Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 وضاح شرارة يعيد تكوين سيرته الذاتية روائيا

 المفكر والأكاديمي يعتمد خطابا نقديا ضد نهج الجماعة في "أمس اليوم"

لوحة للرسام الفرنسي دومينك اويسون من معرض "السرد الذاتي" (صفحة الرسام - فيسبوك)

في سيرته الذاتية "الأيام" التي خطها المعلم طه حسين، ولا سيما في كتابه الأول، كان الأديب قد رسم مساراً أسلوبياً عنيت لغته السردية الأصيلة والمتينة والنازعة إلى الاتصال بنسب إلى السياق السردي العربي التقليدي، مع التأثر بالأدب الغربي (الفرنسي تحديداً)، سيمتد لعقدين من الزمن أو أكثر، حتى حلول تجربة أخرى في السرد والرواية تضع في سلم أولوياتها بنيان عالم أو شبه عالم متماسك، وحكاية مشوقة على حساب اللغة ومدى متانتها وقربها من النموذج التقليدي الذي يمكن جمع خيوطه من العصر العباسي حتى نهاية عصر الانحطاط، من عبد الله بن المقفع والجاحظ وسهل بن هارون إلى ابن خلدون.

لا أحسب الكاتب والأكاديمي وضاح شرارة (1942) وعالم الاجتماع حين وطأت قدماه أرض الرواية، في باكورته السردية السيرية والصادرة حديثاً من دار نوفل (2022)، بعنوان "أمس اليوم"، غافلاً عن تموضعه، راضياً على ظني بين طه حسين وفؤاد كنعان، الكاتب اللبناني الضنين بالسرد السيري الحميم، العالق بين نقد الإكليروس واستعراض لعلاقات غرامية يلمح فيها تلميحاً إلى الجنس، ونوع من الكتابات الغربية المعاصرة على رأسها الكاتب الإنجليزي يان ماك إيوان (1948) أحد أسياد الكتابة القصصية الساعين إلى "الكشف عن الجنس" والحب لدى الفتيان والصغار، ولا سيما في كتابه "تحت الشراشف".

استحضار زمن الطفولة

 

بيد أن الإشارة إلى السياق الآنف لا تغني عن التعريف بالرواية ومحاولة النفاذ إلى عالمها والإحاطة بأحداثها أو بما اصطلح الكاتب أنها كذلك، والواقع أن حبكة الرواية تكاد تكون بسيطة وحتى أولية، ومفادها أن الراوي الذي هو نفسه الكاتب في حالة السيرة الذاتية إذ يستحضر زمن طفولته، وقد أودع لدى عمه، وهو لما يزل تلميذاً في إحدى مدارس المدينة، بعد صدور القرار الشرعي بتسليم أمه طفلها إلى ذويه. ولم يكد الفتى يستقر لدى عمه وأقربائه وأنسبائه في القرية، التي يشار إليها تلميحاً وكناية بأنها قريبة من "البلد المنكوب" فلسطين، أي الجنوب، حتى انفتح له فيها باب عالم الأنثى على وسعه. إذاً، ما إن يطأ الفتى الذي استعاده أهلوه من والدته، بعد طلاقها من أبيه وزواجها من آخر، أرض القرية حتى تتلقاه ابنة عمه مها، لتعرفه إلى العالم الريفي الذي هبط إليه من "المدينة الكبيرة"، في مسار أقرب ما يكون إلى التلقين المفضي إلى معرفة الآخر (الأنثى)، والدنو من الأصل الذي انبثق عنه الفتى، وتالياً معرفة الذات من الناحية الجنسية التي تلقى عليها الظلال والحجب دوماً.

"ودفعت مها الباب بيدها الحرة. وحرصت على مراقبة أثر حركتها فانتظرت هنيهةً قبل دخولنا الحجرة التي تشتمل على عتمة عميقة تجبهُ الداخل فيها وتستولي على عينيه. ونظرت إليَّ، أنا ابن عمها الجديد الذي تتولى دلالته وتعريفه بما يجهل من خبايا الدار وأسرار حضانة الحياة وإنضاجها وراء قشور البيض الصفيقة والملساء وإخراجها على صورة خلقة هزيلة ومتعثرة" (ص:14).

 ثم إنه، لم يلبث أن انفتح له باب على عالم القرية، وصراعاتها، وقراباتها، وتقاليدها، وحيوانها ومطاياها، ومآكلها ومشاربها، وعلاقات الجماعات، وصور بعضها لدى بعض، وحكايات الجن المختلطة بأخبار الخيانات الزوجية، وغيرها مما تحفل بها السيرة، وتدل على أمر فارق، ربما كان من بديهيات الكتابة الروائية عند الكاتب، عنيت صدور الراوي، المفترض كونه فتى ذا قدرة على الرؤية والتصنيف والتعليق والتأويل، عن ذات واعية وعليمة، على مدى الرواية. غير أن تلك المفارقة ومفارقات أخرى في السيرة -أوردها لاحقاً- لن يسعها أن تحجب أدبية الرواية، بل جماليتها المفرطة التي أتحدث عنها لاحقاً.

مكان القرية

في الفصل الأول من الرواية السيرية غير الذاتية يتسنى للراوي أن يكون تصوراً أولياً عن مكان القرية التي حل فيها ضيفاً، لدى عمه، بل أعمامه، وبناته، وأزواجهم، والجدة، التي كان لها الكلمة الفصل في تفعيل "الأصول "، على ما قاله والد الفتى، غامزاً من قناة أمه وما تؤثره من أصول: "شو صاير عليي كلف حالي وجرجر الولد من بيت لبيت، ومن بلد لبلد ومدرسة لمدرسة، ليش؟ لأنه المحكمة الشرعية والسيد محسن الخليلي، والناس بتعرف وين بتزوغ عينيه، حكم لي بالحضانة، يا فرحتي! إنت وأبو جمال، مش هيك يا أمي، جيتوا بفكرة إنه الصبي وإخته لازم يعيشوا مع بيهن، وبيت بيهن، هايك الأصول وهايك الصحيح..."، (ص:29).

 

وفي الفصل الثاني ينجز الراوي نقلته من الإطار الريفي المكاني الجديد عليه إلى وصف الإطار العائلي المتماسك ظاهراً، في حينه، والمكون من أعمام وعمات، راح الفتى، وبمعونة فاطمة عمته، يزورهم على التوالي، ويتعرف إلى "مجمع الفضائل والمكارم والمحاسن وكل ما يقبل المديح وقد لا يقبله" (ص:51)، على حد وصف فاطمة وتقريظها إياهم، في حين أن الوقائع التي تتوالى أمام ناظري الفتى اللاهي والراكب بغلة أحد الأقرباء لا تلبث أن تشي بكثير من الهنات والفضائح، والتناقضات والمراتب المتفاوتة قيمةً بين مشايخ العائلة المعممين، والمتمايزين لباساً ومقتنيات بمقدار حفظهم تعاليم من يكبرهم سناً ومقاماً، على خير ما يحسنه الباحث الأنثروبولوجي والمفكر، الذي عرفناه في أعمال كثيرة ذات طابع نقدي اجتماعي وسياسي لافت، مثل "المدينة الموقوفة"، و"الأمة القلقة"، و"دولة حزب الله" و"الأهل والغنيمة" وغيرها.

أما الفصول الباقية، أعني الثالث والرابع والخامس، فأغلبها سرد لمغامرة الكشف عن عالم الأنثى الحسي، وسط عالم الكبار الغارق في تهويمات رجاله، وما على نسائه سوى حمل وزر الهمين الكبيرين: المبادئ والأصول التي تربين عليها، والمتع الصغيرة والكبيرة التي تصنع حياة القرية وتولف أسباباً لتوليد أساطيرها. ومصداق ذلك ما قام به الفتى الراوي بصحبة الفتاتين سناء ومها، لعباً، وامتزاج حواس، وكشفاً عن ملامح الجمال وطوايا الفتنة والأنوثة لدى شابات قريبات ومتهتكات، وما ينجم عنها من لحظات السرور الصافي، تليها المتعة "التي لا تشبه متعة غيرها" (ص:126)، ومن انخطاف لذيذ ينسيه (الفتى) ما كان عليه من ضيق حاله الأول. "ونتوجه نحن الثلاثة (هو وسناء ومها) ركضاً إلى الجهة الأخرى حيث حجرتا النوم، والأسرة وشبابيك الزجاج والخشب المطلة على الجنينات والحمام الذي يتوسط جناحي المسكن... فنحتفل أولاً بوجودنا وبسحر خلوتنا. فنقفز في أمكنتنا على أطراف أقدامنا، ونرفرف بأيدينا مقلدين العصافير وطيرانها. وندور على أنفسنا كل في فلكه. ونضحك ونحن نولول كلمات نصل بعضها ببعض، وندخل أصواتاً متقطعة على شاكلة الهنود الحمر"، (ص:128-129).

مشهد درامي

وإذ يستهل الفصل الخامس والأخير من الرواية بمشهد درامي يفهم منه أن شابة تدعى زهراء، وعلى الرغم من كونها متزوجة، ولما كانت لعوباً وأصابت فتنتها شباناً كثيرين في القرية، ولم ينل أحدهم منها مناله، فقد رماها بنار بندقيته ذات ليل مدلهم وأصابها إصابة غير قاتلة. غير أن الرواية تختتم بحادثة مأساوية، مفادها أن عروساً رمت بنفسها في بئر شائكة، ونزفت "دمها كله طوال يوم ونصف اليوم... قبل أن ينتبه الزوج إلى تفقد البئر"، (ص:244).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في عودة إلى أهم السجالات التي لا بد أن تفتتحها هذه الرواية الأولى للكاتب والأكاديمي وضاح شرارة، أقول إن الأسلوب المتين، بل البليغ والمزركش الصيغ والعابق بالصور البيانية المركبة والجديدة، من أول ما قد يسترعي الاهتمام، والسؤال عن رفع اللغة السردية والروائية إلى سقف كان معهوداً إلى زمن مضى. ولعل داعي الاحتفال بالسرد، ونقش الزمن المستعاد في الحاضر -على نحو ما يشي به العنوان "أمس اليوم"- لعله مسوغ أول له.

ثم ألا تشكل الحوارات الجارية بين شخصيات الرواية، وبالعامية اللبنانية القريبة من محكية جبل لبنان- وهو أمر قلما رضي الكاتب، في ما يعرف من كتاباته، خلط الفصحى العالية بالمحكية المتداولة، إلا إذا شاء أن يحملها قدراً من خطابه النقدي الصارم والصارخ ضد نهج الجماعة (القبيلة والعائلة والعشيرة) التي تصطنع الانسجام والتناسق في ذاتها فيما تنخر جسمها الانقسامات والحزازات والمصالح والمراتب، وتقمع فيها المرأة والرجل ذو الفكر النير والمستقل (أب الراوي المتعلم والصحافي والناشر)، ومع ذلك يتمكن الفتى المفرد -وبلسان الكاتب الثمانيني- أن يفضح هذا البنيان المتهالك بعينيه الثاقبتين، ويلهو طويلاً في مشاهد جديرة بالتصوير السينمائي الخليط بين الواقعي والخيالي.

المزيد من ثقافة