Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النخب الجزائرية و"صراع الديكة" حول اللغات

ستون سنة مرت على الاستقلال ولا يزال نصف المثقفين يتهم النصف الآخر على أساس لغوي

أطفال قرية جزائرية يدعون إلى الاعتراف بالأمازيغية كواحدة من اللغات الوطنية (أ ف ب)

في الخامس من يوليو (تموز) 2022، يحتفل الجزائريون بالذكرى الستين للاستقلال (1962-2022)، بهذا يكون من تبقّى من صناع الثورة التحررية الكبيرة من "المجاهدين الحقيقيين" هم قلة قليلة. يحتفل الجزائريون بهذا العيد الوطني على فرجة استعراض عسكري مثير واحترافي يعيد إلى الأذهان صورة الجزائر القوية.

لكن خارج هذا الاحتفال الموحِّد هناك ما يختلف عليه الجزائريون، إنه الاختلاف الذي يمنح المجتمع ديناميكية متواصلة.

من وُلد مع زغرودة الاستقلال عام 1962، أضحى اليوم على بوابة التقاعد، ستون سنة هو زمن ليس هيّناً ولا قصيراً، هو عمر كامل أو يكاد، ومع ذلك تحتفل النخب الجزائرية الثقافية أو من يُسمّون مجازاً بـ"الإنتليجانسيا" التي ولِدت في زمن الاستقلال على وقع صراع "الديكة"، صراع وجدل حول مسألة اللغات في الجزائر وسلّم مكانة هذه اللغة أو تلك.

هناك تدافع اللغات في الجزائر!

ستون سنة من الاستقلال، ولا يزال المثقفون يتعاركون حول أي لغة نختار لأبنائنا ولحياتنا!

ستون سنة من الاستقلال ولا يزال نصف المثقفين يتهم النصف الآخر على أساس لغوي!

ستون سنة من الاستقلال، ولا يزال البعض يرمي البعض الآخر بتهمة التخوين، لا لشيء إلا لأنه يستعمل لغة معينة، وليس لغة أخرى بعينها! 

ستون سنة، ولم يكتشف الجزائريون بعد الطريق اللغوي الذي يوصلهم إلى أنفسهم بكل أمان واطمئنان نفسي واجتماعي وثقافي!    

ظلت الجزائر خلال مراحل مساراتها السياسية المختلفة، يمتد ذلك إلى سنوات الأربعينيات، تخفي خلافاً لغوياً، خلافاً كلما ظهر يتم إخفاؤه تحت السجاد، من دون الوصول إلى كنسه نهائياً.   

على مدى ستين عاماً من الاستقلال، لم تُثَر نقاشات ثقافية وفكرية جادة حول اللغات وعلاقاتها بالمجتمع وبناء الدولة المعاصرة، لا بين المثقفين ولا بين السياسيين ولا حتى بين البيداغوجيين والألسنيين. كلما اندلع النقاش حول اللغات، هجم عليه السياسيون، فصادروا الرأي الحضاري لصالح العواطف الشعبوية أو القومية أو الدينية.

كل النقاشات كانت محمومة، غاضبة، وساخنة بأحكام مسبقة وبمدافع جاهزة ضد هذا التيار أو ذاك.

على مدى ستين عاماً من الاستقلال، كلما تناقش الجزائريون حول اللغات التي تعيش وتتعايش في البلد بقوة التاريخ أو الهوية أو الحضارة، تعسكروا، وتخندقوا، وتمترسوا، وكل أخرج مدافعه وجيوشه وصنع من الأخ المختلف عنه عدواً أيديولوجياً ودينياً وهوياتياً.

إلى فترة نهاية الثمانينيات، كان الصراع اللغوي في الجزائر متمركزاً ما بين النخب المفرنسة والنخب المعربة، أي بين من كانوا يصنفون في خانة المعاصرة ومن كانوا يصنفون في خانة المحافظين.

وقد فرض هذا التصنيف المجحف القائم على هذه الثنائية (معاصر/ محافظ) في المجتمع الجزائري حالة سيكو ثقافية - لسانية غريبة، جعلت البعض يخجل، مثلاً، من قراءة جريدة بالعربية في الشارع أو في محطة من المحطات، أو في وسيلة من وسائل النقل العمومية، حتى وصل الأمر بالبعض إلى أن يقتني جريدة بالفرنسية ويضع بداخلها الجريدة بالعربية ليقرأها خفية كما تُقرأ الممنوعات. هذه الحالة الغريبة نتجت من تصنيف عشوائي لكل من يتكلم العربية أو يقرأ بها في جماعة الإصلاح والتقليد والعروبة، وكل من يتكلم أو يقرأ بالفرنسية في خانة المعاصرة و"الموديرنيزم".

وربما ستكرس هذه الحالة المرضية لغوياً هذا الوضع السيكولوجي وتعمقه على مستوى الفرد والجماعة الاجتماعية، وبشكل "لا واعٍ"، سيدفع هذا التصنيف المجحف النخب المعربة لتتطرف أكثر في انحيازها للأفكار التقليدية وتعاطفها مع التيارات السياسية الإسلامية، لا لشيء سوى للانتقام من التيار اللغوي المفرنس الخصم.  

وانتقل هذا التصنيف المرضي اللغوي إلى التأثير في عالم الشغل، حيث بدا التوظيف في كثير من قطاعات الحياة الاقتصادية خاضعاً لمقاييس لغوية غير معلنة ولكنها حاسمة، وهكذا انقسمت خريطة الأشغال والأعمال والمهن على قاعدة اللغة، فكل ما يرتبط، مثلاً، بالبنوك والبحث العلمي والطب والعلوم والتكنولوجيا والسياحة والخدمات وحتى بالمناصب الدبلوماسية وملحقاتها تكون من نصيب المفرنسين، واقتصر المعربون، مثلاً، على مهنة التربية والتعليم وقطاع الدين وبعض الأمور الثقافية، وبعض المواقع الإعلامية وقطاع العدالة والمحاماة.

وعلى مدى ستين عاماً من الاستقلال، عرف الصراع اللغوي قمته على مقاعد المدرسة الجزائرية وحول برامجها ومقرراتها، ولا يزال قائماً وعلى أشده حتى الآن. ففي هذه المدرسة وانطلاقاً من نهاية السبعينيات، بدأت معركة التعريب، لكن بطرق سياسوية وشعبوية، ليس الغرض منها تعليم اللغة العربية على أصول علمية صحيحة، ولكن لشن حرب ضد اللغة الفرنسية، فكان الدفاع عن التعريب غرضه إسقاط لغة أخرى مهما كان الثمن ولو على حساب التربية والتعليم. كانت حرباً أيديولوجية، حرب البحث عن الغنائم السياسية، فالتيار المعرب الذي شعر بهزيمة اجتماعية وسياسية في جزائر الاستقلال أراد أن ينظم انقلاباً انطلاقاً من ثكنة اسمها المدرسة، وهكذا أصبحت المدرسة أكبر ضحية لهذا الصراع اللغوي الذي يخفي صراع مصالح سياسية وأيديولوجية.

ومع بداية الثمانينيات، والحرب الأيديولوجية لا تزال على أشدها بين النخب المعربة والمفرنسة، ظهر فيلق لغوي آخر سيغذي الساحة أكثر وأكثر، بعد وفاة الرئيس هواري بومدين في 27 ديسمبر (كانون الأول) 1978 صعد إلى الواجهة الصوت المطالب بإعادة الاعتبار إلى اللغة الأمازيغية، لغة أصحاب البلد الأصليين. وفي سنوات قليلة، برزت اللغة الأمازيغية بشكل قوي على الساحة السياسية والثقافية والإعلامية، ويمكن التأريخ لانطلاقتها السياسية المعاصرة بالربيع الأمازيغي في أبريل (نيسان) 1980، ليتأكد ذلك وبشكل واضح مع أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 1988.

صحيح أن النضال من أجل الهوية الأمازيغية ليس وليد السبعينيات، إنما هو متجذر في عمق تاريخ الصراع بين أجنحة الحركة الوطنية الجزائرية منذ الأربعينيات، وبالأساس منذ ما سُمّي بـ"الأزمة البربرية" عام 1949. وستتوّج هذه النضالات السياسية والثقافية بالاعتراف باللغة الأمازيغية لغة وطنية ورسمية وإدراجها ضمن المواد الصامتة في الدستور الأخير للجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية، دستور 2020.

وأمام هذا الوضع اللغوي الجديد، بدأ الصراع بلاعب جديد، وهذه المرة بوضوح وبالاستناد إلى الشرعية الدستورية، وهكذا أصبحت الساحة بثلاث لغات في السياسة والتربية والثقافة، وفي هذا الوضع، اتخذت اللغة الفرنسية مكانة الجسر بين الفريقين المعرّب والأمازيغي.

لكن في الأسابيع الأخيرة، وقبل الاحتفال بالذكرى الستين للاستقلال، ستعرف الساحة اللغوية في الجزائر فيلقاً جديداً، لاعباً لغوياً جديداً، إنها اللغة الإنجليزية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ففي ظل صراع محتدم بين العربية والفرنسية والأمازيغية، اقترحت السلطة في الجزائر إقرار تعليم اللغة الإنجليزية ابتداء من المدرسة الابتدائية، وهو ما أعاد الصراع اللغوي إلى الساحة مرة ثانية وبقوة، ومرة أخرى ستكون المدرسة هي ساحة الصراع.

للتذكير، إن اللغة الإنجليزية تُدرّس في الجزائر ابتداء من السنة الأولى متوسط. وفي النظام المدرسي القائم الآن، يتعلم التلميذ الجزائري اللغة الإنجليزية سبع سنوات كاملة، وتُسمّى اللغة الأجنبية الثانية. في المقابل، تُدرّس الفرنسية (اللغة الأجنبية الأولى) لمدة عشر سنوات، والعربية تُدرّس في كل مراحل التدريس، أما الأمازيغية، فهي تُدرّس بحسب المناطق وبحسب بعض المؤسسات التعليمية، وهي اللغة الأكثر تهميشاً في سلّم تدريس اللغات في الجزائر، ولهذا أسبابه وعلى رأسها غياب تكوين المكونين في هذه اللغة، والتراخي السياسي في تعميمها على المستوى الوطني.

يجمع الخبراء في علم التربية وفي تعليم اللغات على أن كل من يتعلم لغة بحجم الساعات التي يتعلمها التلميذ الجزائري، يصبح في نهاية الدورة التعليمية متمكناً ومتحكماً في هذه اللغة أو تلك، مهما كانت.

استئناساً بنظرية علماء التربية وتعليم اللغات، فمن المفترض أن الجزائري يحسن ويتحكم في ثلاث لغات تحكماً علمياً دقيقاً، لكن الواقع يقول غير ذلك، فالطلبة الذين يصلون إلى الجامعة، ويسجلون في أقسام العربية والفرنسية والإنجليزية يبيّنون عن ضعف صارخ في التمكن في هذه اللغات جميعها.

إذاً في اعتقادي، علمياً، إن الأمر لا يتعلق بتضخيم حجم الساعات في تعليم اللغة الإنجليزية، ولا بإدخالها في التعليم الابتدائي، لكن المطلوب أولاً هو تكوين مكونين أكفاء وعلى أسس صحيحة وسليمة، وتحرير تعليم اللغات من مرض الأيديولوجيا واعتبارها ثروة كبيرة.

والشعوب التي يدرس أبناؤها لغات متعددة هي شعوب ذكية. وتعلم اللغات بشكل متوازن وصحي مسألة مطلوبة وضرورية وصحية، وتعليم اللغات لا يخيف، بل يعيد الثقة إلى الأجيال الجديدة، لكن لا يتحقق ذلك إلا في ظل حماية دولة قوية تملك مشروعاً حضارياً متنوراً، تريد من خلاله الخير لأبناء البلد، بعيداً من أمراض الشعبوية السياسية أو الدينية أو العرقية الشوفينية.

المزيد من آراء