Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما يتبقى من حكايا المنتحرات المصريات يجمعه فيلم "ستاشر"

حاز السعفة الذهبية للفيلم القصير في مهرجان "كان" وأثار جدلا في القاهرة

المخرج المصري سامح علاء يتسلم جائزته في مهرجان "كان" (صفحة المخرج على فيسبوك)

الفيلم المصري القصير "ستاشر" أو بحسب العنوان الإنجليزي "أنا خائف أن أنسى وجهك" (I am afraid to forget your face)، الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان "كان"، فئة الفيلم القصير، دورة العام الماضي، لا يُناقش فكرة النقاب، ولا يدعي تقديم نقد اجتماعي لمن يرتدينه من النساء، وإن كان  يواجه، منذ بدأ عرضه عبر قناة "arte" الفرنسية، وصار متاحاً للمشاهدة بطريقة أو بأخرى للجمهور المصري، هذه التُهمة شبه الجاهزة. يمكن صياغة الاتهام على النحو التالي: محاولة إرضاء الغرب بتقديم موضوع مما يُسمى تابوهات! أما الفيلم نفسه، فهو أبسط من ذلك بكثير. يأخذنا في مشوار قصير، نشهد خلاله على الفصل الأخير من التراجيديا التي عاشتها إحدى الفتيات، اختارت أن تُنهي حياتها بالانتحار، وتصادف أن كان لها حبيب، مُراهق في مثل سنها، ابتدع طريقة ليودّع جثمانها، وبالتالي صارت لديه حكاية يرويها عنها، ولو حتى لنفسه.

الفيلم من إخراج سامح علاء، ويؤدي الدورين الرئيسيَن به كلُ من "سيف الدين حميدة، ونورهان عبد العزيز"، وهو من إنتاج "محمد تيمور، ومارك لطفي، وأحمد زيان، والفرنسي مارتن جيروم".

الفتى الشبح 

يخلق الفيلم حالة من الغرابة، تنهض على خيار البطل وهو فتى مُراهق، بأن يرتدي نقاب والدته، ويخرج به إلى الشارع. يبدأ رحلة في المواصلات العامة، للوصول إلى بيت هذه الفتاة، الذي يقع، على ما يبدو، في الطرف الآخر من المدينة. بالطبع يستخدم البطل النقاب قناعاً، يتخفى وراءه، لكن ليس هذا فقط. إنه يتخلى مؤقتاً عن الامتيازات التي يمنحها له المجتمع كرجل، بإبراز جسده والحركة بُحرية في الشارع. يتقمص جسد المرأة إذا جاز التعبير، ويمتد هذا التقمص إلى الشخصية كاملة. ينظر البطل إلى الكاميرا مرة، ثم يستدير ويأخذ نَفَساً طويلاً. يظهر، في المشهد التالي، بالزي الداكن الطويل، وسط الناس في الحافلة العامة، بعينين مُنكسرتين، لا ترتفعان لمواجهة الكاميرا. تصير المشية ثقيلة، يبدو تثاقلها جلياً مع صعوده الدرج الطويل في البناية القديمة. إنه يتقمص دور امرأة، قد تكون أمه، أو هذه الحبيبة، أو امرأة أخرى ارتجلها لتُساعده على تحقيق هدفه. المُهم أن لهذه الشخصية البديلة تاريخاً طويلاً من الخضوع، تُفصح عنه لغة الجسد، لا الكلمة. لا يتناقض هذا النقاب فقط مع حُرية حركته في الشارع، كرجل قبل ارتداء النقاب، لكنه أيضاً يختصر وجوده إلى مجرد شبح. غير أن لهذا الشبح امتيازاً نادراً في هذه الحالة، فهو المسموح له حصرياً بولوج الشقة التي أصبح يُخيم عليها الموت، شقة الفتاة.

تدور المشاهد الأولى من الفيلم في حي "السكاكيني" في القاهرة، أي مكان حقيقي - وفقاً لصفحة الفيلم على موقع "ويكبيديا" - وهو أسلوب يُذكّرنا بسينما الثمانينيات في مصر، التي خرج مبدعوها من الأستوديوهات، توفيراً للنفقات، وصوروا في الأماكن وبين أفراد الجمهور الحقيقيين. في "ستاشر" يظهر الديكور الداخلي أولاً في بيت فقير، غسالة قديمة، جدران دهانها مُقشّر. يحتاج البطل، كي ينشر غسيله إلى سطوح منزله، هناك يحكي المشهد الواسع تقاطعات حياته مع حيوات الآخرين، وأيضاً شبه تفاهتها بالنسبة لأولئك الآخرين. هذا البطل ليس فقيراً جداً، فهو يمتلك في النهاية تليفوناً محمولاً ذكياً، عليه تطبيق واتس آب، يستمع من خلاله، في المشهد الأول، إلى التسجيل الصوتي الأخير لحبيبته. التسجيل بدوره يأتي طبيعياً، يُحدّث بالحالة النفسية للبطلة ومأزقها، وهي تروي وضع حبسها منذ شهرين في غرفتها.

تُعاتبه لأنه لم يجد حلاً بعد، وتُذيّل التسجيل بكلمتين مؤلمتين، يستمدان أهميتهما من بقية الفيلم: "وحشتني وهتوحشني". يمكننا ضمناً، استشفاف الشريحة الاجتماعية التي ينتمي إليها البطل من الطبقة المتوسطة، من غياب الخصوصية، في مشهد اقتحام الحمام على البطل وهو واقف يستمع إلى التسجيلات من أحد أفراد عائلته. ربما تنتمي الفتاة إلى بيت ميسور أكثر، قد يكون في وسط البلد - يوحي الدرج ببنايات وسط البلد - كما يظهر أيضاً في الديكور الداخلي، لشقة البطلة. لكن هذا اليُسر، إذا جاز التعبير، لا يمتد إلى القناعات الفكرية لأهل البنت، المُعبرة مجدداً عن هواجس الطبقة المتوسطة تجاه أجساد بناتها. عانت الفتاة أيضاً من تلصص الأهل وشبه الاعتقال الذي مارسوهما عليها، فلم يكن أمامها من وقت لتنفيذ قرارها سوى ساعة نوم الأم، كما تُنبئه في التسجيل.

اختراق المنظومة

نحن لا نعرف اسم البطلة، فاسمها في كل مكان، في الصحافة العربية وضمن حوادث انتحار الفتيات لضغوط الأهل أو هواجسهم. مُجدداً، يتمكن البطل، المتخفي في زي شبح، من اختراق هذه المنظومة الاجتماعية التي تؤمن إيماناً مطلقاً بحصانتها. بل ويمنحه النقاب أولوية الدخول من بين حشود المُعزين والوصول لما يشبه الصفوف الأولى. يجلس الفتى في صالون البيت بين النساء النائحات، منكسراً، مثلهن، ينظر إلى الأرض كباقي السيدات. ثمة شيء ساخر في المشهد بالطبع. قبل أن يدخل إلى الغرفة، ويُلقي نظرة أخيرة على الجثمان.

هذا هو الحضور الوحيد لجسد البطلة، في كفن أبيض، وهيئتها تُشبه المومياوات. لا تمنحنا الكاميرا فرصة لتأمل وجهها. كما يحتفظ الفتى هو الآخر بوجهه مخفياً وراء النقاب. في الصورة ثمة مسافة من الوجهين. إنها لحظات مسروقة، لكنها الوحيدة المُتاحة قبل الدفن. وهذا ما يجعل هاجس الخوف من نسيان الوجه في العنوان الإنجليزي منطقياً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

هل فعلها البطل من قبل؟ ربما. الإجابة في النهاية متروكة للخيال. بطبيعتها، تستثمر الأفلام القصيرة كثيراً في الخيال. وهو تحد سيواجهه المُشاهدون المنجذبون إلى الفيلم بسبب صيته الدولي. بعد هذه الزيارة الخاطفة، تبدو رحلة العودة مُثيرة أكثر للحزن. تصير الحافلة مظلمة وخالية، على عكس ما بدت عليه في بداية اليوم. في العتمة، يتأكد ليس فقط شعور البطل بوحدته، لكن حقيقية هذه الوحدة. هو الذي لم يكشف وجهه، ويبدو أنه قد ذاب تماماً في ما يرتديه. حين ينزل من الحافلة في المكان البعيد والخالي، يتمكن، أخيراً، من تحرير نفسه، من هذه الشخصية، ويسمح لنفسه بالبكاء.

سواء كانت عُلا التي يُهدي إليها المخرج فيلمه، شخصية حقيقية عاشت من قبل هذه المأساة، أو يتعلق الإهداء إليها بسبب شخصي؛ فإن البكاء في النهاية، والعنوان باللغة الإنجليزية "أنا خائف أن أنسى وجهكِ"، يبلور حالة الشعور بالعجز وثقل الذنب أمام رحيل إنسانة. هو رحيل سيطويه الزمن بالطبع، وربما أيضاً النسيان. تبقى مُشاهدة "ستاشر" تجربة مريرة إلى حد ما، برغم شعّريتها وجماليتها، فنحن نعرف أن حكايته تقع، بتنويعات عديدة في المجتمعات العربية، لكن ربما في الخفاء.  

لعلّ هذا الفيلم القصير، الذي يحفظ الود للتاريخ المُشرق السينما المصرية، يبشّر بمخرج واعد هو سامح علاء، ولعله بتتويجه بجائزة دولية يحفظ أيضاً شذرات حكايات أولئك الفتيات من النسيان.

المزيد من سينما