فوز إمام أوغلو بإسطنبول... هل يكون بداية النهاية لأردوغان؟

محللون: الرئيس التركي تلقى أكبر هزيمة في مسيرته السياسية... ومستقبله السياسي مهدد

فاز مرشح المعارضة أكرم إمام أوغلو بمنصب عمدة إسطنبول، وهو ما يمثل هزيمة شخصية لأردوغان، وتحدياً غير مسبوق للسلطات الواسعة لنظامه الرئاسي الجديد، حسب مراقبين، إذ حوّل الرئيس التركي المشهد إلى ما يشبه الانتخابات الرئاسية أو الاستفتاء على شعبية رجب طيب أردوغان ونظام حزب العدالة والتنمية، الذي هيمن على المدينة التاريخية، التي تمثل صورة مصغّرة من مجمل السياسة في الجمهورية التركية.

فرصة المعارضة
يقول المحلل السياسي التركي جواد غوك، "أردوغان بالغ في توجيه الاتهامات إلى المرشح المعارض أكرم إمام أوغلو، واتهمه بأنه صنيعة الولايات المتحدة، وأنه يوناني وإرهابي، وأخيراً اتهمه بأنه مرشح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بخلاف إقحام أردوغان وفاة الرئيس المصري الأسبق المنتمي لجماعة الإخوان محمد مرسي في المشهد، مستغلاً أي حدث داخلي أو خارجي لحشد الدعم لمرشحه بن علي يلدرم".

في آخر لقاء جماهيري وتجمّع انتخابي جمعه بسكان إسطنبول قبل أيام من التصويت الذي انتهي بفوز مرشح حزب الشعب الجمهوري بمنصب عمدة إسطنبول، قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان موجهاً حديثه إلى سكان إسطنبول "إن أكرم إمام أوغلو هو مرشح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي"، وتساءل "هل ستنتخبون يلدرم أم السيسي؟"، ولعل ذلك ما جعل مواقع التواصل الاجتماعي في مصر تشتعل بعبارة "الشعب التركي انتخب السيسي".

يوم تاريخي
وأضاف جواد غوك لـ"إندبندنت عربية"، "الرئيس التركي هو من تسبب في إشعال حالة الاستقطاب الكبرى، التي صاحبت عملية التصويت، باستغلاله الأحداث المختلفة حتى وإن كانت بعيدة الصلة عن المشهد الداخلي، وعلى رأسها الحرب الكلامية مع الولايات المتحدة، التي تهدده بفرض العقوبات، ما جعل التصويت يوماً تاريخياً للجميع".

 

وتابع، "أردوغان كان يعرف في قرارة نفسه أن الهزيمة واضحة منذ الجولة الأولى، ولو نتذكر اعترف بالخسائر التي تعرض له حزبه للوهلة الأولى بعد ظهور نتائج مارس (آذار) الماضي، لكنه أخذ الهزيمة على محمل شخصي ونزل بكل ثقله لدعم مرشحه يلدرم، لكن الآن سيحاول تحميله مسؤولية الهزيمة وحده، لأن الجميع يعلم أن من يكسب إسطنبول يفوز لاحقاً بالرئاسة التركية، وهذه هي المعادلة المستقرة في السياسة التركية منذ عقود".

هزيمة أردوغان
وفور إعلان فوز أكرم إمام أوغلو بانتخابات الإعادة، سيطرت عبارة "هزيمة أردوغان" على عناوين مختلف وسائل الإعلام العالمية، ووصفت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية الرئيس التركي بأنه يعاني "هزيمة لاذعة"، مؤكدة أنها أكبر هزيمة في مسيرته السياسية، إذ أنهت هيمنة حزبه على المدينة ذات الموارد الضخمة لفترة تصل إلى ربع قرن، وشقّت هالة أردوغان "الذي لا يُقهر"، وقد تكون بداية نهاية حكمه الذي استمر 16 عاماً.

وذكرت "الغارديان" البريطانية أن أردوغان هو من تعرّض للهزيمة، وليس مرشحه بن علي يلدرم، معتبرة أن "خسارة إسطنبول للمرة الثانية نتيجة غير متوقعة لحزب العدالة والتنمية في إسطنبول، التي تمثل أكبر بلدية في البلاد، ومركز ثقل تقليدي للحزب الحاكم".

التاريخ يعيد نفسه
منذ نشأة الجمهورية التركية ظلت السيطرة على إسطنبول هدفاً لكل اللاعبين السياسيين، فهي بوابة الزعامة السياسية في تركيا، والعاصمة الاقتصادية والثقافية التي يعيش فيها 16 مليون شخص، وظلت على مدى قرون عدة رمزاً للتعددية ولوجهي تركيا الشرقي والأوروبي وجسراً بين العالم الإسلامي والغرب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبدأ أردوغان مشواره السياسي من إسطنبول رئيساً لبلديتها من قبل حزب الرفاه الإسلامي في عام 1994، قبل أن يُعزل من منصبه بعد اتهامه بالتحريض على الكراهية الدينية والحكم عليه بالسجن لمدة 10 أشهر، وهو المصير نفسه الذي هدد به أردوغان خصمه إمام أوغلو قبيل التصويت في جولة الإعادة، إذ توعده بالحكم عليه في عدة دعاوى قضائية، وتجريده من منصبه حتى إن فاز.

تحليل لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قال "إن أردوغان كان عمدة إسطنبول قبل أن يصبح رئيساً للوزراء في عام 2003، فيمكن أن تكون هذه الانتخابات منصة يتحدى من خلالها إمام أوغلو الرئيس التركي على الصعيد الوطني".

وأضاف، "في ظل الظروف العادية، يجب أن لا تؤثّر انتخابات رئاسة البلدية في السياسة الوطنية، غير أن أردوغان شارك شخصياً في حملة مرشح حزبه في هذه الانتخابات، محوّلاً الاقتراع إلى استفتاء حول شعبيته ومزوّداً إمام أوغلو بمنصة أوسع نطاقاً ليكون (أردوغان الجديد) المستضعف الذي يمثّل فرصةً للتغيير".

معركة مصغّرة
وقالت مؤسسة الدفاع عن الديموقراطيات، وهي مركز تفكير أميركي (Think Tank)، إن "جولة الإعادة بإسطنبول مثّلت معركة مصغّرة حول مستقبل تركيا".

واعتبر التحليل، أعدّه ميرفي طاهر أوغلو وأيكان أردمير، أول تحد لسلطة الرئيس أردوغان ومساعيه لإعادة هندسة المجتمع التركي قد جاءت من إسطنبول في صيف كهذا قبل 6 سنوات عندما انطلقت تظاهرات في يونيو (حزيران) 2013، التي عرفت باحتجاجات ميدان تقسيم التي قمعتها الشرطة التركية بقسوة، لتتجدد المعركة في 2019 من أجل الحفاظ على "روح تركيا" في صورة سباق بين نظام الرجل الواحد المستبد وطرف آخر يسعى إلى الديموقراطية والتعددية.

وأشار إلى "أن أردوغان شارك بنفسه في حشد الناخبين، وترويج اتهامات لتشويه أكرم إمام أوغلو وصلت إلى حد اعتبار المعارضة كلها (إرهابية)، قبل أن يصف إمام أوغلو بأنه (يوناني مستتر)، في إشارة إلى مسقط رأسه في طرابزون، وهي مدينة تركية ساحلية على البحر الأسود سكنها تاريخياً أغلبية من اليونانيين الأرثوذكس، وقد أعادت هذه النقطة إلى الأذهان تاريخاً حافلاً من الاتهامات القومية والعنصرية والدينية التي تعرّض لها الساسة الأتراك منذ عهد مؤسس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك".

انتصار كردي
مثل الأكراد رقماً صعباً في معادلات السياسة التركية داخلياً وخارجياً خلال السنوات الأخيرة من حكم أردوغان، فهم محرك تدخلاته في الشمالين السوري والعراق، وهم "فزاعة الداخل"، حسب مراقبين.

وقد سعى الرئيس التركي إلى استغلال الأصوات الكردية أو على الأقل تفتيتها لضمان تشتيت وحدة المعارضة التركية، التي أعلنت أحزابها التصويت لصالح مرشح حزب الشعب الجمهوري، ففي تطور غير مسبوق منذ سنوات سمحت السلطات التركية لذوي القيادي الكردي المسجون مدى الحياة عبد الله أوجلان بزيارته في سجنه بجزيرة إمرالي، كما قابله محاموه ونقلوا عنه بعض الرسائل التي أذاعت وسائل الإعلام التركية إحداها تدعو الناخبين الأكراد إلى "الحياد" من انتخابات إسطنبول، مُتخلية للمرة الأولى عن وضع كلمة "إرهابي" قبل اسم "أوجلان".

كما استقبل أردوغان للمرة الأولى الرئيس الجديد لإقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني قبل يومين من التصويت، أمَّا المرشح الفعلي لانتخابات أسطنبول فقد قام بزيارة نادرة إلى المناطق الكردية، والتقى وجهاء منطقة ديار بكر، وحيّاهم باللغة الكردية.

وفور إعلان نتائج فوز إمام أوغلو، قالت الرئيسة المشتركة لحزب الشعوب الديموقراطي، بروين بولدان، إن "المنتصرين اليوم في انتخابات إسطنبول هم الكرد وحزب الشعوب الديموقراطي".

وبدوره، قال الباحث والإعلامي الكردي نواف خليل مدير المركز الكردي للدراسات والمقيم بألمانيا "انتصار للأكراد الذين يقامون حكومة العدالة والتنمية منذ سنوات طويلة، وانتصار لمن زجّ بهم أردوغان في السجون، من قادة الحركة المعارضة من الأكراد والأتراك، فحزب العدالة والتنمية هو المسؤول عن عزلة أوجلان مهندس عملية السلام التي انطلقت، وأطاح بها أردوغان منذ عام 2015، وهذا الحزب هو المسؤول عن اعتقال صلاح الدين دميرتاش منافس أردوغان في الانتخابات، وهو أول مرشح رئاسي للانتخابات من حزب الشعوب الديموقراطي".

وتابع خليل، "كان واضحاً هذا الانتصار الكردي قبل نتائج الانتخابات، كانت هناك محاولات مستميتة من جانب حزب العدالة والتنمية لكسب ود الشعب الكردي، فحينما يضطر بن علي يلدرم رجل أردوغان إلى أن يذهب إلى آمد أو ديار بكر ليتحدث عن المحظور، ويقول إن البرلمان التركي عندما تشكل كان هناك مبعوث لكردستان، فهذا انتصار كبير، فتركيا حتى لا تسمح ولا تقول عن كردستان العراق الموجودة دستورياً في العراق بهذا المسمى إنها كردستان العراق، فما بالنا باضطرار رجل أردوغان إلى الحديث عن كردستان تركيا، وكذلك ما قيل إنه تسريب منسوب للقائد الكردي أوجلان حول الدعوة للحياد من الانتخابات، فهذا أيضاً اعتراف من أنقرة بوزنه السياسي، لأن الأكراد هم الأكثر تضرراً من سياسات حزب العدالة والتنمية الذي استخدم الدين لأغراض حزبية وسلطوية".

المزيد من دوليات