السينمائي التونسي علاء الدين سليم: أجد في حياة المهمشين مادة غنية

فيلم "طلامس" في جولة على المهرجانات الدولية

المخرج علاء الدين سليم (اندبندنت عبية)

"طلامس"، ثاني أفلام المخرج التونسي علاء الدين سليم، يستعد لجولة على المهرجانات السينمائية الدولية في الأشهر المقبلة، بعد انطلاقته الناجحة في قسم "أسبوعا المخرجين" داخل مهرجان كانّ السينمائي في مايو (أيار) الماضي. الفيلم لا يختلف كثيراً عن العمل الذي شاهدنا لهذا المخرج الشاب قبل ثلاث سنوات في عنوان "آخر واحد فينا" الذي فاز عنه بجائزة "أسد المستقبل" في فينيسيا. فالتشابه هو على مستوى الجرأة والغموض والالتباس. غالب الظن أن سليم يحاول التنقيب عميقاً في الأرضية التي يعمل فيها، ساعياً إلى إشاعة مناخ خاص به، يتغذى من الصمت والألوان والتيمات التي تبتعد عن السائد في السينما التونسية. 

على الرغم من التشابه بين الفيلمين، فالمغامرة التي يقترحها علينا سليم تحملنا إلى ضفاف جديدة. إنها حكاية يمكن اختزالها ببضعة أسطر: بعد موت أمّه، جندي تونسي (عبدالله مينياوي) يُمنح إذناً خاصاً لمدة أسبوع حداداً. لكنه يستغل الفرصة للفرار وعدم العودة إلى صفوف الجيش. هذا الجندي الغامض يبدو لنا أنه يهرب من واقع فيه الكثير من الإحباط واليأس، واقع يحاول الخاضعون له طمسه. فمباشرة قبل تلقّي خبر وفاة أمّه، نرى زميلاً له وقد قرر الانتحار، من دون أن نعلم الأسباب. ما هو أكيد أن سليم يصوّر بلداً (تونس) لا يقدّم إلا الآفاق المسدودة. بلد يحاول مكافحة الإرهاب، إلا أن الشياطين تطارد جنودها أينما هربوا. لا يوجد لدى الجندي أي شيء يخسره.

نحن كمشاهدين مسمّرين في كراسينا، نتعقب الجندي خطوة خطوة في رحلته الطويلة والبطيئة التي تكاد تصبح نزولاً طوعياً إلى الجحيم. تفاصيل كثيرة يمكن التقاطها داخل الغابة والطبيعة التي يجرنا إليهما الفيلم بشيء من السادية. طوال الرحلة، نتذكّر أفلام التايلاندي أبيشاتبونغ فيراسيتاخول. سليم ليس براديكالية هذا المخرج، بيد أنه لا يمكن أن ينكر تأثيره فيه.

جندينا الفار الذي لا نعرف أصله ولا فصله لا يلبث أن يغرق في وسط الأدغال، قبل أن تتقاطع طريقه بطريق امرأة حامل (سهير بن عمارة)، وهنا تبدأ رحلة من نوع آخر. يقحمنا الفيلم في نفق جديد. هذا الجزء من الفيلم لا يخلو من الفانتازيا. خلافاً للكثير من السينمائيين التونسيين الذين أخذوا ينحتون في صخرة الواقع، يسعى سليم إلى سلك درب آخر، وهذا لا يعني أنه يتجاهل الواقع، بل يتناوله مواربةً، مستخدماً مبادئ بصرية وأدوات سردية أكثر تعقيداً وأقل مباشرةً من تلك التي يلجأ إليها غيره من المخرجين. هو، بهذا المعنى، يتماهى مع "بطله" الجندي المغامر، الذي يبحث بعيداً، لأن الكنيسة القريبة، كما يُقال، لا تشفي. 

هناك صنفان من السينمائيين: الأول يستلهم الحياة والثاني السينما. سليم أقرب من الصنف الثاني. في جلسة لي معه، أخبرني أن اكتشافه للسينما يعود إلى سن التاسعة عشرة. قبل ذلك العمر، كانت ثقافته السينمائية تقتصر على أفلام جان كلود فان دام وغيرها من أفلام الحركة. والأنكى أنه لم يُصب بصدمة يوم اكتشفها، كما حدث مع العديد من السينمائيين الكبار الذين يؤكدون لنا ذلك في مقابلاتهم. وعندما قرر إنجاز الأفلام، لم يمر عبر القنوات التقليدية، أي العمل كمساعد مخرج، وذلك لإيمانه أن الطريقة المثلى لتعلّم السينما هي أن يصنع المخرج فيلمه، لا أفلام الآخرين.

يقول سليم: "لدي ضعف للمهمّشين الذين يعيشون في عزلة. لي تجاههم محبّة وأجد فيهم مادة سينمائية. الأشخاص الذين صوّرتهم إلى الآن لا يهربون. ولكن لا يثبتون في أماكنهم. في منتصف تجربتهم، يتعرضون لحادثة، وهذه الحادثة تسهم في تغيير مسارهم. صحيح أن في فيلمي ثمة عودة إلى الجذور أي إلى الطبيعة، ولكن هذا هو المكان الطبيعي للعيش، أقله هذا ما كنت فعلته لو كنت في مكانهم. أعيش في حيّ شعبي وأتعامل مع العديد من البشر يومياً، ولكنني مقتنع أن على السينمائي أن يكون على كوكبه الخاص، وغير مرتبط بجغرافيا معينة. أنطلق على الدوام من الأشياء التي نعيشها، إلا أنني كفنّان غير مهتم بنقل الواقع الصرف إلى الشاشة. أصلاً، ما إن تضع كاميراتك في مكان ما، فلا يعود ما تنقله هو الواقع. أستلهم من الواقع ولكن أذهب به إلى مناطق أخرى".

ما يجذب في تجربة سليم هو إصراره على العودة إلى أدوات السينما البدائية، من مثل الصوت والصورة والديكور والمونتاج والماكياج، والابتعاد من كلّ الإيفيهات المستهلكة والمكرورة. والأهم تخلّصه من السمة الإكزوتيكية التي صنعت شهرة بعض الأفلام التونسية عبر التاريخ، وهي أفلام تغازل الغرب وتطلب رضاه. هذه الرغبة في العودة إلى أدوات السينما البدائية، تجسّدت في فيلمه السابق، وها إنها تتجسّد مجدداً هنا، بالكثير من الفعالية. يقدّم سليم تجربة حسيّة في المقام الأول. يلوذ بالصمت ليصوّر الانقطاع عن كلّ مظاهر الحياة الحديثة هرباً إلى حضن الطبيعة الدافئ.

عن تعلّقه بالطبيعة يقول سليم إن هذا كله بدأ عنده بعد الثورة التونسية. في السابق، كانت علاقته بالمدينة جد متينة، لكنها تغيرت في اللحظة التي شعر فيها بأنها ضاقت به وبأمثاله. حاول الهرب فكان سبيله إلى الطبيعة. لكن هذا الارتماء في حضن الطبيعة جذوره تعود إلى الطفولة التي عاشها، حينما كان يذهب مع أهله لتمضية بعض الوقت في الريف. كونه يسكن في منطقة سياحية تقع على البحر، فأمضى جلّ العطل الصيفية في الجبل على سبيل التغيير. بعد فيلمين في عراء الطبيعة، يقول سليم إن المدينة بات يتقيأوها، ويبحث عن احتمالات عيش في أماكن أخرى. 

المزيد من سينما