Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

3 أفلام عن الخسارة والفقد تهز مشاعر جمهور البندقية 

ابنة الزوج ترفض الأمومة المتبناة والصديقان يفترقان والعجوز تحتضر

تيلدا سوينتون في فيلم "الإبنة الأبدية" (ملف الفيلم)

مع دخول مهرجان البندقية السينمائي (31 أغسطس/ آب - 10 سبتمبر/ أيلول) أسبوعه الثاني، يرتفع مستوى الأفلام المعروضة في المسابقة الرسمية. ثلاثة أعمال روائية طويلة شاهدناها أمس، كلها على قدر عال من الجودة والأهمية، وإن بدرجات متفاوتة ولأسباب مختلفة، وهذا أمر مثير للبهجة والحماسة. فلا يوجد بالنسبة لرواد "الموسترا" ما هو أسوأ من استهلاك الوقت والتكلّف بأموال طائلة من دون أي مردود معنوي. لكن المهرجان عاد أمس ليفي بوعوده في إمتاعنا بصرياً، وحضنا على التفكير والتأمل وجعلنا نسافر من ثقافة إلى أخرى على متن نصوص سينمائية من جميع أصقاع الأرض. مع كل يوم يمر على جزيرة الليدو بدءاً من اليوم، ستجد لجنة التحكيم برئاسة الممثلة الأميركية جوليان مور، وقد صعبت مهمتها، وهذا إنما يدل على أهلية هذه الأفلام في المنافسة، على واحدة من أهم الجوائز السينمائية في العالم.

لدى أعضاء اللجنة خيارات كثيرة للجوائز في جميع الفئات، لكن الخيار الذي يفرض نفسه إلى الآن بقوة هو الممثلة البلجيكية الفرنسية فيرجيني إيفيرا في "أولاد الآخرين" للفرنسية ريبيكا زلوتوفسكي، في خامس تجربة إخراجية لها. لا أحد يستحق جائزة التمثيل النسائي أكثر منها، أقله حتى الآن، وأغلب الظن أنه سيكون لها مكان في لائحة الجوائز. الأداء الذي قدّمته في هذا الفيلم يُدرس، ووضعت فيه الممثلة الأربعينية كل خبرتها وأحاسيسها وموهبتها وأنوثتها، لتبلغ معه قمة لم تبلغها من قبل. هي الحاضرة تقريباً في كل اللقطات، حملت الفيلم على كتفيها، حتى أنه لا يمكن تخيله من دونها. نادراً ما يتعلق المُشاهد بشخصية لدرجة أن تبقى ماثلة في باله ساعات بعد خروجه من الصالة. الفيلم لا يكتفي بالتمثيل، بل هو نفسه تحفة سينمائية خالصة. إنه أفضل ما عُرض إلى الآن ضمن المسابقة.

تلعب إيفيرا دور راشيل التي لم تنجب لأن الحظ لم يحالفها، أو كانت خائفة أو لم تلتقِ بالشخص المناسب. ذات يوم، تتعرف على علي (رشدي زم)، أب لابنة في الخامسة ومنفصل عن زوجته، فتنشأ بينهما علاقة غرامية. تتعلق راشيل بابنة علي، ترى فيها الابنة التي لم تنجبها، ولكن لهذا التعلّق حدوداً لا يمكن تجاوزها، والمسألة مسألة وقت قبل أن تشعر بالخسارة الرهيبة وهي تداهمها. فراشيل لن تستطيع أن تكون أمها، بل فقط بديلاً عنها في غيابها. 

الأمومة هاجساً

راشيل في منتصف الأربعينيات من عمرها، وما عاد لها وقت كثير للانجاب. هذا ما يؤكده طبيبها الذي يلعب دوره المخرج فريدريك وايزمان في لفتة سينيفيلية جميلة من قبل زلوتوفسكي. غريزة الأمومة لديها تتعزز أكثر فأكثر عندما تلتقي علي، فتشعر أن هذه فرصتها الأخيرة، على رغم رفض الأخير للإنجاب. الفيلم بورتريه إمرأة عصرية، ناجحة، جميلة، ذكية، تدخل القلب مباشرة. لكنها تعاني من مشكلة. لا أحد يضغط عليها، هي تضغط على نفسها. ننحاز لها، بلا شروط تقريباً. كل الشخصيات في الفيلم إيجابية ولا تحمل في قلبها سوى الخير، مع ذلك هناك صراع سيكون بين راشيل ونفسها، لا مع الآخرين. هذا هو العالم الذي تتبلور فيه حكاية راشيل. 

لم نرَ فيلماً بهذه الرقّة منذ زمن بعيد، حيث لا عنف مجانياً ولا مواقف مفتعلة، كل شيء يتناسل من عمق الشخصيات ومن حاجتها إلى أن تُحِب وتُحَب. مع هذا الفيلم، تؤكد زلوتوفسكي بأنها مخرجة كبيرة، صاحبة وجهة نظر حقيقية، لكن أهم من هذا كله كيف تصنع سينما عظيمة، فرنسية جداً ودولية أيضاً، بمعنى أنها تمس كل إمرأة، وتمس الرجال كذلك، فأنا من الذين خرجوا من الصالة بعينين دامعتين. هذا الانفعال الذي يجتاحنا يتأتى من النظرة الصادقة والصحيحة للأشياء. الفيلم منصف في حديثه عن المرأة والرجل، ويشعرنا بأن ثمة إمرأة خلف الكاميرا، لا فقط بسبب اطلاع زلوتوفسكي على شؤون المرأة وأحاسيسها، بل أيضاً من النحو الذي تصوّر فيه جسد الرجل العاري وهو يستحم أو مشاهد العلاقات الغرامية. 

مارتن ماكدونا لم يخذلنا بدوره. فيلم هذا المخرج البريطاني الإيرلندي الجديد، "بانشيات إينشرين"، المعروض في المسابقة، من أقوى المرشحين إلى الآن لنيل "الأسد الذهبي". لوهلة أولى نعتقد أن مخرجه نبش في الأدب الإيرلندي لاقتباس هذا العمل من إحدى الروايات المنسية، لكنه في الحقيقة استند إلى مخيلته الخاصة، وهي شديدة الخصوبة. نقول هذا لأن حضور النص قوي جداً، سواء عبر التفاصيل أو بناء الشخصيات، وهذا ما عودنا عليه ماكدونا على أي حال في أفلامه السابقة، فيجب ألا ننسى أنه ابن المسرح في الأساس. 

نهاية صداقة

يأخد الفيلم من جزيرة تقع على الساحل الغربي لإيرلندا مسرحاً للأحداث. وما هي تلك الأحداث سوى خلاف بين رجلين. خلاف فيه شيء من الطفولة، ذلك أن أحدهما قرر ألا يتحدّث مع الثاني كلياً، لا بل يقاطعه تماماً، على رغم أن صداقتهما قديمة جداً. لكن بادريك (كولن فاريل) لن يهون عليه أن يعامله كولم (برندن غليزن) على هذا النحو، لأنه لا يفهم السبب. يبحث عن المعاني التي خلف هذه الخسارة ولكن لا يلقى إلا أجوبة غير مقنعة. يقول كولم إنه سيخصص وقته منذ الآن للموسيقى، فلم يبقَ له الكثير من الوقت، وما عاد مهتماً بثرثرة بلا طائل. بادريك يشكك في سره بأن صديقه تخلى عنه لأنه يراه غبياً، الفكرة التي انتشرت عنه في الجزيرة وبين أهل الريف، على رغم أن أخته تقنعه بأن ما يعتبره البعض غباء ما هو سوى طيبة قلب. كأي راشد رفض أن يكبر، يكتشف بادريك الحياة والناس من خلال هذه الحادثة. إنها مشكلة تتولّد منها مشكلات أخرى، من النوع الذي يغير الإنسان وينتشله من رتابة وجوده. من هنا تبدأ سلسلة مواجهات (مضحكة أحياناً) بين الرجلين، تنطوي على درس كبير في الحياة، بما يفتحه من أفق للعقل والأحاسيس. هذا كله يصوّره ماكدونا بكلاسيكية لافتة، ملقياً نظرة مغايرة على الطبيعة البشرية، وخالصاً إلى مفهوم جديد عن الخير والشر باعتبارهما ينمّان عن خيار. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثالث فيلم يستحق الإشادة (إلى حد معين) هو "الابنة الأبدية" للمخرجة البريطانية جوانا هوغ المشارك في المسابقة. هذا يختلف عن الفيلمين السابقين في الإيقاع وفي المدرسة السينمائية التي يتحدر منها، لكنه يتقاطع معهما في موضوعي الفقد والخسارة (خسارة الأم في حال هذا الفيلم). الحكاية عن سينمائية تقرر الإقامة مع أمها المحتضرة في البيت الذي كانت لأمها فيه الكثير من الذكريات، قبل أن يتحول إلى فندق. يحدث الكثير خلال إقامتهما في هذا المكان الذي تصوّره هوغ بأسلوب قريب لهيتشكوك، مع زوايا وكادرات مستوحاة من التعبيرية الألمانية. "الابنة الأبدية" متمهل في إيقاعه وبطيء في كشفه للأسرار التي يحاول إخراجها إلى العلن، ومسكون في شكل كامل بوجه الممثلة تيلدا سوينتون التي تلعب دوري الأم والابنة في تحد فني لافت. 

المزيد من سينما