يُنظر إلى كلمة "الديمقراطية" دائما بشكل إيجابي. وحين أسمع عبارة "الديمقراطية الحزبية" بما خصّ حزب المحافظين، الذي أنتمي إليه، تبدو وكأنها شيء يستحق الترحيب. بدلا من ذلك، ومثلما هو الحال مع حزب العمال والجمهوريين في الولايات المتحدة، أصبحت هذه العبارة كارثة، تجعلنا تحت رحمة مجموعة من الناشطين الذين اختاروا أنفسهم بأنفسهم للمواقع التي يحتلونها وما عادت آراؤهم تمثل ناخبينا أو تعكس فلسفتنا المعمول بها منذ زمن طويل.
ففكرة أن يكون لأعضاء الحزب كلمتهم في اختيار الزعيم تبدو معقولة بما فيه الكفاية. وفي نهاية المطاف، هم يساعدوننا في تمويل الشبكة الوطنية التي يعتمد عليها كل حزب سياسي وفي تشغيلها.
إلا أن بوسع اي شخص أن يلتحق بأي حزب سياسي. ومن المفترض أن يلتزم الفرد سياسات وقناعات الحزب، لكن مَن يقوم بالتحقّق من أن ذلك يحصل فعلاً؟ ونتيجة لهذا، فلقاء رسم اشتراك بسيط، يستطيع أي شخص أن يقول كلمته بشكل مباشر في اختيار زعيم الحزب الذي سيكون في العام الحالي رئيس وزرائنا الجديد ايضاً.
يُعتبر الناشطون بشكل عام أكثر تشددا في آرائهم من نواب مجلس العموم، فالأخيرون يوازنون بين الإخلاص للحزب من جهة، وبين الحاجة إلى كسب كل الناخبين والعمل لخدمة مصالح دوائرهم الانتخابية والبلاد برمتها، من جهة أخرى . لكنهم، في الأقل، يشاطرون غالبية أنصار الحزب على تنوعهم، رؤيتهم العامة.
هذا الأمر لم يعد قائما!
أظهر استطلاعان صادمان للرأي أجريا أوائل الشهر الحالي أن هناك فجوة كبيرة آخذه بالاتساع بين أعضاء حزب المحافظين من ناحية، وبين أولئك الذين صوتوا للحزب في انتخابات عام 2015، وهي المرة الأخيرة التي فزنا فيها بالأغلبية، من ناحية ثانية.
فحسب استطلاع للرأي أجرته شركة "يوغوف" هناك 84 % من أعضاء الحزب يفضلون زعيما يدعم الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، في حين كان 61 % ممن شملهم الاستطلاع مستعدين لقبول تعرّض المملكة المتحدة لخسائر اقتصادية وخيمة كثمن للخروج من الاتحاد الاوروبي.
في المقابل، فإن وكالة "سرفيَشِن" استطلعت آراء مجموعة من ناخبي حزب المحافظين التقليدين، في استبيان كشف أن مجرد 32% منهم يدعمون الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، بينما لا يفضّل 51% منهم أن يكونوا في حال اقتصادي أسوأ، إذا كان ذلك هو الثمن الذي يتوجب دفعه للخروج من الاتحاد الأوروبي بأي شكل من الأشكال. ولم يكن هناك سوى 3% من الناخبين التقليدين على استعداد لخسارة 2000 جنيه إسترليني أو أكثر للخروج من الاتحاد، وهذا هو حجم الخسارة التي سيتكبّدها المرء في حال تنفيذ بريكست من دون اتفاق حسب التقديرات الحكومية.
وفي نتيجة أخرى طريفة لهذا الاستبيان، تُفيد بأنه على الرغم من الحملات الدعائية التي أطلقها الجناح المؤيد للخروج من الاتحاد الاوروبي في حزب المحافظين على امتداد سنوات طويلة، فإن 30 % من الناخبين الذين صوّتوا لنا عام 2015 ما زالوا يفضلون البقاء في الاتحاد الأوروبي.
هكذا فإننا في وضع لا تريد غالبية ناخبي حزب المحافظين أن يكونوا في حال أسوأ اقتصاديا بسبب بريكست، بينما لا تبالي الغالبية العظمى من أعضاء حزب المحافظين بذلك، لا بل يريد 84% من الأعضاء فرض سياسة الخروج من الاتحاد الأوروبي من دون اتفاق، وهي سياسة يرفضها ثلثا قاعدته الانتخابية.
والأدهى من كل هذا، أن استطلاع "يوغوف" الأخير يبين أن 63% من أعضاء حزب المحافظين مستعدون لقبول انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، وهناك 59% من الأعضاء الذين لا يمانعون في أن تحذو إيرلندا الشمالية أيضاً حذو اسكتلندا.
ظل حزب المحافظين معروفاً بسياساته الاقتصادية الرشيدة منذ انتسبت له قبل أكثر من 30 سنة، ومن المفترض ايضاً أن نكون حزبا اتحاديا، مصمما على إبقاء أركان المملكة المتحدة معاً كما هي. إلا أن أعضاء الحزب، اليوم، لا يبالون بالاتحاد أو الاقتصاد، إذ جلّ ما يهمهم هو الخروج من الاتحاد الأوروبي.
نتيجة للاستنزاف والتسلل المستمرين، سيّطر أشخاص خلال السنوات الثلاث الأخيرة على تركيبة حزبنا، وقلبوا قاعدة السياسات التي ارتكز إليها لنصف قرن رأساً على عقِب، علماً أنهم ليسوا محافظين حقيقين في راي أولئك الذين يسعى الحزب إلى الحصول على أصواتهم.
كذلك كشف استطلاع "يوغوف" أمرا آخر يرسّخ صحة الرأي الآنف الذكر، ومفاده أن هناك كما يبدو 54 % من الأعضاء الحزب مستعدون لرؤيته يتعرض للإنهيار إذا كان ذلك ضروريا لفرض الخروج من الاتحاد الأوروبي على بريطانيا.
مع ذلك، فهؤلاء متفائلون جدا. ومن المرجح أن أي حزب انحرف أعضاؤه إلى هذه الدرجة عن قاعدتهم الانتخابية لن يعيش طويلاً.
على سبيل الاحتياط إذا كان جيرمي هانت وبوريس جونسون قد نسيا ذلك، لن يكون بالإمكان انتزاع أي مقاعد من "يوكيب" (حزب استقلال المملكة المتحدة) أو "حزب بريكست". لكن هناك مقاعد كثيرة في مناطق يؤيد ناخبوها البقاء في الاتحاد الأوروبي في أسكتلندا ولندن وجنوب إنجلترا وأصبح التصويت فيها لصالح حزب الديمقراطيين الأحرار قاعدة يتقيد بها محافظون سابقون.
مع تزايد التشابه بين أعضاء حزب المحافظين وبين أولئك الذين التحقوا بحزب بريكست، فإن الناخبين المعتدلين، الذين يعتُبر دعمهم شرطاً اساسياً للفوز بالانتخابات، باتوا يرفعون شعارا أحبه الانعزاليون كثيرا، وهو "الخروج يعني الخروج" (الخروج من الحزب، تعني الخروج منه).
نظراً إلى ان المرشح الاوفر حظاً بالفوز بانتخابات زعامة المحافظين، يتبنى سياساته المعروفة فإن هؤلاء المعتدلين لن يعودوا قريبا إلى الحزب.
*سايمون أليسون رئيس مجموعة "مواطنون لبريطانيا" التي كانت وراء حملة " المحافظون ضد بريكست"
© The Independent