Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الترجمة إلى العبرية لا تزال تهمة تطارد الكتاب العرب

إسرائيل تترجم عشرات الكتب العربية وشعار "اعرف عدوك" يبرر تعريب الأدب العبري

ترجمة وكتب (سوشيل ميديا)

لا تفتأ أزمة الترجمة من العربية إلى العبرية أن تتوارى حتى تعود إلى الواجهة من جديد كأنها لأول مرة تثار. وأثيرت في الآونة الأخيرة مع الأديب المصري المقيم في أميركا علاء الأسواني، الذي ارتبط بتهمة "التطبيع" لأكثر من مرة، بسبب ترجمة أعماله الروائية إلى العبرية، واختلفت ردود فعله في كل مرة وجه إليه فيها هذا الاتهام ما بين موقف حاد في بداياته، إلى موقف متسامح مع الترجمة إلى العبرية في الوقت الراهن، لكن حركة الترجمة إلى العبرية تتواصل، علناً أو في السر، وبعض الكتاب العرب لا يؤثرون الإعلان غالباً عن ترجمة أعمالهم إلى العبرية. الكاتب العراقي البريطاني صموئيل شمعون لم يتوان عن الإعلان عن ترجمة روايته "عراقي في باريس" إلى العبرية حديثاً، ولم تثر سجالاً مثل السجال الذي أثارته ترجمة الأسواني.

بدأت الأزمة عندما أعلن جاكي حوجي مقدم برنامج في إذاعة الجيش الإسرائيلي والمتخصص بالتعليق على الشأن العربي أن علاء الأسواني سيحل ضيفاً على محطة "غالي تساهال". وكانت هذه الاستضافة لمناسبة نشر رواية الأسواني الثالثة بالترجمة العبرية "جمهورية كأن". سرعان ما قوبل الإعلان بعاصفة من الهجوم على الأسواني لقبوله الحديث مع وسيلة إعلام إسرائيلية، وقبوله ترجمة أعماله إلى العبرية. رد الأسواني نافياً تواصله بشكل مباشر مع أي وسيلة إعلام إسرائيلية، وأن الحوار المشار إليه تم مع وكيله الأدبي في لندن تشارلز بوكان. وأرفق تغريدته بفيديو لأصل الحوار مع وكيله الذي أخبر الأسواني في بداية حديثهما، أن هذا الحوار سيرسل إلى دار النشر العبرية التي تصدر رواياته، وأن الأسئلة التي سيطرحها عليه أرسلت إليه من إسرائيل، بالتالي كان الأسواني على علم بأن الحوار سيترجم ويذاع على إحدى الإذاعات الإسرائيلية. وعبر الأسواني في بداية الحوار عن "سعادته الغامرة" بالحديث عن رواياته بأي لغة كانت والعبرية ليست استثناء.

تبدل في الموقف

هذه ليست المرة الأولى التي توجه إلى الأسواني تهمة التطبيع بعد ترجمة عمل له إلى العبرية، غير أن موقفه هذه المرة لم يكن في نظر محبيه، بالقوة الرافضة ذاتها، وبوضوح الموقف كما كان في المرات السابقة. فحين ترجمت روايته "عمارة يعقوبيان" إلى العبرية عام 2010 قام جدل في الوسط الأدبي المصري، فنفى الأسواني في تصريحات صحافية علاقته بهذه الترجمة. وقال إنه لم يتعاقد مع دار نشر إسرائيلية لترجمة الرواية. وبرأت الدار الإسرائيلية الأسواني من التهمة. وذكر "المركز الإسرائيلي الفلسطيني للأبحاث والإعلام" أن الأسواني رفض ترجمة الكتاب إلى العبرية في إسرائيل. وبررت الدار ترجمتها للرواية على الرغم من رفضه، بأنها تأتي ضمن مبادرته بالرغبة في "توسيع التوعية والتفاهم الثقافي في المنطقة". وقال الأسواني وقتذاك إن ما فعله هذا المركز والمترجم هو قرصنة وسرقة، وإنه سيرفع شكوى إلى الاتحاد الدولي للناشرين، مشيراً إلى أن موقفه لم يتغير في شأن التطبيع مع إسرائيل وأنه يرفضه تماماً. وهدد بمقاضاة من يترجم له عملاً إلى العبرية، حتى ولو كان مصرياً. وفي عام 2016 نشرت الرواية ذاتها مرة أخرى في إسرائيل بمعرفة دار نشر أميركية تسمى "توفي" بمساعدة دار نشر إسرائيلية تدعى "طبريا زامورا دفير". وعلى صفحته على "تويتر" قال الأسواني إنه لم يتعاقد مع دار نشر إسرائيلية لترجمة الرواية، فيما أعلن الجانب الإسرائيلي أنه حصل على إذن الترجمة من الدار الأميركية التي تعاقد الأسواني معها، بالتالي ليس مستبعداً أن تكون الدار الأميركية قد أحاطت الأسواني علماً بهذا الأمر.

ويلاحظ أن في عام 2008 ترجمت الرواية العبرية "الياسمينة" لإيلي عامير إلى العربية وترجمها حسين سراج، وأعلن الأسواني أن هذا العمل وراءه "سماسرة تنبغي ملاحقتهم، لأنهم مقابل حفنة من المال قبلوا التعامل مع الإسرائيليين في ميدان الثقافة، وأن قراءة الأدب الإسرائيلي مهمة من قبيل اعرف عدوك، ولكن التعامل مع إسرائيليين مرفوض حتى ولو كانوا مزدوجي الجنسية".

وأثيرت في عام 2021 أزمة في تونس بسبب موافقة الكاتب التونسي كمال الرياحي على ترجمة رواية له إلى العبرية، وأبدى اتحاد الكتاب والأدباء الفلسطينيين استياءه من هذا الأمر في حينه.

قضية متكررة

أما أعنف ردود الفعل التي أثيرت في ما يخص مسألة الترجمة من العربية إلى العبرية، فكانت في عام 2001، بعد محاولات دور نشر إسرائيلية ترجمة أعمال لعبد الحكيم قاسم وإبراهيم عبد المجيد وغيرهما. وأعلن عبد المجيد وقتها موافقته على الترجمة بشرط ألا يكون له أي تواصل مع الإسرائيليين، لكن بعد أن أثيرت ضجة كبيرة في الوسط الثقافي حول هذا الأمر، تراجع عبد المجيد وأربعة روائيين مصريين آخرين عن قبول هذا الأمر في شكل مطلق.

تباينت آراء المثقفين حول هذه القضية بحسب ما نشرت الصحف وقتها. وقال يوسف القعيد إنه يرفض ترجمة أعماله إلى العبرية، بعد أن تبين أنه خلال الانتفاضة الفلسطينية عام 1987 قد تمت ترجمة روايتين له إلى العبرية من دون علمه، بينما انتقد إدوارد سعيد في مقال نشر في جريدة "الأهرام ويكلي" التي تصدر في القاهرة بالإنجليزية، الحملة التي تدعو إلى وقف ترجمة أعمال الكتاب العرب إلى العبرية، واصفاً إياها بالشيء المؤسف. واعتبر سعيد أن ترجمة الأعمال العربية إلى العبرية "ستساعد الإسرائيليين على فهم العرب"، مضيفاً أن "ترجمة أعمال الكاتب إلى لغات أجنبية هي دوماً انتصار للكاتب".

وكان بين الكتاب العرب الذين وافقوا على الترجمة إلى العبرية عام 2001 المغربي محمد شكري، الذي ترجمت روايته "الخبز الحافي" وحصل على خمسمئة دولار كدفعة أولى من حقوق الترجمة والنشر. وصرح حينذاك أن الدور الإسرائيلية تدفع الحقوق على عكس بعض الدور العربية.

إذا كانت الترجمة من العبرية إلى العربية تجد من يسوقها، ولها مبررها عند البعض من باب معرفة العدو، يحدث العكس مع الترجمة من العربية إلى العبرية، فهي لا تجد عربياً يسوغها، مما يدفع المؤلفين إلى القول إن ليست لهم علاقة بدار النشر التي تولت الترجمة. والبعض يستشهد بترجمة أعمال نجيب محفوظ إلى العبرية منذ الستينيات، كما أن هناك أعمالاً عربية شهيرة مثل "موسم الهجرة إلى الشمال" للطيب صالح، ترجمت إلى العبرية، من دون الحصول على موافقة أصحابها أو ناشريها الأصليين، ومن دون أن يبادر المتضرر برفع الأمر إلى القضاء، حتى لا يجد نفسه على اتصال مباشر بـ"العدو"، ويقع من ثم في مرمى نيران الاتهام بالتطبيع مع إسرائيل، ناهيك بترجمة عيون الأدب الفلسطيني إلى العبرية، لا سيما أعمال محمود درويش وسميح القاسم وإميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا وسواهم.

الترجمة من العبرية

قد يكون الموقف العربي متسامحاً بعض الشيء في ترجمة الأعمال العبرية إلى العربية، لكن الحبل فيها ليس متروكاً على غاربه. فبين حين وآخر تثار هذه القضية، مثلما حدث عام 2016 في معرض القاهرة الدولي للكتاب، بسبب عرض كتاب إسرائيلي، هو "ألف ليلة دوت كوم" الذي نقله إلى العربية عمرو زكريا، فهوجم لا بسبب ترجمته وإنما لاحتفاء الإعلام الإسرائيلي بهذه الترجمة. وفي كليات الآداب والألسن في الجامعات المصرية تدرس اللغة العبرية ضمن قسم اللغات الشرقية، ويتخصص فيها طلاب كثر سنوياً بلا غضاضة، بل تكون العبرية مادة اختيارية فرعية للأقسام الأخرى مثل أقسام اللغة العربية، لدراستها من بين لغات أخرى مثل التركية والفارسية. ويعود هذا التسامح مع الترجمة إلى العربية في كثير من الأحيان إلى مقولة "اعرف عدوك"، أو "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم". وهذا ما يراه كثير من الأساتذة الجامعيين مثل جمال الشاذلي، أستاذ اللغة العبرية وآدابها في كلية الآداب بجامعة القاهرة، ويعبر عن رفضه التعامل مع إسرائيل، لكن في الوقت ذاته يرى أن هناك ضرورة للترجمة من العبرية مباشرة، ليس حباً فيها بل رفض للانغلاق، وتحصين الأجيال من العدو الذي يسعى إلى تفتيت الدول العربية المحيطة. ويؤكد أهمية أن يتصدى لهذه الترجمات ذوو الكفاءة والدراية، وعدم اقتصار الترجمة على مجرد النقل الحرفي، بل إن ترفق بتعليقات تفند المزاعم الواردة في الأصل العبري. فإسرائيل -بحسب تصوره- توظف كل الأدبي والسياسي والتاريخي لخدمة أهدافها.

تخوفات دور النشر

وعلى الرغم من هذا الموقف الذي يبدو متسامحاً نسبياً مع الترجمة من العبرية إلى العربية والذي يتوخى "المصلحة العامة"، وفق "شروط خاصة"، فإن دور النشر الحكومية والخاصة تواجه عراقيل في هذا الصدد. ومن ذلك ما يشير إليه جمال الشاذلي لجهة امتناع "المركز القومي المصري للترجمة" عن الترجمة من العبرية، لأن الأمر يتطلب مراعاة حقوق الملكية الفكرية للناشر الأصلي أو المؤلف، وهذا سيوقع المركز التابع لوزارة الثقافة المصرية في شرك التطبيع الثقافي مع إسرائيليين، بينما في إسرائيل تترجم في شكل دوري عشرات الكتب العربية سنوياً إلى العبرية عبر مؤسسات رسمية. وتحايلاً على تلك التهمة تلجأ دور النشر عادة إلى لغة وسيطة لتجنب التعامل مع المؤلفين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية. وهو ما يوضحه الناشر شريف بكر مدير دار "العربي للنشر والتوزيع" القاهرية، الذي يرى أن "الطريقة الأنسب هي الترجمة عبر لغة وسيطة، أو دار نشر خارج إسرائيل، حتى لا توجه إلى الدار تهمة التطبيع التي لها كلفة باهظة، منها منعها من المشاركة في معارض دولية مهمة، أو إسقاط عضويتها في اتحاد الناشرين سواء المصري أو العربي". ويقول بكر إن الناشر حين يفكر في ترجمة أو نشر هذه "الكتب الشائكة"، يحتاج إلى ضمانات تحدد له مسبقاً المحظورات، كي لا يتجاوزها ويتعرض لأذى معنوي أو مادي.

وهو الموقف ذاته الذي يتبناه محمد رشاد رئيس اتحاد الناشرين العرب وصاحب "الدار المصرية اللبنانية" الذي عبر عن رفضه القاطع التعامل مع إسرائيل بأي شكل من الأشكال قائلاً، "من الممكن قبول الفكرة بشكل نظري من باب اعرف عدوك، والتفكير في الترجمة من خلال لغة وسيطة، لعدم توريط الناشر في التعامل مع الكيان الصهيوني، وشخصياً لا أفكر في ترجمة أي إصدار عن الكيان الصهيوني. الأمر مرفوض من الأساس".

بينما هناك دور نشر تتبنى موقفاً مختلفاً مثل "الكتب خان" التي رأت مديرتها كرم يوسف، حين أصدرت رواية "تشحلة وحزقيل" ترجمة نائل الطوخي أن المعيار لديهم في اختيار الموضوعات أن تكون جيدة، مؤكدة أن فكرة التطبيع أصبحت "كلاشيهات". وكذلك "دار الجمل" التي ترجمت روايات للإسرائيلي المعروف عالمياً عاموس عوز.

اتهامات دائمة

ومن الروائيين المصريين الذين اكتووا بنار اتهام التطبيع حديثاً طارق إمام، فقد أعلنت شعبة النقد والدراسات الأدبية في اتحاد كتاب مصر، عن إقامة ندوة لمناقشة روايته الأخيرة "ماكيت القاهرة" التي وصلت إلى القائمة القصيرة للبوكر العربية، لكنها تراجعت عن ذلك قبل موعد الندوة بيوم واحد، وقررت تأجيلها إلى أجل غير مسمى. وتردد أن سبب ذلك هو قيام عدد من الكتاب بمهاجمة طارق إمام بدعوى تورطه قبل سنوات عدة بالتطبيع حين قبل المشاركة في جائزة "متحف الكلمة" مع كاتب إسرائيلي! وجاء ذلك الجدل في سياق عام يرى أن لا جدوى من ترجمة الأعمال العربية إلى العبرية، باعتبارها "لغة ميتة". علماً بأن شاعراً مثل أدونيس فاز بجائزة إيطالية مع شاعر إسرائيلي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لعل فكرة الترجمة من اللغات الأخرى إلى العبرية في الآونة الأخيرة لم تعد مسألة مثارة في العالم العربي فقط، بل هناك عدد من الكتاب الغربيين أعلنوا رفضهم ترجمة أعمالهم إلى العبرية احتجاجاً على ما تقوم به إسرائيل من انتهاكات بحق الفلسطينيين. ومن ذلك ما قامت به الكاتبة الإيرلندية سالي روني برفضها ترجمة روايتها "أيها العالم الجميل أين أنت" العام الماضي. وهي الرواية الثالثة لها وحققت نجاحاً كبيراً داخل إيرلندا وبريطانيا، مثلما حققت روايتاها السابقتان المترجمتان إلى العبرية رواجاً في إسرائيل. وأعلنت الكاتبة عن دعمها حركة مقاطعة إسرائيل، مشيرة إلى أنها اختارت عدم بيع حقوق الترجمة لدار نشر مقرها في إسرائيل، وأنها تشعر أنه لن يكون من الصواب قبول عقد جديد مع شركة إسرائيلية لا تنأى بنفسها علانية عن الفصل العنصري ولا تدعم حقوق الشعب الفلسطيني التي نصت عليها الأمم المتحدة.

وهو ما فعلته كذلك الكاتبة الأميركية أليس ووكر في 2012 برفضها ترجمة روايتها الشهيرة "اللون القرمزي" إلى العبرية، احتجاجاً على سياسة الفصل العنصري التي تتبعها إسرائيل مع الفلسطينيين.

 وعلى المستوى العربي حدث موقف شبيه عام 2001 حين أعلن الكاتب المغربي اليهودي إدمون عمران المليح، رفضه القاطع ترجمة أعماله إلى العبرية، لاعتبارين أساسيين، وهما أن تضامنه مع القضية الفلسطينية لا يسمح له بالتعامل مع الحكومة الإسرائيلية مهما كانت نية دار النشر، وثانيهما هو أن العبرية "ليست لغة مهمة".

المزيد من ثقافة