Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أغنيات كسرت حاجز اللغة فدخلت التاريخ وهزت العالم

أغلبها أعمال شكلت هوساً عالمياً وارتبطت بالحركات الراقصة والإيقاع وبعض معاني الكلمات صدمت الجماهير

خلقت أغنية غانغنام ستايل للمطرب الكوري ساي حالة من الهوس حول العالم (أ ف ب)

هل السر في الحركة أم الإيقاع؟ سؤال يصاحب كل هوس جديد بقطعة موسيقية غنائية تنتشر وكأنها السحر، تستحوذ على الأسماع، لتبدو وكأنها ولدت مع كل شخص يسمعها، متجاوزة الاختلافات العميقة بين الثقافات والمجتمعات، غير عابئة بحاجز اللغة. هنا نعود للعبارة المحفوظة التي تبدو مكررة وتقليدية، لكنها مفسّرة وبليغة "الموسيقى لغة عالمية".

المؤكد أن الأغنيات النادرة التي يمكن القول إنها غزت الشرق والغرب، وحققت شعبية منقطعة النظير بين فئات عدة كان الملمح الأساسي الجاذب منها هو اللحن، ثم تأتي الكلمات في ما بعد، فالتوليفة بين نغمات الآلات وترتيبها تجعلها لغة تواصل قائمة بحد ذاتها "لغة إنسانية".

الكوكب يردد أغنية واحدة!

الأغنيات رفيق أساسي في المناسبات والاحتفاليات، سواء شخصية أو قومية، حتى إن الدول تعبّر عن هُويتها بنشيد وطني غنائي يدار في المحافل الكبرى، وفي كل مجتمع هناك أغنيات لها رصيد هائل من الجماهيرية، وهو أمر يتحقق في جميع أقطار كوكب الأرض بمختلف لغاته.

وبالطبع، تحظى الأغنيات الناطقة باللغة الإنجليزية بالانتشار الأكبر في مختلف دول العالم، نظراً إلى ضخامة صناعة الموسيقى في الدول التي تتحدث بهذه اللغة، ثم في ما بعد تأتي الفرنسية والإيطالية والإسبانية وهكذا. لكن حينما نتحدث عن الأغنيات التي هزّت العالم بحق فهي قليلة، وتعد على الأصابع، والمفاجأة أن الأعمال التي تتصدر تلك القائمة ليست إنجليزية بالمرة.

 

هناك ظواهر غنائية صنعت حالة من الهوس والسحر غير المفسّر، وبينها أغنية غانغنام ستايل للمطرب الكوري ساي، الأغنية كورية اللغة والهوى والهوية، تتحدث عن أسلوب حياة من يقطنون حي مترف شهير في العاصمة الكورية الجنوبية.

وعلى الرغم من أن مطربها بدأ مشواره منذ بداية الألفية الثالثة، لكن الشهرة الكبرى جاءته في يوليو (تموز) 2012، حينما أصدر غانغنام ستايل برقصتها المعبرة وإيقاعها الذي وجد هوى لدى محبي الموسيقى في جميع أنحاء العالم، وكانت أغنية العام بالفعل، وأخذت الأغنية بيد صاحبها إلى الشهرة غير المحدودة، وتحوّل من مغن كوري مشهور بين من يتحدثون اللغة إلى نجم أيقوني تؤدي رقصاته وحركاته المرحة في البرامج الترفيهية الكبرى وفي إعلانات أفخم الماركات.

ومع ذلك، فإن الغالبية من محبي الأغنية لا يفهمون كلماتها بالمرة، لكن هذا لا يمنعهم من ترديد الألفاظ كيفما اتفق، والتوحد مع حالة البهجة التي تصنعها. ساي قدم أعمالاً عدة بعدها مثل "جنتلمان وهانج أوفر"، لكن تبقى غانغنام ستايل هي أيقونته وتميمة حظه التي وضعته في قائمة الأرقام القياسية بجدارة، إذ سجلت حينها رقماً غير مسبوق في موسوعة غينيس، كما تجاوز عدد مشاهديها خلال عشر سنوات عبر موقع "يوتيوب" فقط الأربعة مليارات مشاهدة.

"الرقصة" مكون أساسي

وكان كليب الأغنية عام 2014 هو الفيديو الأكثر مشاهدة على "يوتيوب"، لكنه تنحّى عن هذا المركز، بعد أن أزاحته أغنية أخرى لا يفهم أغلب الجمهور كلماتها كذلك هي "ديسباسيتو".

وهي الأغنية الإسبانية التي طرحت مطلع عام 2017، واستمرت طوال الـ12 شهراً هي الأغنية الرسمية للتجمعات المبهجة، وقد أداها البورتريكيان دادي يانكي، ولويس فونسي، واقتربت مشاهداتها عبر "يوتيوب" حتى يونيو (حزيران) 2022 من الثمانية مليارات مشاهدة، ووجدت الأغنية التي جاءت بلغة لا تعتبر لغة عالمية أولى صدى لدى كثيرين، وبينهم جاستن بيبر الذي عبر عن إعجابه بها.

 

وتصدرت الأغنية العاطفية المشاهدات والتقييمات في الولايات المتحدة الأميركية، حيث إن أحد مطربيها وهو لويس فونسي يقيم بالولايات المتحدة في الأساس، وكانت لديه قبلها سلسلة من النجاحات، وبينها تجربة جمعته بالمغنية كريستينا أغيليرا، لكن النجاح الذي حققته "ديسباسيتو" وتعني "ببطء" ورقصتها كان له تأثير مغاير تماماً، وتميزت الأغنية بحركاتها الراقصة، وقد ذكر انتشارها الاستثنائي الجمهور بأغنية إسبانية أخرى اجتاحت العالم عام 1996 هي "مكارينا".

و"مكارينا" مثلها مثل بقية الأغنيات التي أشعلت سكان العالم، ولم يقتصر نجاحها على مجتمعها المحلي فقط، ارتبطت برقصة شهيرة وبحركات تشبه في بدايتها التمرينات الرياضية سرعان ما تتحول إلى إيقاعية، وقد طرحت الأغنية للمرة الأولى عام 1993، لكنها لم تعرف الشهرة إلا بعد طرح كليبها الراقص، حيث كانت النشيد الرسمي لحفلات جيل التسعينيات، وهي من أداء فرقة لوس ديل ريو، التي تشكّلت بمدينة إشبيلية عام 1962، وصدرت ضمن ألبوم لهم يحمل عنوان "أنا أحب".

الأغنية حققت نجاحاً تاريخياً، ولم يحاول أغلب محبيها التحقق من معناها، حيث انتشرت وحفظها الجمهور بلغتها الأم، من دون الانتباه إلى أن كلماتها التي تحكي قصة فتاة تدعى مكارينا تخطط لخيانة حبيبها، الذي لم يكن معها في المدينة، وهو المعنى الذي بدا صادماً لأغنية ارتبطت بالأجواء الإيجابية والبهجة دوماً، بينما كان محبوها يهتفون طوال دقائق الرقصة "مكارينا مكارينا مكارينا" تشجيعاً واحتفاءً.

كيف توحد الذوق البشري؟

ومنذ سنوت طويلة، اهتم الباحثون بدراسة تأثيرات الموسيقى على أدمغة البشر وأمزجتهم، من خلال التركيز على رصد طريقة تفاعلهم معها، ودوماً ما تكون الملاحظة الأساسية على المجموعات البحثية أن الناس بطبيعة الحال تميل إلى أنماط موسيقية متنوعة، وأن أغلب التفضيلات تتشكّل على أساس ارتباطات عاطفية سابقة بأشكال معينة من الموسيقى، وهو أمر كان واضحاً للغاية في نتائج دراسة أجريت بكندا، تحديداً في مستشفى ومعهد مونتريال العصبي وكانت من ضمن الفريق الذي قام بها الطبيبة فالوري ساليمبور، كبيرة الباحثين، التي أقرت في تعليقها على الدراسة التي عنيت بالأساس بالبحث عن دوافع قيام الأشخاص بدفع الأموال من أجل اقتناء مقطوعة يستمعون إليها للمرة الأولى، حيث أكدت أن المقطوعات "تؤثر عاطفياً" بشكل كبير في الأشخاص، حينما تلبي توقعاتهم المسبقة، وبالطبع هنا تختلف التجارب، وتتعدد وكل بحسب شخصيته وتكوينها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إذن ففي ما يتعلق بالموسيقى بشكل عام، فإن الأذواق تتباين، والتلقي وإن كان يحمل تفرداً إنسانياً بديهياً، لكن هناك تيمة عامة كونية شكّلت طريقة استقبال بعض الأغنيات النادرة التي تجاوزت في شهرتها واستمتاع الناس بها أي اختلافات أو حتى خلافات، والحديث هنا يكون عن الغالبية بالطبع، وبناء على مؤشرات الأرقام مع الوضع في الاعتبار أن هناك من يتجاهل هذا الانتشار.

ومن بين الأغنيات التي استقبلها العالم بحفاوة "واكا واكا" الأغنية المليئة بمعاني الأمل والحماسة والمثابرة، حيث كانت رسالة الأغنية وعنوانها "قد حان الوقت لأفريقيا"، وهي الجملة التي تتردد باللغة الإنجليزية في الأغنية وأيضاً باللغة الهوسية "Tsamina mina، eh eh Waka waka، eh eh Tsamina mina zangalewa"، وهي اللغة التي تستخدم في بعض البلدان الأفريقية، حيث كان اختياراً ذكياً من النجمة الكولومبية شاكيرا التي أدت الاستعراض غناءً ورقصاً بمناسبة كأس العالم 2010، الذي أقيم في جنوب أفريقيا، وظهر في الشريط المصور كبار نجوم كرة القدم في العالم حينها.

كما شاركت فرقة فريشلي غراوند الجنوب أفريقية في الأداء، وتجاوزت مبيعات الأغنية المليون أسطوانة خلال شهور، وصُنفت كواحدة من أكثر الأغنيات مبيعاً ومشاهدة على مدار التاريخ، وحصدت عشرات الجوائز، ومذهب الأغنية مقتبس من أغنية كاميرونية لفرقة معروفة هناك اشتهرت في ثمانينيات القرن الماضي، وعلى الرغم من أن العبارات الإنجليزية معروفة المعاني في العمل، لكن أطلق الجمهور على الأغنية اختصاراً "واكا واكا" حتى وهم لا يعرفون معنى هذا اللفظ، وحتى اليوم تحتفظ الأغنية بشعبيتها وجماهيريتها.

الموسيقى أولاً

إنها أغنيات تناسب كل الأذواق، وتتخذ من الحركات الراقصة ركناً أساسياً بها، وتخلق لدى مستمعيها ذاكرة بصرية أصيلة ومرتبطة بها تمام الارتباط، فأغنية بكلمات بالكاد يتبينها المتلقي مثل "أسترونوميا ـ Astronomia"، وتعني "علم الفلك" ارتبطت من دون سبب واضح برقصة النعش التي يؤديها بعض الشباب الغانيين، وهو تقليد معروف أثناء حمل النعوش في بعض الدول الأفريقية، فالمقطع الذي سيطرت عليه الأصوات الإلكترونية حقق رواجاً عام 2014، وفي أزمة الحجر المنزلي إبان فيروس كورونا جرى تركيب بعض فيديوهات رقصة الدفن عليها لتنتشر كالنار في الهشيم.

من ضمن الأغنيات التي لها رصيد في قلوب كثيرين حول العالم كذلك "بيلا تشاو ـ Bella ciao" أغنية المقاومة الإيطالية الشهيرة التي حققت انتشارها مع معارك الحرب العالمية الثانية، وتناوب على غنائها عشرات المطربين، وقد تكون أبرزهم الإيطالية ميلفا التي فارقت الحياة في أبريل (نيسان) من العام الماضي، بعد أن تجاوزت الثمانين من عمرها، بينما كانت نسختها الأبرز للأغنية التي تحظى بشعبية جارفة بين الجماهير في شتى أقطاب العالم من دون الاهتمام بمعانيها السياسية البحتة، كانت عرفت النور في ستينيات القرن الماضي.

حتى عربياً هناك أغنيات لم يهدأ بال المستمعين لمعرفة معناها حتى الآن، وبينها "دي دي" 1992 أغنية الراي التي صنعت نجومية المطرب الجزائري الشاب خالد، ولم يعرف للفظ معنى محدد وواضح على الرغم من نجاح الأغنية العالمي الكبير.

المزيد من فنون