Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

 مشردون وقتلة يلتقون في مسرحية "الحضيض" السورية

المخرج عروة العربي قارب نص الروسي مكسيم غوركي في رؤية درامية شاملة

مشهد من مسرحية "الحضيض" السورية (اندبندنت عربية)

لم يضع صُناع مسرحية "الحضيض" حدوداً بين زمن كتابتها والزمن الراهن، وهم إذ استحضروا شخصياتها في استوديو أسعد فضة (المعهد العالي للفنون المسرحية) لم يناوروا في جعل نص مكسيم غوركي (1868-1936) نموذجاً للحال السورية الراهنة وحسب، بل مثالاً ساطعاً عن عالم المشردين والبؤساء واللصوص. فمنذ اللحظة الأولى من العرض الذي أخرجه وأشرف عليه الفنان عروة العربي يدخل الجمهور إلى قلب عالم من الظلام والرطوبة والبؤس، فيعايش المتفرج ذلك الجحيم ما تحت الأرضي وجهاً لوجه، ويصبح جزءاً من الفضاء (سينوغرافيا غيث مرزوقي) في محاكاة لقبو تفوح منه روائح الموت والدسائس والنميمة والفاقة.

العرض الذي امتد قرابة ساعتين من الزمن جاء في الإعداد الجديد (دراماتورج زيد الظريف) لفصوله الأربعة صادماً من حيث تعامله مع حالة فقدان الأمل، وتدحرج شخوصه عبر اللامبالاة نحو نهايات فاجعة. فمن دون أن يغير المُعد في أسماء شخصيات النص الأصلي، أو من المقاطع التي تخللتها أغان روسية ارتجلها ممثلو العرض من قسم التمثيل في المعهد المسرحي بدمشق، استطاع هؤلاء تجسيد حكاية مجموعة من الشخصيات التي عضها الفقر، وأعيتها الحاجة، فلم تجد ملاذاً لها سوى في أحد الأقبية الموحشة التي يملكها مراب عجوز تقوم زوجته الشابة فاسيليسا بتدبير مكيدة لقتله بإغواء عشيقها المتهور وأحد سكان هذا القبو.

صراعات شخصية

وفعلاً لا تتأخر الجريمة، فيقوم العشيق بقتل المرابي الهرم، لكن ليس من أجل الظفر بزوجته، بل من أجل شقيقتها المُستضعفة، وهي هنا حبيبته ناتاشا التي ذاقت أشد أنواع الاستغلال على يدي المرابي وزوجته. لكننا نرى نهاية مؤلمة لآنا زوجة كليش صانع الأقفال، التي تموت هي الأُخرى بعد معاناة مع مرض السل بلا أي اكتراث من زوجها. وقد جاءت هذه الشخصية كمحاكاة ساقها الكاتب الروسي من ذاكرته لمعاناة كان شاهداً عليها وهو لم يزل طفلاً في الثامنة من عمره، إذ كان يرى زوج أمه ينهال بالضرب على والدته التي نهش السل صدرها، وكيف قام غوركي الصغير وقتذاك بالدفاع عنها بيديه الصغيرتين ممسكاً بسكين لمواجهة زوج أُمه الظالم. وهذا ما رمى بالكاتب الروسي مبكراً في عالم المشر دين وعمال المياومة، ودفعه في ما بعد إلى توثيق تلك العوالم القاتمة من الحياة الروسية، والهوة الكبرى فيها بين عالمي الأغنياء والفقراء.

ويلقي العرض الضوء على شخصية لوقا القديس الذي يفد كساكن جديد إلى القبو، فيقوم بالعناية بزوجة صانع الأقفال، والتهدئة من غلواء الشر المتفاقم بين سكان المكان. لكن هذا القديس المتشرد سرعان ما يختفي مع حدوث الجريمة في القبو، إذ إن "الأغنياء وحدهم من يحتاجون إلى الشرف والضمير"، بحسب ما يعلق غوركي على لسان إحدى شخصياته، مُقفلاً الدائرة على ظلام هذا القبو الأقرب إلى كهف شهد حوادث عديدة من انتحار وموت ومرض وقتل. وجعل الكاتب من الحوارات مادةً رئيسةً للعرض، بينما كانت الأحداث بمثابة نتائج لها، وعاملاً لتطوير صراع غير تقليدي بين الشخصيات.

في هذا الجحيم الخالي من الرأفة والتعاطف دارت أحداث العرض السوري، وأسهمت الإضاءة (نواف العطواني) في عكس تبلد مشاعر الشخصيات وقلة حيلتها إزاء ما يجري، لا سيما عبر قطع الديكور التي تكدست في الفضاء. فالأسرّة الحديدية، والمدفأة القديمة، والبطانيات السوداء، والوسائد والفُرش والجدران المتهالكة، جعلت المكان يسهم في تصوير عالم المتشردين، وظروف الحياة القاسية التي يعيشونها، ليختتم العرض السوري برسالة يتركها أحد المنتحرين في القبو المعتم، التي يخاطب فيها بلاداً غير متوازنة وظالمة، خاتماً خطابه بعبارة كتبها على باب غرفته "الحضيض 2022"، في إحالة إلى واقع البلاد، وما آل إليه إنسانها من جوع ومرض وإفقار.

الذاكرة الإنفعالية

الأداء الجدلي كان أبرز ما قدمه المخرج عروة العربي في عرضه مع ممثلي المعهد العالي للفنون المسرحية، وهو مزيج من مدرستي ستانيسلافسكي وبريخت، حيث يسيطر الممثل على أدواته ويلعب في شرط واقعي، مع الحفاظ على المسافة بينه وبين الدور المُسند إليه. وذلك من غير الوقوع في الاستجداء واستعطاف المتفرج، بل في الاتكاء على ذاكرة انفعالية يقظة، ومحاكاة داخلية عميقة للشخصية التي يقوم الممثل بأدائها على الخشبة. وهذا ما يحسب لمخرج العرض والمشرف عليه في استعادة نص عابق بأجواء البؤس الخانقة، وحيث لا وجود لحبكة تقليدية تبدأ من التمهيد فالذروة فالحل، بل هي هنا بمثابة نبش للعالم الداخلي للشخصيات، ومحاولة دفعها إلى ارتكاب الخطأ التراجيدي من دون الإيغال في الميلودراما والنحيب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ضمن هذا الفهم العميق لآلية التعامل مع خمسة عشر ممثلاً وممثلة في فضاء متداخل مع أماكن جلوس الجمهور، جاء "الحضيض" كتورية ناجزة لاستقراء واقع السوريين اليوم. والتقط الإعداد الجديد للنص التناقضات الاجتماعية التي غمز بها المؤلف الجديد من قناة تجار الحرب السورية ولصوصها، وذلك في تخليص النسخة الأصلية من أدبيتها الفائضة (نقلها إلى العربية المصري عبد الحليم البشلاوي)، وتقديم مقاربة أكثر جدة واشتباكاً مع واقع الحال السوري. وهذا ما بدا واضحاً في أزياء الشخصيات ومكياجها، ومقطوعات الموسيقى (تصميم جماعي) التي رافقت أحداث المسرحية بنقلات خافتة ورتيبة، ومن دون أن يقحم المخرج هذه العناصر في الجو العام للعرض.

جاءت هذه العناصر مجتمعةً في سياق الكشف عن فظاظة الإنسان وحياديته المزمنة إزاء القتل والموت، إلا أن اكتظاظ كتل الديكور وتناظرها أدى إلى مشاحنة بصرية، والتشويش أحياناً على الحدث الدائر بين يمين الخشبة ويسارها. وهذا ما كان يستدعي حلولاً إخراجية أكثر مضاءً في توزيع حضور الممثلين وغيابهم، والعمل على تغيير جذري في الرسم الحركي للشخصيات، لا سيما في لحظات الذروة الدرامية. وقد تفاداه المخرج العربي في إبقائه على لحظات صمت بين ذروة وأُخرى، ليعود مجدداً لمتابعة رواية مصائر شخصياته، وصدامها المزمن مع القدر والحظ والخوف من المجهول.

المزيد من ثقافة