Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا تبدو إثيوبيا "عصية" على الوجبات السريعة؟

على الرغم من هجرة أبنائها إلى الخارج لا تهضم معدتهم سوى "الشرو" و"القممن" و"البيانت"

امرأة إثيوبية تعد خبز الإنجيرا المفضل لديهم (أ ف ب)

على الرغم من هجرة الإثيوبيين بأعداد كبيرة إلى الخارج واحتكاكهم بمجتمعات متباينة، فإنهم يظلون الأقل تأثراً بالأطعمة السريعة، ويشهد على ذلك قلة رواد مطاعم الوجبات الجاهزة وسط العاصمة أديس أبابا، بينما لا تزال المطاعم التقليدية الشعبية في حركتها العادية، فما السر في بطء انتشار الوجبات السريعة في الحياة الإثيوبية؟

جلسات المؤانسة

في مطعم حديث للوجبات السريعة وسط العاصمة، يجلس تسفاي مكنن وأسرته يتناولون ساندوتشات "الهامبرغر"، وبسؤاله عن تلك الوجبة وما إذا كانت مفضلة لهم، قال إنه بحكم إقامتهم في العاصمة الأميركية واشنطن يمثل الطعام الأميركي خياراً إلى جانب الأطعمة الإثيوبية الأخرى التي يجهزونها في البيت. وتابع، "ميزة الأطعمة الحديثة أنها سريعة التناول، بخاصة أثناء العمل والحركة، وأنه عادة ما يلجأون إليها ضمن زحمة العمل والعجلة".

وعن سبب تناوله الوجبة وهو في الوطن، أجاب عبر ابتسامة، "التغيير"، أما ابنه بنيام، وهو شاب عمره 18 عاماً، فقال إنه يفضل الطعام الإثيوبي الشعبي، أما الوجبات السريعة من بيتزا وبرغر، وفطائر، وغيرها، فعادة ما يتناولها رفقة أصدقائه بحكم جلسات المؤانسة".

الشعبي والحديث

لوحظ في الآونة الأخيرة انتشار مطاعم الوجبات السريعة في الشوارع الرئيسة بوسط العاصمة أديس أبابا مزدانة بالمقاعد الوثيرة والعروض الجاذبة. والوجبات السريعة عادة ما تجذب الشباب من الجنسين، فضلاً عن الأجانب الزائرين.

وهناك على مستوى آخر الأكلات الشعبية السريعة، وتقدمها مطاعم لا تقل فخامة عن غيرها، محتفظة بأدبيات الطعام الشعبي الإثيوبي في الأثاث والفرش، وأزياء العاملين بها، ولها روادها من الإثيوبيين من مختلف الأعمار، كما تنافس في سرعة التقديم الطلبيات الخارجية.

يقول الباحث الاجتماعي عباس محمد كوركي، إن "انتشار الوجبات السريعة بدا ضمن التحول الذي شهدته إثيوبيا خلال العقود الأخيرة، ونتيجة للانفتاح الذي ظلت إثيوبيا محرومة منه لسنوات طويلة، بخاصة خلال عهد (الدرق) لحكم الرئيس الاشتراكي منغستو هايلاماريام".

يضيف، "بعد التحول السياسي الذي شهدته إثيوبيا أخيراً بدأت هجمة الوافد من المأكولات، والمطاعم والمقاهي ذات الطراز الحديث التي أصبحت تنتشر في كثير من أحياء العاصمة، وبعض المدن الكبيرة".

يتابع، "على الرغم من ارتفاع أسعار المأكولات السريعة في المطاعم الحديثة، فإن لها روادها من الشباب ممن لهم تجارب غربة وسفر إلى الخارج، لكن ومع انتشارها وما يتبعها من دعاية فهي ليست منافسة للمطاعم الشعبية التي تقدم طعاماً إثيوبياً ما بين شعبي سريع التجهيز، وآخر يعتمد على اللحوم".

ويشير كوركي إلى أن "أطعمة الشرو، والقممن، والبيانت من الأكلات الشعبية التي يتفق على تناولها معظم الإثيوبيين، وهي أطعمة سريعة التحضير، وتعد أساسية التناول لقلة كلفتها، وتوفر موادها في مختلف مناطق إثيوبيا". ويضيف، "يمثل الشرو الطعام الرئيس لسواد الإثيوبيين" (عبارة عن خلطة تحتوي على مجموعة من البقوليات يشكل فيها الحمص مكوناً رئيساً).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول كوركي، "لا يخلو بيت إثيوبي من مسحوق الشرو الذي تعده النساء في كل البيوت، ويشترين مكوناته ويغسلنها، ثم يعرّضنها للشمس يوماً أو يومين حسب صحو المناخ، وبعد ذلك تُنقل مجتمعةً إلى طواحين متخصصة في سحق الخليط ليكون جاهزاً للطبخ. والبيوت الإثيوبية تجتمع على الاحتفاظ بمسحوق الشرو الذي يستخدم كوجبة لا منافس لها".

يضيف، "إلى جانب الشرو، يتصدر البيانت، وهو خليط بقوليات وخضراوات، والقممن، وهو طعام شبيه بالسبانخ، الأكلات الشعبية الإثيوبية، ويعدان من صميم المتاحات الغذائية. ولا تمثل هذه الوجبات طعاماً لطبقة معينة من الفقراء، كونها زهيدة الثمن، لكن أصبح الإقبال عليها في الفترة الأخيرة من جميع طبقات المجتمع لتنافس الوجبات الحديثة السريعة كالبورغر، وغيره".

ومن المثير للدهشة أن الثقافة الإثيوبية، وعلى الرغم من احتكاكها الطويل بالبيئات العربية، فإنها لا تتصالح مع الطعام العربي، كالبامية، والرجلة، والملوخية، والباذنجان، ولا يغشى موائدها الخبز الإفرنجي، ويسمونه الدابو، إلا نادراً مقدماً عليه الخبز الحبشي، الأنجيرا. وعموماً، لا يمثل الطعام موضعاً للتأثر بالثقافات الوافدة في عادات الأحباش، ويتمسكون بالطعام التقليدي.

استثناءات

وهذا لا يمنع أن يكون هناك بعض الشرائح الشبابية المهاجرة المتأثرة بعادات غربية، وهي نسبة ضئيلة.

ومن الأمور الغريبة في عادات الأكل الإثيوبي، تجد التمسك بتقاليد الطعام حتى في ظروف الهجرة إلى خارج الوطن، حيث تهتم الأسر المهاجرة بالتواصل مع الأهل بالداخل لإرسال مسحوق "الشرو" و"دقيق الأنجيرا"، ويمثل هذا مصدر ثراء لبعض الأسر الفقيرة في الوطن، التي وظفت نفسها وإمكاناتها في إرسال مكونات الطعام الإثيوبي التقليدي لطالبيه من الأهل والأصدقاء، سواء في دول الوطن العربي، وحتى في أميركا وإيطاليا وكندا وأستراليا.

المزيد من منوعات