبقاء التزام روسيا العسكري محدوداً، والحفاظ على مستوى عديد القوات الحالي، ومواصلة عزل المجتمع الروسي عن الحرب، أو يمكنه أن يأمر بالتعبئة العامة. وأياً كان الخيار فهو يتهدد مشروعية بوتين تهديداً خطيراً.

وإذا  قدم الخيار الأول اضطر بوتين إلى التخلي عن إنجاز نصر روسي، وجازف بهزيمة نكراء. ويثير الاختيار هذا استياء القوى القومية والمؤيدة للحرب التي أطلقها، وهي قوى تعاظم استياؤها من قبل من سير الحرب. فهي وعدت بالأرض والمجد في ختام حملة سريعة.

وبدلاً من ذلك تتكبد القوات الروسية خسائر بشرية هائلة لقاء إنجاز مكسب ميداني طفيف وغير راسخ يبدو بشكل متزايد تقدماً غير راسخ، وقد يؤدي استمرار الوضع الراهن إلى التسبب بشروخ خطيرة في نظام بوتين.

ومن ناحية ثانية، فمن شأن التعبئة العامة أن تفضي إلى اضطراب إدارة الكرملين المتأنية للحرب في الداخل الروسي اضطراباً عميقاً، وتبدو زيادة عدد القوات المسلحة خياراً منطقياً من دولة يبلغ سكانها ثلاثة أضعاف سكان أوكرانيا.

غير أن شعبية الحرب تعتمد على وقوعها بعيداً من الداخل، واحتاطت مصطلحات الحرب الروسية، مثل "العملية العسكرية الخاصة"، للأمر. وعلى الرغم من خطاب الكرملين عن "استئصال النازية"، تختلف حرب أوكرانيا في نظر السكان الروس تماماً عن الصراع الوجودي المباشر الذي دعا روسيا إلى خوض الحرب العالمية الثانية. وإذا أعلن الكرملين التعبئة العامة، خاطر ببروز معارضة داخلية للحرب التي لم يُعد الروس لخوضها.

ولا يأخذ بوتين بداهة، بأي من الخيارين. وهو ربما يسعى إلى تغيير وجه الحرب من طريق حل وسط يقع بين التعبئة العامة واستمرار الوضع الراهن. وعلى الرغم من وصف بوتين نفسه بأنه رجل أفعال وليس رجل أقوال، فهو يبدو غير حازم حين يكون الرهان كبيراً، ويميل إلى استدامة الأوضاع ومراوحتها من غير حلها.

وفي عام 2014، بعد ضم شبه جزيرة القرم، دخلت روسيا شرق أوكرانيا، وأبرمت اتفاقية دبلوماسية، ثم ترددت سنوات من دون أن تخطو إلى أمام أو تتراجع إلى خلف. وفي سوريا، قامت روسيا بخطوتها في عام 2015، فدعمت بشار الأسد عسكرياً، وغيّرت مسار الصراع ورجحت كفتها. غير أن الوضع في سوريا مع غياب حل سياسي للحرب لم يحسم بعد.

لقد ألحق بوتين الضرر بنظامه وعرض جيشه لانتكاسات عسكرية في منطقة خاركيف، وسعى إلى إنجاز أهداف سياسية كبيرة في أوكرانيا بوسائل هزيلة جمعت ورتبت بطريقة غير فعالة. وفي أوكرانيا تترتب على الخيارات التي يواجهها بوتين، اليوم، عواقب مهمة.

وأياً كانت خطوة بوتين التالية، على أوروبا والولايات المتحدة المضي في إمداد الجيش الأوكراني بالتجهيزات التي هو في أمس الحاجة إليها، ليحافظ على وضعه الهجومي. وعليهم في الآن نفسه التفكير في تداعيات بعيدة المدى على نظام قد يواجه ضغوطاً متزايدة في الداخل، وهو يبحث عن طرق جديدة تلحق أقصى قدر ممكن من الأذى بأوكرانيا وحلفائها. ويرى بوتين أن الأوقات العصيبة لا تملي إجراءات منطقية.

دعوة إمبراطورية إلى المعركة

ومن شأن قرار يتخذه بوتين بتعبئة الشعب الروسي وإجراء قرعة لاستدعاء مئات الآلاف من الجنود الجدد إلى الخدمة، أن يطرح تحديات جديدة كبيرة على روسيا والغرب. وأمر الكرملين بتعبئة جزئية يرقى إلى الاعتراف الكامل بأن البلاد في حال حرب والتعبئة تجعل تلك الحرب وجودية في نظر روسيا.

وإلى اليوم، لم يعرف غزو أوكرانيا إلى غالبية أفراد الشعب الروسي على حقيقته. أي على أنه حرب. وأطلق عليها اسم العملية العسكرية، وهي كانت من الناحية العملية حرباً اختيارية مبنية على ثقة مفرطة في النفس وعلى أوهام وافتراضات خادعة حول أوكرانيا وحلفاء أوكرانيا وشركائها.

لكن مع التعبئة العامة ستنخرط روسيا علناً في حرب رئيسة. وسيتحول الخيار إلى ضرورة و"العملية الخاصة" إلى حرب يحتاج الروس جميعاً إلى خوضها والانتصار فيها. وإن قراراً من هذا النوع من شأنه أن يجعل الهزيمة غير مقبولة أبداً لدى القيادة الروسية، الأمر الذي يجعل احتمال التوصل إلى نتيجة عبر التفاوض أقل ترجيحاً.

وهذا الطريق محفوف بالمخاطر التي تتهدد بوتين وأداء روسيا العسكري إلى اليوم يُوحي بأن الزج بمزيد من الجنود في أتون المعركة لن يؤدي إلى حصول موسكو على نتائج أفضل. وإلى ذلك يستغرق تدريب الجنود وقتاً وتحتاج روسيا إلى إنتاج زيادة في المعدات العسكرية مناسبة.

وفي الوقت نفسه قد تفاقم التعبئة العامة مشكلات الجيش الروسي المعنوية بدلاً من حلها، فهي ترمي في الحرب عدداً كبيراً من الروس الذين لا مصلحة لهم في القتال. وفوق هذا كله سواء أكانت التعبئة العامة جزئية أم عامة، فهي لا تعني بالضرورة انتصار روسيا في الحرب، وسيتعين ربط التعبئة العامة بغايات استراتيجية قابلة للتحقيق.

 

 

وفي سياق متابعته السعي في التعبئة، ينبغي على بوتين معالجة المخاطر العسكرية هذه والمحافظة على تأييد الدوائر العسكرية والقومية التي قوت الحرب مكانتها، وهي سترحب بالتأكيد بهذه الخطوة. والتوقيت هو مصدر الخطر.

وعلاوة على التدريب يحتاج المجندون الجدد إلى دمجهم في الوحدات المقاتلة، وهذه مهمة قد يستغرق إنجازها أشهراً عدة في وقت تكون فيه مجموعات الضباط الروس منشغلة في الجبهة، حيث يقتل الضباط بأعداد كبيرة. ومع انقضاء كل شهر، وبينما تنطلق التعبئة التي أمر بها بوتين، ستتدفق الأسلحة والمساعدات على أوكرانيا ويعزز الجيش الأوكراني قوته.

وإذا حاولت روسيا انتظار حلول فصل الشتاء، قبل أن تشن هجوماً جديداً في الربيع، وتزج بقوات جديدة فستجابه بلاداً أكثر استعداداً، صقلتها الحرب وشدت عودها وصلبته فوق ما كان عليه في فبراير (شباط) 2022.

 

خوض حرب صغيرة حمقاء خير من خوض حرب كبيرة حمقاء

 

وقد يرى بوتين أن الحفاظ على دعم محلي واسع النطاق في أثناء التعبئة العامة أمر صعب على حد سواء. ومن وجهة نظر الكرملين أصاب بوتين في السياسة المحلية التي انتهجها في الأشهر الستة الأولى من الحرب. ففي غياب تعبئة عامة كان في وسع أنصار الكرملين الحقيقيين والقوميين الروس أن يشعروا بالإثارة حيال حرب شنت بهدف الاحتلال وتصفية حسابات مع الغرب.

أما في نظر روس كثيرين لم يسبق أن كنوا أي عداء لأوكرانيا، وفاجأتهم الحرب كان في إمكان كثيرين منهم، وبتشجيع نشط من الكرملين أن يتجاهلوا ما يحصل. فهذه عملية خاصة، وينبغي أن تترك لذوي الاختصاص. ومع ذلك فمن شأن التعبئة العامة أن تجعل إبعاد الحرب عن حياة الروس اليومية في المناطق الحضرية مستحيلاً.

ونظراً إلى كونهم تتلمذوا على النأي بأنفسهم عن السياسة على يدي نظام بوتين، فمن الضروري أن يعبؤوا اليوم على نحو عاطفي. ويتوجب عليهم قبول موت آبائهم وإخوتهم وأبنائهم في المعارك. ومطالبة المواطنين بمثل هذا التحول في الموقف على نطاق واسع قد يعود على بوتين بنتائج معاكسة.

ولن تحل التعبئة مشكلة منطق الحرب الذي يشكو من الخلل والإصرار على خطأ استراتيجي يضاعف الخطأ. والتعبئة بهذا الشكل لن تفعل شيئاً للتقليل من سوء التقدير الاستراتيجي الذي انطوى عليه قرار بوتين بالمبادرة إلى الغزو. وهي لن تفضي إلى خلاف الطرق الكثيرة التي تسلكها الحرب على نحو يتعارض مع المصالح الاقتصادية والأمنية الروسية.

وفي هذا الصدد ثمة رابط وثيق بين المعضلة السياسية التي يواجهها بوتين في شأن التعبئة العامة وطبيعة الحرب نفسها، فقد أثبتت روسيا تاريخياً أنها خصم لا يُستهان به حين هاجمتها قوى خارجية. واستخف كل من نابليون وهتلر بعمق الميدان الذي تقاتل عليه القوات الروسية وصلابة عزيمتها عندما اختارا أن يغزوا روسيا.

غير أن روسيا شأنها شأن الولايات المتحدة وكثير من البلدان الأخرى عانت حروباً اختيارية خاضتها. والحرب الروسية – اليابانية في عام 1905 التي بدأت حين انهارت معالجة الدبلوماسية لمسألة كوريا وأطال القيصر نقولا الثاني أمدها حفاظاً على الشرف الروسي انتهت نهاية سيئة بالنسبة إلى موسكو.

وكذلك كان الأمر مع الغزو السوفياتي لأفغانستان في عام 1979 (وفي كلتا الحالتين، اندلعت الحرب من دون ضغوط ناجمة عن التعبئة العامة).

وعلى خلاف حشد الشعب في سبيل حرب هدفها الدفاع عن الوطن تكاد التعبئة باسم مشروع إمبراطوري سيئ التخطيط أن تكون وصفة للاضطرابات السياسية الداخلية. وخوض حرب صغيرة حمقاء خير من خوض حرب كبيرة حمقاء.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أما من وجهة أوكرانيا والغرب فالتعبئة الروسية أدت في البداية إلى صدمة نفسية. ولا شك في أن أوكرانيا لن تكف عن الاستفادة من مواضع ضعف الجيش الروسي. وقد تكون التعبئة قرينة على تصميم القيادة الروسية المتجدد على درء الهزيمة مهما كان الثمن حتى ولو كان ذلك الثمن هو خسارة الدعم المحلي. وإذا قرر بوتين المخاطرة بكل شيء توجب على الغرب مرة ثانية تقويم حاله العقلية، وإمكان حصول تصعيد عسكري كبير.

التراجع وإطالة الأمد

وثمة خيار آخر متاح أمام بوتين هو الأمر بشكل من أشكال التراجع. وإذا اختار المضي على هذا وجب عليه أن يتخلى عن احتمال إحراز انتصار حقيقي. ففي مقدوره أن يواصل الحرب ويخفف التزاماته إلى الحد الأدنى الضروري للاحتفاظ بالأراضي التي كسبها من قبل في الشرق والجنوب.

ويمكنه أن يعود إلى النهج الذي اتبعه في عام 2014 في شرق أوكرانيا أي إبقاء الأراضي المحتلة تحت السيطرة الروسية من غير إحراز تقدم جديد، بالتالي زعزعة الاستقرار في البلاد كلها، بواسطة قوات عسكرية روسية كبيرة.

إلا أن من شأن التخلي عن النصر أن يعني وقف العمليات الهجومية. ولن يعترف بوتين أبداً بأنه يستسلم. وهو يوحي أن الحرب ستشهد تصعيداً في مرحلة لاحقة، وأن مخططاته في أوكرانيا لا تزال نفسها ومن دون تغيير، وادعاءه النصر يتوج صبره الاستراتيجي.

ويتعين عليه أن يستميل رغبة الروس في ممارسة حياتهم من دون قلق من الحرب المستمرة. وتحتاج روسيا جراء ذلك الإبقاء على قدر كافٍ من الاستقرار في شرق أوكرانيا ليسع الروس الاستمرار في تجاهل الحرب. وقد يكون ذلك، قابلاً للتحقيق أو لا يكون نظراً إلى المكاسب الأخيرة التي حققتها أوكرانيا. ومن الآن فصاعداً ستفعل كييف كل ما في وسعها للحيلولة دون حصول جمود يناسب السياسة الروسية.

ولن يكون من السهل على بوتين أن يواجه انتكاسات عسكرية روسية كبيرة، أو أن يقنع الشعب الروسي بجواز جمود جبهات الحرب. فالكرملين توسل إلى اليوم بأسطورة الجيش الذي لا يقهر وبرواية الحرب الدفاعية دعماً لـ"العملية الخاصة".

ومع الوقت قد يؤدي تعثر المعاهدة وتقلص الطموحات وانحسارها إلى إزاحة الستر عن عدم جدوى الحرب التي أسفرت إلى اليوم عن سقوط نحو 70 إلى 80 ألف قتيل وجريح من الروس. والعلم بهذا الرقم في روسيا وإن على نطاق ضيق يعني أن أعداداً متعاظمة من العائلات يطالها تأثير الحرب. ومغامرة من هذا النوع يترتب عليها استهداف قوات روسيا المسلحة وأجهزتها الأمنية بهجمات بسبب فشلها في إحراز النصر الموعود. وقد يتعطش بعض أعضائها [القوات والأجهزة الأمنية] إلى فرصة أخرى، ربما مع زعيم آخر.

وفي هذا الوقت سيحاول بوتين في سياق سعيه إلى الإبقاء على حال الجمود أن يستبق موقف القوات الأوكرانية التي لا تقف مكتوفة الأيدي. وفي الأثناء ستستمر أوكرانيا في تطوير مهاراتها مع حصولها على أسلحة من نوعية أفضل وبكمية أكبر.

ويريد الأوكرانيون تحت قيادة زيلينسكي الانتصار في هذه الحرب، وارتكاب سوء تقدير خطير من جانب روسيا قد يتمخض عن هزيمة مدمرة أخرى، وهذه قد تكون نهائية. فلدى أوكرانيا الحافز القوي على منع روسيا من تثبيت أقدامها [في الأراضي المحتلة]، وبطء الهجوم الأوكراني المضاد حول خيرسون يدل على أن الهجمات الأوكرانية قد لا تكلل كلها بالنجاح، على شاكلة العملية الأخيرة في خاركيف.

أكثر قذارة وأشد خطورة

في ضوء المجازفات المترتبة على التعبئة العامة وعلى التراجع عن الحرب فقد يحاول بوتين انتهاج حل وسط، وهذا الخيار أقل خطورة من التعبئة العامة في نظر أوكرانيا والغرب، رغم أنه يبقى تحدياً خطيراً طوال الأشهر والأعوام المقبلة. والتماس طريقة جديدة لقيادة الحرب من دون المخاطر التي تنطوي عليها التعبئة العامة، يدعو بوتين إلى اتخاذ إجراءات عدة. فهو قد يحاول تدبر أمره من خلال التعبئة السرية، أي التجنيد القسري للمتطوعين والمجندين، مثل السجناء في المعسكرات العقابية الروسية و"مرتزقة فاغنر" [الشركة الروسية العسكرية الخاصة]. وربما أطلق العنان لأعمال إرهابية جديدة ضد السكان الأوكرانيين، مثل قصف البنية التحتية الحيوية كإمدادات الطاقة والمياه لكسر إرادة السكان مع اقتراب فصل الشتاء.

ولعله يزيد الهجمات على أهداف مدنية أساسية، كالمستشفيات والمدارس ويلجأ إلى هجمات أكثر بشاعة تستخدم فيها قنابل فراغية تتسبب في تدمير الدائرة التي تصيبها. أي يمكنه في اختصار أن يحاول تكرار تكتيكات قصوى كتلك التي استخدمها في سوريا. وفي الوقت نفسه قد يجد بوتين أساليب جديدة لقمع المعارضة وملاحقة "الخونة" في الوطن وذلك بغرض تأليب الأنصار حوله.

 

 

واختيار هذا الطريق الوسط مثال نموذجي للتردد الذي يصيب بوتين في أوضاع متوترة. وبدلاً من التعبئة العامة المعلنة، يمكنه أن يستخدم موارد متواضعة جديدة لإنجاز نجاحات صغيرة في أوكرانيا، في مناطق تتمتع فيها روسيا بموقف قوي. ويستطيع كذلك أن يغذي فوضى في أجزاء من أوكرانيا لا تتأثر مباشرة بالقتال، من طريق مهاجمة البنية التحتية الحيوية، والتسبب باضطراب الحياة الطبيعية وتخريبها في أنحاء أوكرانيا كلها، وبذل ما في وسعه لعرقلة جهود إعادة الأعمار الأميركية والأوروبية.

ويحاول بوتين بهذا الحفاظ على أجواء التهديد الذي يؤرق أوكرانيا منذ فبراير 2022. وإذا واجه مشكلة في التحكم بالروايات المتناقلة في الداخل لأن النظام كذب ذات يوم وقال إنها حرب في وسع روسيا كسبها من غير مشقة ففي مستطاعه سحق المعارضة بالقوة. ولا شك في أن حكومته مجهزة، في سبيل أداء هذه المهمة، تجهيزاً جيداً.

ويتطلب الطريق الوسط من الغرب عزيمة وصبراً. فبوتين يراهن على اضمحلال دعم أوروبا والغرب لأوكرانيا تدريجياً في وقت يكافح فيه كلا الغرب وأوكرانيا أزمة طاقة طوال الشتاء المقبل على الأقل. وقد تؤدي الحرب المتعاظمة الوحشية على أوكرانيا إلى توسيع الدعوات إلى إنهاء الأعمال الحربية، بصرف النظر عن الشروط التي تفرض على أوكرانيا.

وإذا لم تضغط الدول الأوروبية على كييف بشكل صريح، فقد تقلص الدعم العسكري، وتتذرع بنضوب مخزوناتها ومواردها الاقتصادية. وتؤدي نجاحات أوكرانيا في منطقة خاركيف إلى إرجاء هذا النوع من الاحتجاج الناجم عن الإجهاد الحربي مدة من الزمن، لكن من غير الواضح ما إذا كان في إمكان أوكرانيا أن تكرر نجاحها وترفع معنويات سكانها والجماهير الغربية كما فعلت.

 

الصبر الغربي، وشفا هاوية روسية

 

ومن الأفضل بالنسبة لأوكرانيا وحلفائها الغربيين ألا تقوم روسيا بتعبئة عامة. والنتيجة الأحسن هي قطع بوتين أمله من احتمال إنجاز النصر. إلا أن أدوات التأثير في خيارات بوتين محدودة. وإحدى هذه الوسائل هي الحفاظ على الوضع الراهن. فهو ساعد على توفير الأسلحة والمعلومات الاستخباراتية إلى الجيش الأوكراني، ورعى تماسكه.

وأثبت الأوكرانيون أن نظامهم السياسي متين بما فيه الكفاية في سبيل دعم المجهود الحربي. وأثبتوا أنهم يتمتعون بقدرة قتالية ممتازة، وقيادة عسكرية كفؤة. واقتران عوامل القوة الداخلية هذه مع الأسلحة المتطورة التي يبدو الغرب مستعداً، من غير تلكؤ لإمدادهم بها، زرع الخوف في نفوس الجنود الروس الذين قاتلوا في منطقة خاركيف.

أما تمخض الأمر عن تخويف الكرملين كذلك فليس مؤكداً. وفي الأحوال كلها لم يعد في وسع الكرملين بعد اليوم أن يتجاهل قوة أوكرانيا العسكرية المتنامية. وكلما نمت هذه القوة تراجعت قدرة الروس على تحقيق ما يريدون تحقيقه في أوكرانيا. وتكتسب أوكرانيا يوماً بعد يوم قوة رادعة.

وبسبب الواقع الناشئ هذا يستطيع الغرب أن يأمل في إمكان أن يفتح بوتين عينيه على حدود قوة روسيا ومدى طاقة أوكرانيا. وفي أفضل الأحوال قد يقبل بوتين الانتكاسات التكتيكية والاستراتيجية التي أصيب بها في أوائل سبتمبر ليس بوصفها تطورات [كارثية] تنذر بنهاية العالم بل كنتيجة للخيارات العسكرية التي ستملي شروط المفاوضات النهائية وأهدافها.

والحق أن أوكرانيا حسّنت كثيراً موقفها التفاوضي في الأيام والأسابيع الأخيرة. ولم تعترف روسيا إلى الآن بتغير ميزان القوى ولم تقلص بعد من مطالبها إلا أنها قد تستفيد إذا أقدمت على ذلك في المستقبل حين تواجه عوائد الحرب المتضائلة على وجه السرعة.

وإذا  تخلى بوتين عن النصر وعن العمليات الهجومية التي يعول عليها في سبيل النصر، ولو رفض التفاوض، على ما هو مرجح، عد ذلك انتصاراً جزئياً للغرب، بالتالي فقد يبدو الأمر غير مرض، لكنها نتيجة رائعة مقارنة مع الموقف الذي كانت فيه أوكرانيا في 24 فبراير.

إذا أجرت روسيا تعبئة عامة، تعين على أوكرانيا والغرب التزام الهدوء والبناء على النجاحات التي أحرزت في الأشهر السبعة الماضية. فروسيا بوتين كانت عاجزة عن تطوير مفهوم واضح لحربها، وغير قادرة على التعلم من أخطائها، وغير قادرة على الاضطلاع بكثير من وظائف جيش من مستوى عالمي.

ولن تغير التعبئة، في حد ذاتها، أمراً من هذه الأمور. وربما أصابت أعظم مخاطر التعبئة العامة روسيا قبل إصابتها أوكرانيا، فقد يقاوم الروس هذه التعبئة وفي هذه الحال يخطو النظام خطواته الأولى على طريق التداعي، كما حصل مع الحكومة القيصرية في عام 1917. أو قد تتعرض روسيا إلى الهزيمة فعلاً بعد تنفيذ تعبئة كاملة، وهذا عبارة عن كارثة لن ينجو بوتين منها.

وقد يبدو هذا لمن هم خارج أسوار الكرملين نهاية سعيدة، لكن انهيار روسيا من شأنه أن يقلب النظام الدولي القائم اليوم رأساً على عقب، ويؤدي إلى اضطراب خارج حدودها. وليس ثمة من يستطيع التنبؤ بنوع النظام الذي قد يحل محل النظام المنهار في دولة روسية "بوتينية".

 

يوماً بعد يوم تكتسب أوكرانيا قوة رادعة

 

وبينما تنتظر أوروبا والولايات المتحدة جواب بوتين عن نجاحات أوكرانيا، أياً كان الجواب، على كليهما مواصلة تزويد أوكرانيا بالدعم الذي تحتاج إليه لكي لا تخرج من ميدان المعركة. لكي تبقى وهذا الأهم في وضع الهجوم. وفي وسع ألمانيا وفرنسا أن تستعملا الدبلوماسية الهاتفية، على الرغم من عبثها من أجل إبلاغ بوتين أن حربه ومحاولاته تقويض الدعم لأوكرانيا بواسطة هندسة أزمات الطاقة في أوروبا وأزمات الجوع على مستوى العالم من غير جدوى.

وإذا عمد بوتين إلى التصعيد ولجأ إلى التهديدات النووية فينبغي ألا يخشى الغرب ذلك ولا يخاف. وعلى الغرب أن يذكر روسيا بقواعد الحرب المضمرة، وهي أن أياً من الطرفين لا يريد أن يحول هذه الحرب التقليدية إلى مواجهة أوسع نطاقاً بين حلف شمال الأطلسي (ناتو) وروسيا. فأي تصعيد نووي من شأنه أن ينتهك هذه القواعد وقد يؤدي إلى تدخل حلف الناتو ولن يكون هذا في مصلحة أحد.

لقد شقت نجاحات أوكرانيا طريقاً سالكاً إلى بناء أوكرانيا دولة أقوى من أن تهاجمها روسيا في المستقبل وهذا إنجاز كبير. إلا أن القضية التي لم تجد حلها بعد هي كيف سيحاول بوتين أن يسوس موقف روسيا الكئيب ومن طريق أي هدف عسكري وأي رسالة سياسية. فلكي يستسلم عليه أن يجدد ابتكار نفسه سياسياً.

ومن أجل القيام بالتعبئة عليه إعادة ابتكار روسيا التي أنشأها منذ وصوله إلى الرئاسة في عام 2000 وأخرجها من فوضى تسعينيات القرن الماضي وكانت تؤذن بولادة طبقة متوسطة مستقرة وذات توجه استهلاكي وفي روسيا هذه كانت الحياة الخاصة (بعيداً من السياسة) عبارة عن هواية ممتعة. وحسب بوتين أنه، من طريق الغزو، يرمي بأوكرانيا زيلينسكي إلى الهاوية، لكنه ربما صنع هذا بنظامه.

*ليانا فيكس مديرة البرامج في إدارة الشؤون الدولية في مؤسسة كوربر وكانت سابقاً زميلة مقيمة في صندوق مارشال الألماني في الولايات المتحدة.

**مايكل كيماج أستاذ التاريخ في الجامعة الكاثوليكية الأميركية وزميل زائر في صندوق مارشال الألماني في الولايات المتحدة وعمل بين عامي 2014 و2016 في فريق تخطيط السياسات في وزارة الخارجية الأميركية حيث تسلم حقيبة روسيا/أوكرانيا.

 

مترجم من فورين أفيرز، 16 سبتمبر (أيلول) 2022

المزيد من آراء