Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل أصيب الرأي العام العالمي بـ"اللامبالاة"؟

حجم المأساة التي تعيشها مدن أوكرانيا وتتناقلها وسائل إعلام عالمية لم يصنع توجهاً مضاداً للحرب كما حدث في العراق أو فيتنام

أمهات وأرامل الجنود الأوكرانيين القتلى يبكون وهم يحملون صور ذويهم خلال تجمع تذكاري أمام السفارة الروسية بكييف (أ ف ب)

بدأ محققون كثر في علمي الاجتماع والسياسية والعلوم التي تفرعت عنها وفي علم النفس الجماعي، بطرح أسئلة حول غياب القوى السياسية الضاغطة أو الكتل المعترضة في الرأي العام العالمي المسيس في هذه الفترة قبيل وبعد الحرب الروسية على أوكرانيا، خصوصاً في دول تكفل حرية التعبير كما أوروبا والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وغيرها من الدول، وهنا يمكننا تعريف هذه الجماعات بشكل مبسط بأنها مجموعة منتظمة من الأفراد أو المنظمات يتشاركون الاهتمامات والمصالح، ويتكتلون للتأثير في الحكومات والمواطنين المحايدين من أجل إقناع السلطات المعنية بإجراء تغيير في السياسة العامة، بهدف كسب منافع لمصالحهم أو قضاياهم التي يتبنونها.

هل فقد الرأي العام الاهتمام بالسياسة؟

السؤال المطروح الآن، لماذا تظاهرت هذه الجماعات ضد إجراءات منع تفشي فيروس كورونا، ثم اعترضت على ارتداء القناع ثم على تلقي اللقاح إجبارياً، لكنها لم تبد أي حراك ضد الحرب الروسية على أوكرانيا وهي دولة مستقلة يعرف مواطنيها جميع سكان العالم، وكان الجميع يشاهد تحولها نحو الديمقراطية منذ الثورة البرتقالية، وعلى الرغم من كل الضغوط التي مارسها النظام الروسي ضد التطور الديمقراطي الأوكراني منذ انفصالها عن الاتحاد الروسي، شاهد الجميع الأوكرانيين وهم يحاولون الخروج من أزماتهم المديدة نحو الاستقرار.

وعلى الرغم من مناشدة الرئيس زيلينسكي العالم للمساعدة العاجلة والقصوى على أساس أن أوكرانيا لا تدافع عن نفسها فقط بل وعن مجمل الغرب، وعلى الرغم من تدفق المهاجرين الأوكرانيين نحو أوروبا بلا انقطاع، وعلى الرغم من الصور التي تتناقلها وسائل الإعلام العالمية عن حجم المأساة التي تعيشها مدن وبلدات وقرى أوكرانية، فإن هذا كله لم يصنع رأياً عاماً عالمياً مضاداً، كما فعلت حرب العراق مثلاً، أو حرب فيتنام في مرحلة سابقة، حيث اهتز العالم تحت وطأة قوى الاعتراض على هذه الحرب.

والرأي العام المنظم الذي يمكنه أن يمارس ضغطاً على الحكومات داخل الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية أحياناً، يتكون عادة من الأحزاب والنقابات والجمعيات والمنظمات غير الحكومية أو منظمات سياسية جديدة نبتت في عالم الإنترنت وتجمعت على قضايا معينة، منها حقيقي ومنها ما يتبنى النظريات المؤامراتية مثل مجموعات اليمين المتطرف أو جماعة "كيو آنون" Q-Anon الأميركية، والتي باتت لها فروع حول العالم قبل وبعد اقتحامها مبنى الـ "كابيتول" اعتراضاً على تنصيب بايدن رئيساً للولايات المتحدة بعد إعلان النتائج.

وقبل عقود قليلة برزت منظمات الدفاع عن البيئة منذ انطلاق النقاش حول الاحتباس الحراري والتلوث البيئي في أوائل الثمانينيات من القرن الـ 20، وعلى رأسها "منظمة غرينبيس" التي ضربت شهرتها الآفاق بعد حصولها على "نوبل للسلام"، وكذلك منظمتا "هيومن رايتس ووتش" و"أوكسفام" اللتان تعنيان بحقوق الإنسان وحرية الرأي، وهذه كلها أنتجت سياسيين وصلوا إلى أعلى المناصب وتحديداً في أوروبا، مثل "حزب الخضر" مثلاً منذ التسعينيات، وباتوا ذا ثقل في البرلمان الأوروبي، وكانت النقابات العمالية في بولندا بقيادة ليش فاليسا قد أسهمت بقوة في استقلال البلاد عن الاتحاد السوفياتي على الرغم من القمع الشديد الذي تعرضت له، من دون أن ننسى دور "اتحاد الشغل التونسي" في مرحلة ما قبل الثورة التونسية وخلالها وفي هذه المرحلة المتشنجة من عمرها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولطالما كان بإمكان هذه المجموعات أن تقيم احتجاجات بوسائل اعتراضية مختلفة ومنظمة، لكنها هذه المرة لا تبدو معنية بما يحدث خارج حدودها وربما داخلها أيضاً، على الرغم من تحذيرات الخبراء الاقتصاديين والممولين العالميين، مثل "صندوق النقد الدولي" و"البنك الدولي" و"الاتحاد الأوروبي" وكل منظمات الأمم المتحدة المختلفة، من الـ "فاو" إلى "منظمة التجارة" إلى الـ "أونروا" وباقي المنظمات، من أن نقصاً في الغذاء العالمي بدأت بوادره في الظهور لدى دول كثيرة تأثر اقتصادها الضعيف من الأساس بسبب سنوات الإغلاق بعد انتشار فيروس كورونا، وهذه التحذيرات جدية وتزداد تشاؤماً حين تضيف أن أوروبا وغيرها من دول مجموعة الـ 20 مثل كندا وأوروبا الشمالية وأستراليا والبرازيل والأرجنتين، ستشهد نقصاً في الغذاء ولو بنسبة أقل من غيرها، لكن الأمر لن يكون سهلاً على أي دولة من الدول في حال طالت الحرب الأوكرانية وطال زمن فرض العقوبات على روسيا، والتي بطريقة عكسية تؤثر سلباً في الاقتصادات الأوروبية وتحديداً تلك التي تستخدم الغاز الروسي، وآخرها اعتراف المستشار الألماني شولتس بتأخر أوروبا في الاستغناء عن الغاز الروسي.

مداولات مختلفة حول حال الاعتراض العالمي

تختلف الآراء التي يتداولها دارسو حال الرأي العام العالمي ومراقبوها، والرأي الأكثر انتشاراً يقول إن الرأي العام العالمي المؤثر تم تحويله نحو وسائل التواصل الاجتماعي، وفي أحيان كثيرة يكون ذا تأثير ملموس على الأرض كما كان حال الانتفاضات التي وقعت في الدول العربية منذ العام 2011، وكذلك مع "حركة السترات الصفراء" في فرنسا، وحراك الـ 17 من أكتوبر (تشرين الأول) في لبنان والحراك العراقي.

وفي حالات كثيرة يتحول الاعتراض على أي موضوع إلى كرة ثلج كبيرة في غضون أيام قليلة، ثم ما تلبث أن تذوب على شاطئ الأخبار والأحداث المتتالية على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تأخذ بدورها حيزاً كبيراً لأيام عدة، وربما لمدة أطول ولكنها سرعان ما تختفي بعد أن يستنفذ رواد المواقع الحديث فيها، وكأن وسائل التواصل الاجتماعي التي تتيح للأفراد التعبير عن آرائهم بحرية تامة تقريباً، هي نفسها الوسيلة التي تمنعهم من نقل هذا الاعتراض إلى أرض الواقع، طالما يتم تنفيسه في الفضاء الافتراضي.

ويشير المعلقون إلى مثال قريب وهو قضية الممثلين جوني ديب وزوجته السابقة التي طغت لأيام عدة على أخبار الحرب الأوكرانية وعلى معظم الأخبار العالمية، كما حصل مع لكمة ويل سميث في حفل جوائز الـ "أوسكار 2022".

وهناك من الباحثين في اتجاهات الرأي العام مثل الباحث اللبناني في علوم الـ "سوسيولوجيا" وضاح شرارة، من يعتبر أن جماعات الضغط عجلت بعد انتهاء الحرب الباردة وسقوط جدار برلين وتفتت الاتحاد السوفياتي في تبني قضايا لاعنفية جديدة تنم عن الاعتقاد أن فترة سلم طويلة ستأتي، فتحولت هذه الجماعات إلى قضايا محلية وعالمية مثل البيئة وحقوق الإنسان والطفل والمرأة وحقوق الشعوب الثقافية في المجتمعات القديمة، والحفاظ على التراث العالمي وغيرها من القضايا.

وتأكيداً على استنتاج الباحث شرارة، تحولت هذه القضايا إلى قضايا عالمية في مراحل منفصلة خلال العقود الخمسة الماضية، وسيطرت على نسبة كبيرة من مختلف مجموعات الضغط، ومع تحسن الأوضاع الاقتصادية في معظم أنحاء العالم خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، تحولت النقابات العمالية إلى ما يشبه جماعات مشجعي كرة القدم بلا عمل حقيقي تؤديه، وكان هذا الاعتراض السلمي أدى إلى خفوت قوة جماعات الضغط القديمة، وما يؤكد ذلك قدرتها على الحشد بخصوص لقاحات فيروس كورونا، بينما لم تتمكن بعد من الحشد في مواجهة الحرب الأوكرانية أو أي حروب أخرى، سواء في سوريا أو غيرها من الدول، على الرغم من أنها حروب تنتج كثيراً من المهاجرين الشرعيين وغير الشرعيين، وتؤثر في المجتمعات الأوروبية التي تستقبلهم تأثيراً كبيراً، من صعود اليمين المتشدد إلى التضخم الاقتصادي.

وكان معلقون في وسائل الإعلام حول العالم قد عبروا عن استغرابهم من غياب جماعات الضغط في المجتمع الروسي الذي بدأ خلال السنوات العشرة الأخيرة من حكم بوتين يتجه نحو إحلال طبقة وسطى واسعة محل الفقراء الذين خلفهم الاتحاد السوفياتي، على الرغم من الفساد العام في الإدارة، لكن بالطبع يرد متابعون آخرون بما يفعله نظام بوتين بشكل واضح ومباشر من اغتيال المعارضين وملاحقتهم، وفي حال الحرب على أوكرانيا تم إصدار مراسيم تعتبر كل معارض للحرب يعلن رأيه بشكل علني متعاملا مع العدو، وبالطبع فإن مثل هذه القرارات ستسكت جماعات الضغط الروسية المعارضة في ظل نظام حديدي أسسه بوتين خلال العقدين الأخيرين. وبحسب استطلاع للرأي نشرته "هيئة استطلاعات الرأي الروسية" يوم الجمعة الثامن من أبريل (نيسان) 2022، فإن نسبة الروس الذين يثقون في قرارات الرئيس فلاديمير بوتين ارتفعت إلى 81.6 في المئة من نسبة 67.2 في المئة بداية الحرب، أما نسبة من لا يؤيدون إجراءاته فانخفضت إلى 12.9 في المئة، في مقابل 24.4 في المئة قبل العملية العسكرية.

لو لجأنا إلى استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة وأوروبا سنجد أن الأمر مختلف تماماً، ففي استطلاع حديث للرأي أجراه مركز "غالوب" على عينة من 1017 شخصاً من البالغين الأميركيين حول رؤيتهم لتلك الحرب ومدى تأثيرها في بلادهم والعالم أجري خلال مارس (آذار) 2022، تبين أن 42 في المئة من الأميركيين موافقون على أداء رئيس بلادهم مع الحرب الروسية بارتفاع قدره ست نقاط مئوية عن الشهر السابق، إذ بلغت 36 في المئة.

وقد تشير استطلاعات الرأي هذه إلى سبب غياب رأي عام أميركي ضاغط طالما أن الأميركيين راضون عن أداء رئيسهم، أما في أوروبا فقد أظهر استطلاع لعموم أوروبا أجراه "المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية" أواخر يناير (كانون الثاني) 2022، أن هناك إجماعاً مفاجئاً على الأزمة بين الناخبين الأوروبيين، ويغطي الاستطلاع فنلندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبولندا ورومانيا والسويد، وهي دول تشكل مجتمعة ما يقرب من ثلثي سكان الاتحاد، ولدهشة عدد من المعلقين، وربما بوتين نفسه، أدت الحرب إلى استيقاظ حس جيو-سياسي بين الأوروبيين، على ما جاء في تعليق "موقع ساسة الإلكتروني" من واشنطن على النتائج.

وتشير نتائج الاستطلاع إلى أن مخاوف الأوروبيين من الحرب تتفاوت بين دولة وأخرى، وأن الحكومات الأوروبية بحاجة إلى التخطيط لحالات طوارئ مختلفة لمواجهة مثل هذه الأزمات المفاجئة، ولمواجهة الأزمات اللاحقة على هذه الحرب والتي ينتظرها الجميع.

الرأي العام العالمي يتشكل قريباً

هناك رأي رابع حول سبب خفوت الصوت المعترض في العالم دعماً لقضية أو رفضاً لأخرى، مع العلم أن النظر والبحث والدراسات والتقارير التي تتناول رد فعل الرأي العام على القضايا الحالية في العالم ما زالت في مراحلها الأولى، وقد فتح باب الاهتمام بهذا الأمر الحرب الروسية التي فاجأت الجميع وطالت عن الوقت المتوقع من دون أدنى إشارات لزمن توقفها وفق حل سياسي معين.

يقول أصحاب هذا الرأي، ومعظمهم من المحللين الشباب المتخرجين حديثاً من الجامعات الكبرى ويدخل فيها رأي الشباب من أصحاب الأموال التي جنوها عبر عالم الإنترنت ووسائله وبدأت وسائل الإعلام المختلفة حول العالم تستقبلهم كنجوم، بأن منظمات المجتمع المدني والمؤسسات غير الحكومية ومجموعات الضغط على اختلافها تعاني مثل حكوماتها حال ضيق مادية بدأت مع الأزمة المالية في العام 2008، ليشتد الخناق عليها خلال سنوات كورونا التي شهدت فترات طويلة من الإغلاق ومنع التجمعات والاجتماعات، لكن يعتقد معظم هؤلاء أن انفجار الرأي العام العالمي سيأتي قريباً ولا بد، لكن من دون إمكان التكهن بشكل هذا الانفجار، فالتضخم الاقتصادي العالمي سيرتفع بحسب التوقعات مما سيؤدي إلى سقوط قسم كبير من الطبقة الوسطى حول العالم في هاوية الفقر أو على حدوده، والحركات الاحتجاجية القادمة ستكون لها نتائج سياسية كبيرة بدءاً من تغيير الأنظمة في بلدان كثيرة، سواء بالطرق الديمقراطية مثل الانتخابات أو بالطرق العنيفة، لكن الحكام القادمين لن يكونوا من طراز بايدن وبوتين وتشي جينبينغ، فبرأي علم النفس الجماعي ستعبر الأجيال القادمة، بدءاً من الذين بلغوا الـ 18 من العمر قبل عامين واللاحقون عليهم، عن رأيها بشكل مباشر بالأنظمة السياسية وبالقوانين التي تحكمها وتسير عملها، وسيظهر زعماء جدد على شاكلة الرئيس الأوكراني القادم من عالم التمثيل الكوميدي السياسي، ومثل رئيسة وزراء فنلندا التي لم تبلغ الـ 30 بعد وصديقها رئيس وزراء النمسا، وقبلهما رئيس وزراء كندا الشاب ورئيستي وزراء أيسلندا ونيوزلندا.

ويصف علم النفس حركات الجماهير التغييرية بأنها تأتي في المفاصل التاريخية لتقلب وضعا قائماً بات على أهبة الانهيار، أو لتنهي سيطرة أفكار معينة لم تعد مناسبة للمرحلة، تماماً كما حدث بعد الثورة الفرنسية أو ثورة مارتن لوثر كينغ البروتستانتية أو بعد الحرب الثانية حين تم الانقلاب على الأفكار الفاشية والنازية والقومية العنصرية، ومن ثم بعد حرب فيتنام التي أنتجت نوعاً مختلفاً من الاعتراض مارسه طلاب الثانوية والجامعيون والجنود العائدون من الحرب حول العالم، لتنتج منه أنواع من الفنون والموسيقى والأشكال التعبيرية التي تدعو إلى إحلال السلام العالمي، وهذا الاعتراض أوصل الرئيس المقتول جون كينيدي إلى رئاسة الولايات المتحدة، وأنزل الجنرال ديغول عن العرش الجمهوري الفرنسي.

وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي اعتقد الجميع أن العالم الذي يتحول إلى نظام القطب الواحد أدى إلى إنهاء حروب كثيرة سواء داخل الدول أو في ما بينها داخل العالم الثالث، وأنبأ بظهور ديمقراطيات كثيرة في أنحاء العالم من أفريقيا إلى شرق آسيا إلى أميركا اللاتينية، وقدم إلى الواجهة قضايا اجتماعية وسياسية جديدة تدافع قوى الضغط عنها وعلى رأسها مسائل البيئة والتسلح بكل أنواعه إضافة إلى اللاجئين.

وخلال السنوات القليلة الماضية ستظهر الإجابة عن مثل هذه التساؤلات عبر مراقبة تطور ردود الفعل على مجمل الأحداث الرئيسة التي تجري في معظم أنحاء العالم، وتحديداً في أوروبا التي تشهد حرباً وفي الولايات المتحدة التي تشهد تضخماً غير مسبوق، وبتأكيد اقتصادات دول العالم الثالث التي أنهكها كورونا سابقاً.

المزيد من دوليات