Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عملية هرب سجناء تعري "مرأب" قصر العدل في بيروت

جرى نقلهم إلى هذه الزنزانة قبل أيام ما يعني أنه من المفترض عدم امتلاكهم خبرة أو معرفة كافية بطبيعة المكان

الفارون من سجن جسر العدلية من جنسيات عدة بينهم لبنانيون وسوريون وفلسطينيون (الوكالة الوطنية للإعلام)

مرة جديدة يعود سجن "جسر العدلية" في بيروت إلى الواجهة، بعد عملية فرار جماعية للسجناء، إذ ذاع صيته لناحية عدم توافر الحد الأدنى فيه من معايير حقوق الإنسان، ولطالما استنكر المدافعون عن حقوق الإنسان الانتهاكات التي تحدث هناك ضد اللاجئين السوريين، وعاملات المنازل المهاجرات الأجنبيات المحتجزات، لا سيما أنه يقع تحت جسر للسيارات وتم تصميمه في الأساس ليكون "مرأباً" للسيارات، وحوَّله الأمن العام اللبناني بشكل أساس ليكون سجناً للموقوفين العرب والأجانب، قبل أن يخضع أخيراً لسلطة إدارة السجون في لبنان.

وكانت قد سبقت عملية الفرار الأخيرة محاولة فرار أولى نتيجة الأضرار التي لحقت بالجسر عقب انفجار مرفأ بيروت، تدخلت على أثرها قوة من مكافحة الشغب في قوى الأمن الداخلي، وأمطرت الموقوفين في النظارة بالغاز المسيل للدموع، وتحول "المرأب" إلى سجن خلال فترة الوصاية السورية على لبنان، وكان يتم فيه توقيف الناشطين السياسيين تحديداً الطلاب المعارضين في الجامعات.

وتحكي سيرة سجن "جسر العدلية" فصولاً عدة من تجاوزات حقوق الإنسان في لبنان، بدءاً من الحقوق السياسية إلى الحقوق الإنسانية، وحجم التمييز الذي لحق أيضاً بالموقوفين الأجانب، وسبق أن أصدرت لجنة الوقاية من التعذيب تقارير عدة دعت فيها إلى إغلاق نظارة "المرأب"، كان آخرها منذ أشهر عدة.

وفي التفاصيل، استيقظت بيروت، صباح الأحد السابع من أغسطس (آب)، على عملية فرار كبيرة نفذها 31 سجيناً من الزنزانة الواقعة قرب مبنى الأمن العام تحت جسر العدلية في بيروت، حيث أشارت الروايات الأولية إلى أن السجناء نفذوا خطة شديدة الإحكام، وتخطوا حواجز عدة للزنزانة بواسطة آلات حادة، وأحدثوا فجوات بالجدار الأسمنتي الفاصل بين زنزانتين، ولاذوا عبرها بالفرار باتجاهات غير معروفة، وأعلنت القوى الأمنية رسمياً وبخبر مقتضب الآتي، "تمكن 31 موقوفاً من الفرار تحت جسر قصر عدل بيروت، وأعطيت الأوامر الفورية لتوقيفهم، والتحقيق جارٍ بإشراف القضاء المختص".

مساعدة خارجية

عملية الهرب أثارت الشكوك حول إمكانية أن تكون الحادثة مدبرة عبر تواطؤ أمنى، إذ يقع سجن "جسر العدلية" في منطقة مشددة أمنياً، فهو على بعد خطوات من مقار رئيسة للأمن العام وقوى الأمن الداخلي وجهاز أمن الدولة، وإن كان عملياً تحت إدارة قوى الأمن الداخلي، إضافة إلى وجود كاميرات مراقبة تحيط بالمداخل والطرقات والأزقة المجاورة، بالتالي، من الصعب أن يستطيع 31 فاراً أن يختفوا عن الأنظار في هذه المنطقة.

وحسب المعلومات المتوافرة، فإن عدداً كبيراً من الفارين جرى نقلهم إلى هذه الزنزانة قبل أيام قليلة فقط، ما يعني أنه من المفترض عدم امتلاكهم خبرة أو معرفة كافية بطبيعة المكان، وهو ما يطرح التساؤلات ما إذا كانوا قد تلقوا مساعدة خارجية، وهم من جنسيات عدة، من بينهم لبنانيون وسوريون وفلسطينيون وأجانب.

وتتحفظ قوى الأمن الداخلي على الكشف عن أي تفاصيل حول العملية حتى الآن، في حين تكثف دورياتها في محيط المنطقة وخارجها، لتتبع الفارين الذين جرى نشر أسمائهم، كما يجري استجواب العناصر الأمنية المولجة حراستهم، وفرضت القوى الأمنية طوقاً أمنياً بالمنطقة.

توقيف أمنيين

وينفي مصدر أمنى مسؤول في "سجن العدلية" ما تم تداوله عن حصول المساجين على منشار أو آلة حادة لنشر الدفاعات الحديدية لإحدى نوافذ السجن، كاشفاً عن أن التحقيقات الأولية تشير إلى أن أحد السجناء حصل على "برغ" استخدمه لنشر أحد القضبان الحديدية للنافذة، وأن السجناء تناوبوا على عملية النشر التي قد تكون استغرقت يومين في الأقل. وأكد أن التحقيقات مستمرة لمعرفة ما إذا كان هناك تواطؤ بين عناصر أمنية والسجناء، مشيراً إلى توقيف عنصرين من قوى الأمن الداخلي مسؤولين عن الحراسة على ذمة التحقيق، مضيفاً أن التحقيقات مع عدد من الفارين الذين تمت إعادة توقيفهم، وهم ثلاثة، قد تكشف عن مزيد من التفاصيل عن عملية الفرار والمخططين والمشاركين والمتواطئين.

وعن فشل الحراسة الخارجية للسجن في السيطرة على الفرار الجماعي، رجح أن يكون أحد الأسباب الرئيسة هو انقطاع التيار الكهربائي وسيطرة الظلام خارج السجن الذي يحاذي طريقاً رئيساً داخل بيروت، إضافة إلى توقيت الفرار، فجر الأحد، الذي يصادف أنه يوم عطلة وإمكانية اختباء السجناء في مبان وأزقة مجاورة للسجن، ولفت إلى أن الفارين ليسوا من المطلوبين الخطيرين وأن توقيفهم يعود إلى جرائم نشل وسرقة ومخدرات، مؤكداً أن شعبة المعلومات أوقفت ثلاثة من الذين هربوا في حين أن شخصاً رابعاً سلم نفسه، بالتالي، يبقى هناك 27 فاراً يتم العمل على تعقبهم ورصدهم.

إقفال فوري للسجن

من ناحيته، اعتبر رئيس لجنة حقوق الإنسان النائب ميشال موسى في بيان أن "هرب السجناء من سجن العدلية أمر غير مقبول، وتحوم حوله كثير من الأسئلة"، متسائلاً عن "كيفية هرب هذا العدد الكبير من المساجين من مكان مفترض أن يكون محروساً أمنياً وهو أصلاً مقفل بصفائح من الحديد؟". وطالب موسى بإقفال هذا السجن فوراً، كما طالب القضاء بتسريع المحاكمات للمساجين غير المحكومين وهو مطلب مزمن لتخفيف الاكتظاظ في السجون.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كما انتقد عضو الهيئة الوطنية لحقوق الإنسان بسام القنطار واقع سجن "جسر العدلية"، الذي يعتبره عبارة عن "مرأب" تحت الأرض. وقال إن السجناء داخله "لا يرون الشمس ولا يستطيعون الخروج إلى باحة خارجية"، موضحاً أن "النظارات تكون للتوقيف المؤقت عادة، ولكن في نظارة هذا السجن يوجد موقوفون منذ 18 شهراً". وتابع أن هذه النظارة تحولت إلى مركز اعتقال مخالف لأبرز المعايير الدولية ومن ضمنها المعايير الدنيا لمعاملة السجناء واتفاقية مناهضة التعذيب، وبهذا تكون الدولة اللبنانية، باستخدامها هذا المرأب كنظارة توقيف وبإمرة القضاء اللبناني، "ترتكب جريمة متمادية تتعلق بالتعذيب والمعاملة التي تحط وتهين الكرامة الإنسانية".

تحت الأرض

ووفقاً لرئيسة المفكرة القانونية المحامية غيدة فرنجية، فإن "المرأب" الذي تقع فيه النظارة يفتقد المعايير الأدنى للسلامة والصحة، كونه معداً ليكون موقفاً للسيارات تحت الأرض وليس مؤهلاً ليكون مركز احتجاز للبشر. وشرحت أن "المرأب" كان يستخدم سابقاً من قبل المديرية العامة للأمن العام لاحتجاز الأجانب، لكن المديرية تخلت عنه في عام 2016 على أثر الاعتراض على ظروف الاحتجاز فيه، ونقلت نظارتها إلى مبنى جديد. وقالت، "تفاجأنا بعدها أن المرأب قد وضع بتصرف قوى الأمن الداخلي لاستخدامه كنظارة توقيف مؤقت تابعة لنظارة قصر العدل في بيروت"، ومنذ ذلك الحين، أصبح عديد من الموقوفين احتياطياً في بيروت محرومين من الضوء والهواء النظيف، وطالبت فرنجية قوى الأمن الداخلي بوقف استخدام هذا "المرأب" كمكان توقيف، مشددة على أن الحل لاكتظاظ السجون والنظارات لا يكون باستخدام "المرأب" لاستحداث مراكز احتجاز مخالفة لمعايير معاملة السجناء، بل يكمن أولاً باحترام القضاة مهل التوقيف القانونية، وثانياً بالحد من استخدام القضاة التوقيف الاحتياطي بشكل مفرط، وبغياب أي تقييم لمدى ضروريته قبل المحاكمة ومدى تشكيل الموقوف خطراً على المجتمع.

في المقابل، أشارت مصادر "إدارة السجون في لبنان" إلى أن هذه النظارة تسلمتها من الأمن العام اللبناني بعد تقارير عديدة من منظمات حقوق الإنسان، وعملت إدارة السجون على تحويلها إلى نظارة توقيف مؤقت لا سيما أن معظم المحاكمات تتم في قصر العدل، ومن أجل تسهيل انتقال الموقوفين إلى المحاكم في الظروف التي يمر بها لبنان. ورأت أن عدد الموقوفين في هذه النظارة لا يتجاوز 200 ومعظمهم ينتظرون إجراءات محاكماتهم قبل نقلهم إلى السجون المتخصصة، موضحة أن سبب ارتفاع عدد الموقوفين وتجاوز مدة توقيفهم أحياناً التوقيف الاحتياطي يعود إلى تأخر المحاكمات بسبب الإضرابات في القطاع العام الذي يشل معظم الإدارات الرسمية.

يطمئن الدولة

في السياق، تداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي تعليقاً كتبه أحد السجناء على الخبر الذي نشرته السلطات اللبنانية عن هرب السجناء. وقال إنه "بخير ومع عائلته في سوريا" ما أثار موجة من السخرية والجدل بين المتابعين

سلب وضرب

وشهد لبنان سابقاً عمليات هرب عدة من السجون، كان آخرها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2020 من قصر عدل بعبدا، شرق بيروت، تسببت بمقتل خمسة سجناء تعرضوا لحادثة سير أثناء عمليات الفرار، بعد أن سلبوا سيارة أجرة، وحينها فر نحو 70 سجيناً وموقوفاً من السجن، بعد أن اعتدوا بالضرب على عنصر من الشرطة، وطوقت القوات الأمنية محيط قصر العدل في بعبدا والمنطقة المحيطة به في محاولة للبحث عن عدد من السجناء الفارين، واستطاعت فعلياً إعادة القبض على 20 فاراً منهم.

المزيد من تقارير