Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"قلب قزاز" مسرحيّة تفضح هزائم مدنٍ من زجاج

أرثر ميلر وتينسي وليامز يرويان في حانة بيروتية معتمة قصص انكسار وفراغ وعجز

من مسرحية "قلب قزاز" اللبنانية (الخدمة الإعلامية)

تقتبس مسرحيّة "قلب قزاز" نصّين عالميّين ينتميان إلى الأدب الأميركيّ، أوّلهما نصّ لأرثر ميلر بعنوان "زجاج مهشّم" أو "قزاز مهشّم" (Broken Glass, Arthur Miller)، وثانيهما بعنوان "الوحوش الزجاجيّة" أو "وحوش من قزاز" - للمحافظة على الكلمة المفتاح "قزاز" - للكاتب الأميركيّ تينيسي وليامز (The Glass Menagerie, Tennessee Williams). والمسرحية التي اخرجها جوليان بطرس، عرضت على مسرح دوار الشمس في بيروت، وسيعاد عرضها خلال الأسابيع المقبلة.

قد يستغرب الجمهور أن تبدأ المسرحيّة في حانة وأن يتحوّل الساقي في ما بعد إلى راوٍ للاحداث. فبين حانة وساقٍ وزجاج مهشّم، مدن مدمّرة وشخصيّات عاجزة وقصص حبّ عقيمة من القرن الماضي.

شخصيّات هجينة

ليست خيارات المخرج جوليان بطرس اعتباطيًّة في هذه المسرحيّة. فالعنوان الذي يحمل كلمة "قزاز" ينعكس مباشرة في الديكور وفي المكان الذي تدور فيه الأحداث، وهو حانة مليئة بالقناني المصفوفة على الرفوف وبالزجاجات الفارغة المتراكمة على الأرض. بالإضافة إلى ذلك، ينعكس هذا العنوان "قلب قزاز" في عنواني المسرحيّتين اللتين يضمّهما العرض، وفي موضوعهما المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالزجاج المهشّم. تملك إذاً مسرحيّة "قلب قزاز" مع المسرحيّتين الأخريين اللتين تدوران داخلها، قاسماً مشتركاً بارزاً وهو الزجاج المكسّر الذي يعكس دمار المدن وهزيمة أهلها وهشاشة المستقبل، فبين أوروبّا وأميركا وبيروت دمار فظيع ونفوس عاجزة عقيمة.

يقوم هذا العمل على تقنيّة الترجيع (mise en abyme)، فهذه المسرحيّة تتضمّن مسرحيّتين اثنتين، والساقي الذي يكون شخصيّة في المسرحيّة الأساس يتحوّل إلى راوٍ للمسرحيّتين الأخريين، ونقطة فصل وتنقّل بين الواحدة والأخرى. تقوم مسرحيّة "قلب قزاز" إذاً ببساطة على إطار متماسك وممتع من حيث الحبكة والديكور، والمكان الذي تدور فيه الأحداث. ففي حانة معتمة مليئة بالقناني والكؤوس الزجاجيّة، يتحوّل الساقي إلى راوٍ يروي هموم المدن وأهلها. يتحوّل الساقي الذي طالما تناوله الشعر العربيّ القديم ككاتم للأسرار ومشيع للفرح في النفوس، إلى حافظٍ للذاكرة المليئة بالدمار والهزيمة. أمّا زبائن هذه الخمّارة فهم شخصيّات المدن التي خرّبها العنف وطبعت تاريخها الوحشيّة. زبائن هذه الخمّارة هم شخصيّات المسرحيّتين المقتبستين.

وفي تقسيم متساوٍ قائم على أربعة مشاهد مقتبسة، يخصّص المخرج بطرس مشهدين اثنين عائدين لكلّ مسرحيّة، ويتحوّل دخول الساقي على خشبة المسرح إلى فاصل بين المشاهد. يحترم الإطار الذي رسمه لمسرحيّته، فبين المشهد والمشهد تعود أجواء الحانة للسيطرة على خشبة المسرح: تعلو الموسيقى ويظهر الساقي الذي يتحدّث عن أحد روّاد حانته ليتمكّن الجمهور من التقاط أنفاسه والانتقال من حالة إلى أخرى، من مسرحيّة إلى أخرى. كذلك يمنح هذا الفاصل الممثّلين الوقت لتغيير ملابسهم وتغيير أدوارهم  قبل أن يختفي الساقي مجدّداً ويترك للممثّلين الإثنين حرّيّة استعادة أحد النصّين المسرحيّين المختارين.

قصص مدن وبشر

في مسرحيّة "قلب قزاز" ثلاث قصص وثلاث مدن وثلاث مسرحيّات. المسرحيّة الأولى تدور أحداثها في بيروت في عصرنا الحاليّ، وهي التي تحدّد الإطار العامّ للقصّتين الأخريين. تدور المسرحيّة الأولى في حانة ويمسك بزمام سردها الساقي الذي يستعير دور الحكواتيّ، ويتحوّل إلى حامي ذاكرة المدينة المدمّرة الأولى والمكسّرة الزجاج، بيروت.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

القصّة الثانية هي قصّة مسرحيّة أرثر ميلر "قزاز مكسور" التي تدور أحداثها في نيويورك سنة 1938 وتتناول تأثير تدمير النازيّين لبيوت اليهود ومحلاّتهم في ألمانيا، في ليلة تاريخيّة سُمّيت "ليلة البلّور" أو "ليلة الزجاج"، وهي ليلة 9 إلى10 نوفمبر/ تشرين الثاني 1938 التي قامت فيها القوّات النازيّة بالهجوم على ممتلكات اليهود وأماكن عبادتهم ومحالهم لتدميرها وكسر زجاج واجهاتها. إنها الليلة التي أدّت إلى خراب وموت وتحطيم، وكان لها عظيم الأثر في النفوس. فسيلفيا المرأة اليهوديّة المقيمة في نيويورك تُصاب بصدمة نفسيّة وتصبح عاجزة عن المشي. كأنّ تكسّر زجاج المدينة تجسّد فيها وحوّلها إلى كائن عاجز، كائن مصاب بإعاقة نفسيّة وجسديّة، تمنعه من الهرب من الزجاج المهشّم، ومن الخراب والواقع الدامي.

أمّا القصّة الثالثة التي اقتبس جوليان بطرس أحداثها من مسرحيّة تينيسي وليامز "وحوش من قزاز" التي عُرضت عام 1944 وكانت من أولى المسرحيّات التي طبعت مسيرة ويليامز وصنعت شهرته، فنجد فيها أيضاً أنّ موضوع الزجاج محوريّ ومفعم بالدلالات. فلورا الفتاة الخجول المنعزلة المنطوية على نفسها والمصابة بخلل في قدمها يؤثّر على طريقة مشيها، هي شابّة متعلّقة بالزجاج وبالأشكال التي يصنعها هي التي تشبهه بهشاشتها وضعفها وسرعة كسرها وعطبها.

 بين الزجاج المهشّم والنفوس المهزومة

يجد الجمهور نفسه في مسرحيّة "قلب قزاز" أمام نصوص مفعمة بالدلالات، فالقزاز الهشّ والمهشّم هو توأم النفوس الضعيفة والنساء العاجزات والرجال الفاقدي الرجولة. فسيلفيا ولورا مصابتان بخلل في قدميهما يجعل مهمّة السير لديهما شبه مستحيلة، وطبيب سيلفيا وحبيب لورا رجلان معجبان بالمرأتين لكنهما عاجزان عن أخذ أيّ مبادرة للمضيّ في قصّتي الحبّ. أمّا المدن في القصّتين فهي مدمّرة والقزاز فيها مكسور، لتقوم توأمة عبر القزاز المكسّر بين النفوس المهشّمة والمدن المدمّرة.

نضيف كذلك أنّ تمثيل كلّ من هبة نجم (تؤدّي دور سيلفيا ولورا على التوالي) وكريم شبلي (يؤدّي دور الطبيب والحبيب على التوالي) وطوني فرح (يؤدّي دور الساقي)، يضارع بهدوئه وانهزامه انكسار الشخصيّات المؤدّاة. كذلك يجسّد الديكور السوداويّ القائم على بار معتم وقناني زجاج متراكمة مكدّسة بفوضى وعبثيّة على الأرض، هزيمة مدن أوروبّا وأميركا أمام النازيّة وهزيمة بيروت أمام الوحشيّة والفساد. وعلى الرغم من قصر المسرحيّة (ساعة واحدة فقط) وقدرتها على احتمال المزيد من التفاصيل والدلالات، وعلى الرغم من الرمزيّة التي كان يمكن أن تؤمّ النصّ أكثر بعد، يُعجب الجمهور بكيفيّة تقديم هزائم المدن وهزائم النفوس، ليصبح الزجاج المكسور انعكاساً للواقع المفرغ من أيّ أمل وأيّ حلول وأيّ قدرة بشريّة على التغيير والحلم والحبّ.

المزيد من ثقافة