Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ليز تراس باتت مرشحة "استمرارية الفوضى" وإرث جونسون

في حال فوزها بانتخابات قيادة حزب "المحافظين" ستواجه رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة خطر خسارة الانتخابات العامة المقبلة

البلد يتوق إلى الحزم والكفاءة وليس "عربة تسوق متزعزعة" أخرى (أ ف ب/غيتي)

كيف ارتكبت ليز تراس وزيرة الخارجية البريطانية المرشحة لقيادة حزب "المحافظين" مثل هذا الخطأ الفاضح في ما يتعلق بوضع سلم أجور بحسب المناطق [اقترحت لمحاربة الهدر رواتباً حكومية مختلفة بحسب المناطق للدرجات نفسها]؟ لقد لاقى إعلانها "الحرب على الهدر" في دوائر وايتهول الحكومية صدى جيداً في الصحف الداعمة لحزب "المحافظين"، على الرغم من أن "اندبندنت" كانت محقة في الإشارة إلى أن أخذ كلفة المعيشة في المناطق كمعيار، قد يعني أيضاً خفض رواتب الممرضات والمعلمين وعناصر الشرطة خارج لندن وجنوب شرقي البلاد.

موقفها هذا الذي كان أشبه بصاروخ "إكزوسيت" موجه ضد مناطق "الجدار الأحمر" [معقل حزب العمال] في مناطق الشمال وميدلاندز، سرعان ما تراجعت عنه تراس وعملت بنفسها على نزع فتيله في غضون 12 ساعة، غير أن ما يثير في الواقع القلق هو أن هذه السياسة أطلقت من دون تدقيق أو حتى مراجعة [تنظر في التفاصيل].

الخطأ التلقائي الذي ارتكبته ليز تراس قوض طرحها غير المعلن الهادف إلى إحياء التأييد الذي محضه الناخبون لبوريس جونسون العام 2019، لا سيما منهم في حزب "المحافظين"، على امتداد مناطق "الجدار الأحمر" في الشمال وفي ميدلاندز، إنما من دون اللجوء إلى سياسة المراوغة واللف والدوران، وقد أعرب لي أحد أعضاء البرلمان من حزب "المحافظين" عن اندهاشه وتعجبه من خطوة تراس هذه التي أظهرت أنها "مرشحة لدوام الفوضى كما استمرارية [نهج] بوريس".

في المقابل، يذهب فريق تراس إلى أنها عمدت إلى إجراء انعطافة سريعة في نهجها على عكس التراجعات المؤلمة التي قام بها جونسون بعد استماتة حكومته ونواب المقاعد الخلفية [لا يتولون مناصب وزارية] في الدفاع عما لا يمكن الدفاع عنه أو يستحيل تبريره في وسائل الإعلام، لكن البلاد تطلق الآن صرخة مدوية مطالبة بقيادة قادرة على تولي زمام الأمور وإدارة دفة القيادة بكفاءة، وليس بـ "عربة تسوق أخرى تسير من دون وجهة"، بحسب العبارة (المتكررة) التي وصف بها دومينيك كامينغز المستشار الأول السابق لبوريس جونسون سياسة رئيسه السابق.

أما السبب الأساس وراء كل هذا فهو الضغط المتزايد على تراس لتوضيح موقفها من الطريقة التي تعتزم من خلالها تمويل سياستها المترفة المقترحة للمواطنين والمتمثلة في الخفض الضريبي، والتي قدر فريق منافسها ريشي سوناك [وزير الخزانة السابق] كلفتها بنحو 50 مليار جنيه استرليني (نحو 60.5 مليار دولار أميركي)، وكان يمكن لاقتراحها المشؤوم، [ربط أجور القطاع العام بكلفة المعيشة في كل منطقة] أن يوفر 8.8 مليار جنيه استرليني (نحو 10.65 مليار دولار).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن أعصاب مؤيدي ليز تراس هدأت بعض الشيء على إثر صدور نتائج استطلاع مؤسسة "يوغوف" YouGov يوم الأربعاء التي أظهرت تقدماً هائلاً على ريشي سوناك بـ 34 نقطة، على الرغم من أنها تعلم أن الفجوة ستتقلص إذا ما كررت مثل هذا الخطأ الفاضح.

أظن أن أحد العوامل الكبيرة التي أسهمت في تحقيق هذه التقدم الكبير لتراس ينعكس في نتيجة استطلاع "يوغوف" بأن قرابة 51 في المئة من أعضاء حزب "المحافظين" يعتقدون أن سوناك أخطأ في استقالته من منصب وزير الخزانة، فسردية "خيانته" لجونسون فعلت فعلها في أوساط القاعدة الشعبية لحزب "المحافظين".

ووصف لي أحد أعضاء البرلمان عن منطقة "الجدار الأحمر" الأمر قائلاً "الخيار لعديد من زملائي الناخبين المحليين بسيط، لقد خان ريشي بوريس، وهذا كل ما يحتاج الناخبون لمعرفته عند اتخاذهم قرارهم في شأن المرشح الذي سيصوتون له".

ربما لم يكن سوناك قادراً على الفوز منذ البداية، وحتى لو حاول مضاهاة تراس في شأن مسائل الخفض الضريبي فلن يقدر.

في الواقع أن كلا المرشحين يطرحان سياسات خيالية، فعلى الرغم من أن ريشي سوناك يؤكد أن تخفيضاته الضريبية لن تكون "غير ممولة" كما منافسته، إلا أنها ما زالت تعتمد على الأمل الدائم: تحقيق نمو [اقتصادي] أعلى.

إنها تلك الأموال المريبة التي تذرّع بها "المحافظون" على وجه التحديد لاتهام حزب "العمال" بالاعتماد عليها في تمويل سياسته الإنفاقية، ولا أستطيع تخيل نجاح اقتراح سوناك خفض المعدل الأساس لضريبة الدخل إلى 16 بنساً في الجنيه [من 20 بنساً حالياً]، ما لم يقم بزيادة ما تسمى "الضرائب الخفية"، مثل الشرائح والعتبات الضريبية أو مساهمات الضمان الاجتماعي الوطني، لكنه بالفعل أقدم على الأمرَين.

وعلى الرغم من أن مرشحي "المحافظين" يغدقان على أعضاء الحزب الكلام الذي يرغبون في سماعه، إلا أن هذا ليس ما يريده الجمهور الأوسع نطاقاً، فقد تبين من أحد الاستطلاعات الرأي أن 10 في المئة فقط من الذين اقترعوا لحزب "المحافظين" العام 2019 يعتقدون أن الخفوض الضريبية يجب أن تشكل أولوية بالنسبة إلى الرئيس الجديد للوزراء، في مقابل 21 في المئة فقط من الأعضاء الحزبيين الذين يعتقدون ذلك، في حين أن ناخبي حزب "المحافظين" هم أكثر احتمالا بمقدار الضعف من الأعضاء الحزبيين للميل نحو ضرورة إعطاء رئيس الوزراء المقبل الأولوية لهيئة "الخدمات الصحية الوطنية" (أن إتش أس).

هذا الواقع يسلط الضوء على الجزء المفقود إلى حد كبير من انتخابات قيادة "المحافظين" وهو تمويل الخدمات العامة، فالمرشحان يكشفان لنا جانباً واحداً فقط من جدول الحسابات، وهناك حديث مبهم عن ضرورة الإصلاح، إلا أنه ما زال يخلو من تفاصيل دقيقة لكن مهمة.

وتصديقاً على ذلك فإن ليز تراس تلعثمت في الكلام عندما حاولت الغوص في بعض منها.

لعل الحزب يوشك أن ينسى أن شعبية بوريس جونسون في مناطق "الجدار الأحمر" كانت تقوم على أكثر من مجرد "إنجاز الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي"، لتشمل أيضاً إبعاد جيرمي كوربن [الزعيم السابق لحزب العمال] وتقويض مساعيه في الوصول إلى الحكم، والأهم من ذلك كله الاستثمار في مجال الخدمات العامة.

لكن حتى قبل انطلاق هذا المزاد العلني للتخفيضات [الاقتطاعات] الضريبية الذي نشهده الآن [بين المتنافسين على زعامة "المحافظين"]، كان هناك ثقب أسود يلوح في الأفق لجهة المالية العامة للدولة، فقد نبه "مكتب مسؤولية الموازنة" في بريطانيا [هيئة عامة تمولها وزارة الخزانة ومهمتها تقديم توقعات اقتصادية مستقلة وتحليلات للمالية العامة]، إلى الزيادة الملحوظة في نسبة سكان البلاد الذين تبلغ أعمارهم 65 عاماً أو أكثر، والتي ستقفز من 19 إلى 29 في المئة خلال السنوات الـ 50 المقبلة، ما من شأنه أن يؤدي إلى زيادة الإنفاق على الصحة بنسبة سبعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى الرعاية الاجتماعية للبالغين بنسبة واحد في المئة، مشيراً إلى أن الرواتب التقاعدية ستزيد هي الأخرى بنسبة ثلاثة في المئة.

في المقابل تلوح صعوبات كثيرة، فالمشكلات التي تخيم على مرافق "الخدمات الصحية الوطنية" باتت واضحة وموثقة على نحو جيد، والمدارس تواجه هي الأخرى أزمة تمويل، وليز تراس تعتزم زيادة الإنفاق الدفاعي بنحو 24 مليار جنيه استرليني (نحو 29 مليار دولار)، وقطاع الرعاية الاجتماعية لم يخضع لأي "إصلاح" كما زعم بوريس جونسون، وحولت معظم الأموال المخصصة لذلك إلى معالجة تراكم قوائم انتظار المرضى والتي وصلت إلى 6.6 مليون شخص، ويبدو الأكثر واقعية هو أن رئيس الوزراء العتيد سيضطر إلى تأمين مليارات الجنيهات لمساعدة الناس في تسديد فواتير الطاقة التي تتربص بهم هذا الشتاء، بحيث تشير أحدث التقديرات إلى أن قيمتها قد تصل إلى 3729 جنيهاً استرلينياً (نحو 4500 دولار) في السنة بحلول شهر أبريل (نيسان) المقبل.

وفيما قد يسعى كل من تراس أو سوناك لدى تولي منصب رئاسة الوزراء إلى التحول من خط اليمين إلى خط الوسط، إلا أنهما لن يرغبا في كسر الوعود المتهورة التي أطلقاها في شأن الخفوض الضريبية، بينما سيكون من الصعب عدم انزلاق الخدمات العامة إلى حافة الهاوية في حال التزامهما هذه الوعود، وربما سيحاولان إرجاء عمليات التقشف غير المرغوب فيها إلى ما بعد الانتخابات العامة، لكن الناخبين ليسوا أغبياء ويعرفون بالتأكيد ما سيكون في انتظارهم.

تبقى الإشارة إلى أنه حتى بعد الفوز في انتخابات قيادة حزب "المحافظين" سيظل رئيس الوزراء العتيد معرضاً لخطر خسارة الانتخابات البريطانية العامة المقبلة.

 نشر في اندبندنت بتاريخ 4 أغسطس 2022

© The Independent

المزيد من آراء