Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحيل هدى النعماني شاعرة التجربة الصوفية الحديثة

دمشقية الهوى بيروتية الشغف تغنت بالذات الأنثوية التائقة للعودة إلى الأصل

الشاعرة اللبنانية السورية هدى النعماني (موقع الشاعرة)

رحلت الشاعرة اللبنانية السورية هدى النعماني عن 90 عاماً، بعد انعزال عن المعترك الشعري، فرضته شيخوختها، هي التي كانت حاضرة على طريقتها، شعرياً وفنياً، ومن خلال صالونها الأدبي الذي كان يلتقي فيه شعراء ونقاد وصحافيون، في جلسات حوار ومؤانسة. وعلى غرار الشاعرين نزار قباني وأدونيس، والروائية غادة السمان، كانت هدى سورية ولبنانية في آن واحد، دمشقية الهوى، بيروتية الشغف، لم تتخل يوماً عن جذورها الضاربة في عمق الوجدان السوري ولا عن انتمائها اللبناني الذي زادته الحرب الأهلية رسوخاً. فهي لم تنتم إلى هذا التقاطع السوري- اللبناني سياسياً مقدار ما انتمت إليه وجودياً وثقافياً. وما أحدثته الحرب الأهلية اللبنانية من جروح في روحها، جاءت الحرب السوية التي تلت الثورة لتنكأ هذه الجروح وتزيدها تبريحاً. ونظراً إلى هويتها المزدوجة، غالباً ما تُدرج  النعماني في خانتيين: خانة الشعر السوري والشعر اللبناني، على الرغم من تفردها عن سائر الشعراء الذين جايلوها، وانفرادها الشعري الذي جعلها شاعرة، هي نسج وحدها كما يقال، لا تشبه أحداً، في تجربتها الصوفية، الأصيلة والمعاصرة.

في عام 1968 استقرت هدى النعماني في بيروت، قادمة من القاهرة التي عاشت فيها فترة، كان زوجها الأكاديمي عبد القادر النعماني خلالها عميد الجامعة الأميركية في القاهرة. أما دراستها فكانت في كلية الحقوق في دمشق ثم استكملتها في القاهرة وبيروت دارسةً الفن الإسلامي والأدب. وكانت تجيد منذ مطلع شبابها، الفرنسية والإنجليزية، وكتبت فيهما قصائد عدة، عطفاً على قراءاتها فيهما أيضاً، ما منحها ثقافة عالية. لكنّ غايتها كانت اللغة العربية، التي تبحرت فيها وفي أصولها التراثية، لا سيما عبر النصوص الصوفية والعرفانية، التي كان لها فيها أثر كبير جعلها تنتمي إلى تيار الشعر الصوفي في صيغه الحديثة. وأدركت هدى جيداً، معنى أن تكون سليلة  قريبها الشاعر والعلامة الصوفي الكبير عبد الغني النابلسي الذي كان لها بمثابة وأصل تعود إليه، تقرأه وتستضيء به لتقرأ شعراء الصوفية الكبار من أمثال الحلاج، والبسطامي، وابن عربي، والنفري وسواهم، وبعض الفلاسفة المسلمين. لكنّ شعرها الصوفي لم يكن تقليدي المظهر والشكل، لا لفظاً ولا إنشاء، فهي كانت تعيش التجربة الصوفية، بروحها وعقلها وتختبرها عن كثب، كما يختبر الشعراء عادة تجربتهم الشعرية.

في هذا المعنى، لم تقتبس النعماني تراكيب صوفية جاهزة ولا  مفردات  محددة ولم تقف عند المعجم الصوفي المغلق بمعانيه ورموزه ودلالاته. بل كانت حرة كل الحرية في استيحاءاتها واقتباساتها، وسعت إلى تطوير اللغة الصوفية الشعرية، مستعينة بقراءاتها الشعرية الحديثة، الأجنبية والعربية. لكنها في الدواوين الأخيرة راحت تعتمد الترميز الشعري المتكئ على مفاهيم صوفية عرفانية، عميقة المعاني، وكان على هذا الترميز أن يشمل اللغة نفسها التي أضحت لغة العرفان والتأمل والوجد.

جدلية النقطة والدائرة

حققت هدى النعماني في إصدار ديوانها "اذكر كنت نقطة كنت دائرة" في مطلع الثمانينيات خطوة مهمة في ترسيخ تجربتها الصوفية الجديدة، فحظي هذا الديوان بترحاب لدى الشعراء والنقاد، وتم التوقف عند لغته الرمزية المشبعة بالإشارات والدلالات. وطرح هذا الديوان جدلية النقطة والدائرة طرحاً شعرياً يظهر خلاله البعد العرفاني والميتافيزيقي والترميز "الحروفي" والتجريب الشكلي. ولعل دواوين عدة توالت بعده رسخت هذا الطريق الذي شقته النعماني وهذه الطريقة التي اشتقتها، في اللغة والأسلوب، ومنها: "هاء تتدحرج على الثلج"، "رؤيا على عرش"، "كتاب الوجد والتواجد" وسواها.
 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في ديوانها "قصيدة حب" الصادر عام 1973 كتبت هدى النعماني قصائد وجدانية تجمع بين الحب المثالي والحب الصوفي، متغنية بحبيب نصف حاضر ونصف غائب. وبدت قصائد هذا الديوان غريبة عن شعر الغزل الذي عرفه الشعراء العرب، القدامى والجدد. وهذا الخط الوجداني العشقي تجلى لاحقاً في قصائد أخرى بدت النعماني متأثرة فيها بشعر رابعة العدوية وبتجربتها الصوفية الأنثوية، فكتبت شعراً "أنثوياً" في المعنى الصوفي، تكون الذات متجردة من مواصفات "الأنا" (أو الإنية في المعجم الصوفي)، تائقة كل التوق للانصهار في الذات الإلهية، انصهار النقطة في الدائرة.

أصدرت هدى النعماني دواوين تقارب العشرة، يتجلى فيها عالمها الشعري الواسع الذي لا تخوم له، بصفته شعر الإنسان والكائن والوجود والماوراء. وكم تحتاج دواوينها إلى مزيد من المقاربات والقراءات بغية إضاءة زوايا شعرها ومعانيه وأبعاده، بل بغية سبر أعماقه التي تحتاج إلى ما يشبه الغوص على الرؤى والمقامات والأسرار.

تُرجمت قصائد عدة لهدى النعماني إلى الفرنسية والإنجليزية وسواهما، ويُحفظ لها تسجيل شعري بصوتها في مكتبة الكونغرس الصوتية التي تضم تسجيلات لشعراء من العالم، وهي العربية الوحيدة  الحاضرة في هذه المكتبة. وعطفاً على كتابتها الشعر، كانت هدى النعماني رسامة، تخاطب القماشة البيضاء بحرية، وتحاور الألوان مانحة إياها أبعاداً غنائية شعرية صرفة.

المزيد من ثقافة