Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

محمود قرني: شعر التصوف اليوم هلوسة لغوية

يرى ان مفهوم الهوية يرتبط بخلق مشتركات إنسانية تنبذ العنف والتفرقة

الشاعر المصري محمود قرني (صفحة الشاعر - فيسبوك)

مسيرة شعرية طويلة اجتازها الشاعر المصري محمود قرني (1961) بادئاً – شأن معظم شعراء جيله – بالقصيدة التفعيلية؛ وصولاً إلى كتابة قصيدة النثر التي أصبح أحد أصواتها البارزة في الخريطة الشعرية المصرية والعربية. امتازت قصيدته بالتركيب والتعاطي مع المعرفي من دون أن يوقعها ذلك في الذهنية. وقد توالت إصداراته الشعرية فى الفترة الأخيرة ما بين الدواوين المفردة والمختارات التى كان آخرها "خاتم فيروزي لحكيم العائلة" (الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة) وتتضمن قصائد من عشرة دواوين من بينها: "حمَّامات الإنشاد"، "خيول على قطيفة البيت"، "هواء لشجرات العام"، "طرق طيبة للحفاة"، "لعنات مشرقية"، "ترنيمة لأسماء بنت عيسى الدمشقي"، إضافة إلى قصائد لم تنشر من قبل. وتجربة شاعر "خاتم فيروزي"، لا تقتصر على الشعر، بل تنطوي على معارك معرفية وثقافية خاضها على مدار أكثر من ثلاثين عاماً؛ دفاعاً عن فكرة التقدم، وتجديد الخطاب على المستويات كافة. وعلى رأس تلك المعارك تأتي معركة قصيدة النثر كواحدة من أهم وأكثر قضايا الشعر العربي الجديد التباساً وإثارة للجدل وسط مناخات محافظة تحاول وأد فكرة التجديد برمتها، بحسب ما يرى محمود قرني نفسه. وفي هذا السياق نشر عشرات المقالات في جرائد ومجلات عدة في مصر وخارجها، وأصدر العديد من الكتب بين الفكر والسياسة والفلسفة والنقد من بينها: "وجوه في أزمنة الخوف"، "عن الهويات المجروحة والموت المؤجل"، "خطاب النخبة وأوهام الدولة الأخلاقية"، "لماذا يخذل الشعرمحبيه؟".

المعرفة الكلية

 

في حوار معه لـ"اندبندنت عربية"، بدأت بسؤاله عن بدايات مساره مع الشعر، التي اتسمت بكتابة قصيدة التفعيلة المفعمة بحضور المجاز المفارق، مما وسمها أحياناً بصعوبة التلقي، فأجاب: "لا أتصور أنّ من المناسب دفاع الشاعر عن وضوح أو غموض نصه وهي التهمة التي يغلفها السؤال. لأنني أيضاً لا أحب اجترار ما قاله طه حسين من أن الأدب لا ينزل إلى الشعب بل يُرفع الشعب إليه، مردفاً أن مثل هذا الاتهام لا يسود إلا في أزمنة العجمة وسيادة الاستبداد. أتصور أن الشاعر الحديث ينطلق من فكرة أن النص الشعري ينفتح على مصادر يمكن وصفها بالمعرفة الكلية، أو أنه، وعلى نحو أدق، يهتم بالوجود بينما الوجود لا نهائي، كما يقول ستيفن سبندر. ومن ثم لا يمكن للناقد أن يحدد الصورة التي يجب أن يكون عليها الشعر؛ لأن الشعر بحسب أكتافيو باث قد ينتج نصاً مضاداً للتاريخ، أقصد لتاريخه، تأسيساً على أن السردية التاريخية نفي لفكرة الكثافة، في الوقت الذي لا يمكن للشعر فيه أن يثق في الرواية التاريخية التي غالباً ما تكون هي نفسها رواية المنتصر، لذلك فقد ينتج الشعر نصاً مناهضاً لنفسه، وقد قال والاس فاولي عن تجربة لوتريامون المجنونة إنها أكثر الموضوعات استغلاقاً على الفهم؛ لأنها تبدو خطاباً احتجاجياً على كل المقدسات، وهي قضية شديدة التعقيد في كافة الثقافات. ومع ذلك فهي نصوص لا يمكن وصمها بالغموض. وما دام الأمر كذلك فإنه من غير الملائم أن يملي النقد على الشاعر موضوعه الشعري أوالكيفية التي يمكنه من خلالها التعبير عن واقع أكثر تعقيداً مما يظن أصحاب اللغة الوظيفية".

مفهوم الهوية

وكان لا بد من سؤاله عن أحد ملامحه المميزة وهو موضوعة الهوية الذي يشغل محوراً أساسياً في شعره، فهل يراه جديراً بهذا في ظل ثورة المعرفة التي جعلت العالم يبدو قرية صغيرة؟ فكان رده: "أود فقط في البداية أن أشير إلى أن مفهوم الشاعر عن الهوية مختلف أشد الاختلاف عن مفهوم الهوية من الوجهة الأيديولوجية أو الفلسفية. فالهوية معطى معرفي يرتبط بالتراكم التاريخي لمراكز الحضارة التي أنتجتها، لذلك فهي من الناحية الفلسفية تبدو تمثيلاً لمفهوم الحقيقة المطلقة للأشياء، لذلك فإن هويات الشعوب تتبدل عليها العصور والأزمنة وهي ما زالت تحتفظ بتلك الحقيقة المطلقة التي هي جوهر تمايزات شعب ما، بكل ما تحمله مفردات ثقافته ومرجعياته العقائدية والتاريخية. لكنها بكل أسف كانت من الناحية السياسية مضماراً لحروب عنصرية وطائفية وعقائدية أسهمت في إبادة ملايين البشر. وأظن أن الشعوب والحضارات التقليدية القديمة -على رغم ذلك- لم تفقد أدوارها التاريخية، لكنها بقيت كهويات مجرّحة؛ لأنها مهدَّدة بالزوال من مراكز تحاول القفز من التاريخ إلى ما بعد التاريخ، لتنهي وجود أسطورة المعرفة التاريخية لتلك المراكز الحضارية. لذلك فإن مفهوم الهوية بالنسبة للشاعر يبدو أكثر انفتاحاً؛ لأنه يسعى في نصه عادة لتفكيك التناقضات بين الثقافات والعقائد المختلقة، كما يسعى لخلق مشتركات إنسانية تنبذ العنف والتفرقة؛ سواء على أسس الجنس أو الدين أو اللون أو العرق. ولكن ذلك يتم عبر تعبيرات تمثل الجماعة البشرية التي انتخبته للتعبيرعن أشواقها لعالم أكثر إشراقاً وعدلاً".

الصورة والأصل

 

قلت: لكن إجابتك تتجاهل مقولات مهمة تحاول ما بعد الحداثة تعزيزها عبر عولمة العالم وثورة المعلومات. لكنه أوضح مخاوفه كشاعر قائلاً: "أعتقد أن أكثر المصدومين بكل ما تقول هو الشاعر. فهو أحد أخطر الكائنات على العولمة؛ لأن العالم الجديد الذي بشَّرت به عزَّز حضور الصورة على حساب الأصل، كما عزَّز حضور الأضاليل على حساب الحقيقة، فاحتفى بالأشكال الدعائية عبر تسليع كل شيء، لذلك فهو عالم في حاجة إلى "ساردين" ليس أكثر، لأن هؤلاء أكثر قدرة على التكيف وأكثر قدرة على التسرية عن ملايين العمال في ملاجئهم. في الوقت نفسه يرى العالم الجديد الشاعر على أنه كائن أخطأته فكرة الانقراض على رغم أنه تناسل من رحم البيولوجيا نفسها التي أنتجت هؤلاء القتلة. الشاعر منذ ملاحم هوميروس ومدينة الفارابي الفاضلة يظل كائناً غير قابل للتكيف وهو يعتاش على الماضي وعلى التاريخ، وهما محط احتقار ساسة ورجال مال وتجار سلاح يحاولون إثبات أن التاريخ بدأ عندهم وليس في أي مكان آخر، لذلك فإن ناقداً مثل هربرت ماركيوز يرى أن العالم الجديد لا يحتفي إلا بالتميع والتهتك، ولعلك تلاحظ أن عصرنا الجديد يراعي دائماً أن السلعة الجيدة هي السلعة جيدة المظهر وليست جيدة المخبر. إن ما يشغل مراكز إنتاج القوة والهيمنة هنا يلخصه فرنان برودل في كتابه "الاقتصاد والرأسمالية"، عندما يقول: إن ما يؤلم الغرب، بحسب خريطة جورودن هيوز، هو ثبات مواقع الحضارات التاريخية، وهو ما يراه الغرب في حاجة إلى تغيير حتمي".

التجربة الصوفية الحديثة

سألته: أعرف أن لك موقفاً رافضاً للتجربة الصوفية، لكن أنها قريبة جداً من التجربة الشعرية، وأنه كان من المفيد أن يتقاطع شعرك مع تراثها؟ فأجاب: "الأمر ليس كذلك بالضبط. فلا يمكن لمن مسَّته حرفة الكتابة وسحرية اللغة أن يرفض الأدب الصوفي ولا تراثه الباذخ، لكنني أراه ابن ظرف تاريخي وعقائدي وسياسي لم يعرفه عصرنا الحديث، فضلاً عن أن الشعراء والناثرين الكبار الذين تركوا أثراً عظيماً في هذا الأدب كانوا أبناء تجربة حياتية جوهرها الزهد المطلق في كل شيء، إلا في اللغة الاستبطانية التوحيدية. هذا ما جعلني أوقن أن شعراء التصوف المعاصرين أبناء نص ثقافي؛ لأنهم لم يحترقوا بلظى التجربة. أنا لستُ في حاجة لكتابة نص تحت تأثيرات ثقافية محضة، لأنني أشعر بأن التاريخ يحتاج قروناً لفهم تجلياته في واقعنا، وهو واقع سديمي ومن ثم فأسئلته أكثر وعورة. ربما هذا ما يفسر لماذا لم أكن من المفتونين بالفتح الأدونيسي لعالم النص الصوفي، فقد بدا في نهاياته فتحاً لطريق تؤدي إلى مزرعة تنامى فيها عشرات بل مئات من المتهوسين بفكرة الحلول ووحدة العلة مع المعلول، ثم وجدنا أنفسنا أمام شعراء أقرب إلى مشعوذين يتحدثون لغة سرية هي بنت دائرة تستعصي حتى على أفهام كتابها. صحيح أن أدونيس نفسه صاحب فضل في لفتنا إلى أهمية هذا التراث، وهذا يعد أحد فتوحاته، لكن ذلك لا يجب أن يعني بأية حال، أن المؤمنين بالبعد التركيبي للمحسوسات كصدى لضجيج الواقع وتعقيداته يكونون بالضرورة أعداء للنص الصوفي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولكن هل هذا يعني، في كل الأحوال، موقفاً من التصوف؟ أجاب: "إذا أردت أن أزيدك يا عزيزي؛ فإنني أرى مفهوم اللغة في التصوف يتماس إلى حد كبير مع تعريفات البنيوية التي جعلت من اللغة سلطة ذاتية لا علاقة لها بالواقع الذي أفرزها، وفي ذلك نزعة موضوعية وصفها ماركيوز بأنها هرطقة تقصد إلى القول بأن اللغة تمثل نظاماً ثابتاً مستقلاً عن فاعلية البشر بما أن لها أشكالاً معيارية متماثلة. هذا الكلام طبعاً ارتد عنه البنيويون أنفسهم. الشاعر بطبيعة الحال لا يمكنه أن يكون تلك المفرخة التي تتكاثر فيها لغة هي في حقيقتها لغة ميتة لا تؤدي إلا لنفسها في دائرة من التداعيات المتهوسة بفكرة اتحاد العلة مع المعلول أو فكرة الحلول جسدياً وروحياً وما إلى ذلك، مما أراه نوعاً من الهرطقة التي تبدو أحياناً ذات طبيعة شعرية، لكنها في الحقيقة لا علاقة لها بالشعر من قريب أو بعيد. ودعني أقول لك شيئاً، ربما أغضب كثيرين، فقد قاومتُ نفسي مقاومة شرسة لكي أكمل قراءة جزء واحد من كتاب "الفتوحات المكية"، لكنني، بكل أسف، لم أستطع تحمل تلك المتاهة اللغوية؛ لأنني في الحقيقة أرى اللغة الشعرية جزءاً من نسق لفعالية اجتماعية وسط تجربة إنسانية دائمة التغير".

المجانية والوظيفية

 ثم تلا ذلك سؤال حول المجانية والوظيفية فى الشعر: قصيدتك لا تعرف الكتابة المجانية، فما أهم القيم التي تسعى لتمثيلها شعرياً؟ فقال: "أتصور أن السؤال مرتبط بمعنى أشمل ربما يكون عن مفهوم وظيفة الشعر، لأن المجانية تم تعريفها لدينا من قبل شعراء قصيدة النثر تفسيراً يبدو مضحكاً حدَّ البكاء فأوقع الشعراء في ضلالات ما كان لهم الوقوع فيها. المجانية، ليست كتابة الجنس وصراصير المطبخ، فلا علاقة لها بأية أبعاد أخلاقية على الإطلاق، بل كانت تعني "اللاغرضية"؛ أي تحرير النص من أغراضه التقليدية أولاً، وثانياً التأكيد على أن الشعر في عصرنا الحديث هو تاريخ التحولات والهزائم والضلالات، كما يقول أوكتافيو باث. لذلك يمكنك أن تحصي عشرات الشعراء الذين تم نفيهم أو سجنهم أو التخلص منهم بطرق مختلفة. ولعل الكثير من المصحات النفسية كانت وطناً لعدد منهم. لذلك تعاظمت في الشعر الحديث كله مفاهيم الفردية والالتفاف حول الذات حتى في التجارب ذات البعد القومي مثل تجربة والت ويتمان وبرتولد بريخت. هذا لا يعني طبعاً تلاشي واندثار مفهوم الوظيفية، فأنا واحد من المؤمنين بوظيفة الفن عموماً والشعر على نحو خاص، لكن مفهومي لفكرة الوظيفة هنا يرتبط أولاً بالوظيفة الجمالية باعتبار أن النص يجب أن يُخضِع مادته الشعرية لمفهوم النوع الذي ينتمي إليه، وإلا فقد جزءاً من أهم خصائصه، لذلك يقول هيغل في الربط بين الجمال والوظيفة: إن الجمال الفني والروح المطلق تجمعهما رابطة واحدة هي الحقيقة، ولعله هنا يقصد الجوهر أو الماهية. وهذا ربما أهم الروابط المعرفية في مفهومي لفكرة الوظيفة الشعرية.

مفهوم الزمن

ثم كان السؤال الأخير حول التجديد: كيف ترى فكرة التجديد في الثقافة العربية، لا سيما أن كل ما هو طليعي لا يزال يلقى عنتاً في وجوده وحضوره بأشكال مختلفة؟ فقال: "أستطيع، كما يستطيع غيري، الوقوف على أسباب شتى لتلك الوضعية التي لا تمس التجديد في الشعر فحسب بل تنسحب على كل مناحي حياتنا، بداية من إغلاق أبواب الاجتهاد الفقهي منذ مئات السنين، فضلاً عن مركزية الدولة العربية تاريخياً واستخدامها للدين كأداة من أدوات إخضاع الناس. وأظن أن ميراثنا من تلك التركة مؤسف ومخيب للآمال، لأنه يصادر على كل مستقبل. وربما يكون من المناسب أن أعيد التذكير بما قاله جورج طرابيشي عن أن طه حسين أول مفكر عربي في عصرنا الحديث يستخدم مفردة المستقبل. في المقابل لك أن تتصور المطاردات التي لاقاها الرجل من المؤسسة الرسمية ومن رجال الدين ومن الرجعيين في الجامعة المصرية. وأظن أن ما نراه من احترابات فقهية وإرهابية تغذيها قوى عالمية، وتستغلها في تزكية نزاعات عرقية وطائفية ومذهبية دليل مؤسف على تلك المآلات. لكنني أضيف إلى هذا سبباً آخر ربما بدا أكثر جوهرية وقد لفتتني إليه قراءاتي المتواضعة في مفهوم الزمن لدى بعض المفكرين ورجال الدين مثل القديس أوغسطين. فالزمن في الفلسفة الأوروبية زمن تصاعدي أو خطي، ومن ثم تضعف علاقته بالماضي، بمعنى أن استعادة الماضي هي رهن بمردوده على الواقع الاجتماعي سلباً وإيجاباً. لذلك انتقلت علاقة الغرب بكل ما هو مقدس إلى نطاقات تسمح بانهدامات بدت مؤلمة لكل القوى المحافظة. لكن ذلك في النهاية أنتج عقلاً علمياً جعل من الفكر الأوروبي مركزاً لمعرفة كونية ستستمر لمئات السنين المقبلة. أما العقل العربي فقد سخر من تلك الفكرة، لأنه ربط فكرة الزمن، وهذا أغرب ما يمكن تصوره، بالذات الإلهية، لتستقر أحاديث مثل "لا تسبوا الدهر فأنا الدهر". من هنا تم تكفير المتنبي عندما قال: "أعطى الزمان فما قبلت عطاءه/ وأراد لي فأردت أن أتخير". أما التفسير الفلسفي لهذا الوعي فهو أن العقل العربي يؤمن فقط بما يسمى بالزمن الدائري، ومن ثم يظل الماضي مركزه وقلبه، فجوهر هذه المقولة أن التاريخ يكرر نفسه، ومن ثم فكل الفقه الأسود قابل للاستعادة. هذا ربما ما دفع الإمام محمد عبده إلى القول إنه في ظل هذا الجدب لم يبق للمتأخر إلا أن يأخذ بما قال به المتقدم بعد إغلاق كل باب للاجتهاد".

المزيد من ثقافة