Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أميلي نوتومب بين استحالة بلد المنشأ والوطن

 رواية الرحلة الى اليابان واكتشاف طوكيو وكيوتو بعين أدبية

الروائية أميلي نوتومب (أ ف ب)

ملخص

 تشكل الرحلة إلى اليابان التي قامت بها الروائية الفرنسية أميلي نوتومب مع صديقتها بيب باني، بين الـ20 والـ31 من مايو (أيار) عام 2023، موضوع روايتها "الرجوع المستحيل"، الصادرة عن "دار الرافدين"، بتعريب إينانة محمد صالح.

أميلي نوتومب كاتبة فرنسية من أصل بلجيكي، ولدت في مدينة كوبه اليابانية لوالدين دبلوماسيين، فوالدها أمضى تسعة أعوام من عمله الدبلوماسي سفيراً لبلجيكا في اليابان. وعاشت في طوكيو حتى الخامسة من عمرها، ثم عادت لها في الـ21 منه عاملة في شركة يابانية، حتى إذا ما بلغت الـ25، تكتشف فرنسا وتتخذ منها وطناً لها. وبذلك، تكون أمضت طفولتها الباكرة وشطراً من شبابها في اليابان، فتشكل رحلتها، وهي في الخمسينيات من العمر، رجوعاً إلى مسقط الرأس ومهد الطفولة ومرتع الشباب، لكنه الرجوع المستحيل، على حد عنوان الرواية، ذلك أن الإنسان الذي يختلف مهد طفولته عن محل إقامته، يكون محكوماً بغربتين اثنتين، فهو غريب حيث يقيم مهما طالت مدة إقامته، وحين يعود لمهد الطفولة لا يجده، فيعيش غربته الثانية، وهي الأقسى، مما ينطبق على كاتبة الرواية، بطلة الرحلة، بامتياز.

 تبدأ الأحداث بفوز صديقة الكاتبة المصورة الفوتوغرافية بيب باني بـ"جائزة نيسيفور نيبس" المرموقة عن مجموعتها الفوتوغرافية "ساقط من السماء"، وبحصولها على تذكرة سفر لشخصين ذهاباً وإياباً في رحلة تحدد وجهتها بنفسها، فتختار اليابان، ولا تجد أفضل من صديقتها أميلي رفيقة لها في تلك الرحلة، ولا سيما أن الأخيرة ولدت في اليابان، وعاشت فيها شطراً من عمرها، وتلمّ باللغة اليابانية، ويمكن أن تكون دليلاً سياحياً مناسباً ومترجمة مقبولة، مما يتحقق بالفعل. فتنطلق الصديقتان من مطار شارل ديغول الباريسي على متن الخطوط الجوية الفرنسية في الـ20 من مايو عام 2023، وتحطان في مطار أوساكا في كانساي اليابانية، بعد 13 ساعة طيران، لتباشرا رحلة تستمر 11 يوماً، تزوران خلالها عدداً من المدن اليابانية، حتى إذا ما عادتا من حيث أتتا في نهاية الرحلة، تكون مياه كثيرة تدفقت تحت الجسر.

 تستأثر مدينتا كيوتو وطوكيو بالجزء الأكبر من الرحلة، فتقوم الصديقتان بزيارة مرافق سياحية ومعابد دينية ومعالم عمرانية ومواقع طبيعية، وترتادان مطاعم ومقاهي وحانات وحمامات ومقابر، وتتناولان أطعمة وأشربة يابانية، وترتديان بعض الأزياء، وتتعرفان إلى عادات وتقاليد، وتحتكان بالشخصية اليابانية، وتعودان من ذلك كله بمشاهد وانطباعات وخبرات، تتولى نوتومب تدوين وقائعها التي تختلف بين المدينتين، غير أنها تتقاطع في ما تؤول إليه من نتائج.

  كيوتو وطوكيو

   أما الأماكن التي تشملها الرحلة في مدينة كيوتو، الواقعة في منطقة كانساي، فهي الآتية فندق الريوكان التاريخي وضفة نهر جيون ومعبد الأرانب ومعبد كيوفيزو- ديرا ومعبد ديوان- جي ومعبد الجناح الذهبي ومعبد الجناح الفضي ومعبد كينكاو- جي البوذي وقصر نيجو- مو الإمبراطوري القديم وحديقة معبد الزن وحديقة حيوان كيوتو وجيون فتيات الغيشا. وأما الأماكن التي تشملها الرحلة في مدينة طوكيو فهي الآتية فندق غينزا وحي هاراجوكو وشارع أوموتيسا ومعرض القطط الفني والمتحف المجاور له وحانة أرسين لوبين ومعبد ميجي- جنغو الفخم ومنطقة تاكاو المطلّة على جبل فوجي ومزرعة الشاي الأخضر المجاورة للجبل وحمامات الفندق ومقبرة الأطفال الفريدة ومقهى الأرانب والحديقة الرائعة التي نسيت الكاتبة اسمها.

وهكذا، تتوزع الأماكن التي زارتها على مروحة واسعة من المرافق السياحية والمعابد الدينية والمعالم العمرانية والمواقع الطبيعية في المدينتين، وتتمخض عن مجموعة من الانطباعات والملاحظات والخلاصات، الجمالية والدينية والأنثروبولوجية التي تخرج بها الكاتبة وصديقتها المصورة.

  تفاعل مختلف

لكن الصديقتين تختلفان في طريقة التفاعل مع الوقائع الجميلة والعريقة والغريبة، الناجمة عن الرحلة، وفي طريقة التعبير عنها. وإذا كان ما يجمع بينهما الانبهار بما وقعت عليه حواسهما، والاستمتاع بهذا القدر من الجمال، الطبيعي والأثري والعمراني، فإن ما يفرق بينهما هو أن الكاتبة تعبّر عن تفاعلها مع الجمال بهدوء، وقد تلجأ إلى البكاء في حضرته، بينما المصورة لا تتورع عن إبداء إعجابها بصوت عالٍ، والتعبير عن دهشتها بما ترى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهنا، لا بد من الاستدراك للقول إن أليس صديقة الكاتبة المقيمة في طوكيو انضمت إليهما في الجزء الطوكيوي من الرحلة، ونظمت لهما الجولة المتنوعة، فشكلت الصديقات الثلاث ثالوثاً جميلاً، منسجماً في ما بينه، مشتركاً في الإمتاع والاستمتاع، حتى إذا ما أشرفت الرحلة على نهايتها، يشعرن بألم الفراق. وإذا كانت الكاتبة قامت بدورَي الدليل السياحي والمترجمة، في الجزء الكيوتوي من الرحلة، فإن صديقتها أليس المقيمة في طوكيو مع أسرتها، منذ عامين، ستنهض بهذين الدورين في الجزء الطوكيوي منها.

  أرض مقدسة

  ولعل أهم ما تتمخض عنه الرحلة هو تعلق الصديقات الثلاث باليابان واعتبارها أرضاً مقدسة واعتبار مغادرتها نوعاً من الفشل. وهذا التعلق ناجم، بطبيعة الحال، عن الجمال الطبيعي والبشري الذي تتمتع به تلك الأرض. وفي هذا السياق، ثمة ملاحظات أنثروبولوجية تخرج بها الكاتبة وصديقتاها تتعلق باليابانيين وعاداتهم وتقاليدهم، وحسبُنا أن نذكر، على سبيل المثال لا الحصر، اتسام اليابانيين بالطيبة واللطف والود والأناقة ورقيّ تعاملهم مع الآخر وهوسهم الشديد بالنظافة وحرصهم الكبير على تطبيق القواعد المعمول بها في مواقع عملهم واحترامهم الكبير للأساتذة والمعلمين، وغيرها.

ولعل هذه السلوكيات البشرية الجميلة، معطوفة على المفاتن الطبيعية المعجزة، هي التي جعلت الكاتبة وصديقتها تغادران اليابان مكرهتين، حزينتين، حتى إذا ما عادتا لباريس، على أناقتها وجمالها، تعقدان مقارنات بين المكانين، ترجح فيها كفة الأول، وتشعران بالاغتراب في وطنهما، مما يتم التعبير عنه في عدم ارتياحهما حين تسمعان اللغة الفرنسية، على متن الطائرة المتجهة إلى باريس، وفي اعتبار الكاتبة أن مغادرة اليابان نوع من الفشل، وفي شعورها بالنقص وبالغربة وعدم الانتماء بعد العودة، وفي شعور بيب بأن الناس في الشارع أوغاد، وفي تبرّم الكاتبة بقذارة القطار السريع الفرنسي وبؤسه مقارنة بنظيره الياباني. وجملة القول، لقد قلبت الرحلة اليابانية الكاتبة وصديقتها رأساً على عقب، ولكن إلى أجل محدد.

هكذا يتبين أنّ ثمة استحالة في الرجوع إلى الماضي، فالكاتبة التي عاشت طفولتها الباكرة وشطراً من شبابها في اليابان، وعلى رغم ما أثارته فيها الرحلة من ذكريات ولواعج، فإنها لم تجد الماضي الذي تبحث عنه. وحين تعود لفرنسا، لا تجد الوطن الذي تفيء إليه، فتشعر بالغربة، وتجد صعوبة في التأقلم من جديد، وبذلك، تتموضع بين استحالة الرجوع إلى الماضي من جهة، واستحالة الركون إلى الحاضر من جهة ثانية. ويكون عنوان "الرجوع المستحيل" اسماً على مسمى.            

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة