وجدي معوّض يمسرح موت مغن شاب في عرض درامي شامل

الكاتب والمخرج الكندي اللبناني يواجه جماليا... خيبات العصر

من العرض المسرحي في باريس (موقع مسرح لا كولين)

يبدأ وجدي معوّض مسرحيّته الجديدة من النهاية. فمسرحيّته "حالة الوفاة المبكّرة لمغنٍّ شعبيّ في أوج عطائه" التي تشارك مع أرثور هيغولان (Arthur Higelin) مهمّة كتابتها، هي مسرحيّة الانهيار والموت كما يشير إليه العنوان. يبدأ معوّض منذ العنوان بالتطرّق إلى الموت والعقم وانهيار أحلام الشباب وخيانة عقائد عمر الشباب والإيمان، ليجد المتفرّج نفسه أمام بطل يخسر الكثير من وجوده وعطائه ويقول بحسرة وعجز: "لا تكمن المشكلة في التوقّف، المشكلة الحقيقيّة تكمن في كيفيّة الإكمال".

يكرّس وجدي معوّض في مسرحيّته الجديدة التي تُعرض على مسرح الكولّين الباريسيّ إنهاك فنّان وخيانته لمعتقداته التي كان متمسّكاً بها في بداية مساره الفنّي. فيسلّط الضوء على "أليس" فنّان في أواخر أربعينيّاته، أرهقته الحياة وأنهكت قواه فكفّ عن الإيمان بالعالم وبالقدرة على التغيير وتحوّل إلى كائن مريض لا يضارع بأيّة طريقة صورة الفنّان الذهبيّ المشرق التي يملكها عنه المعجبون به، معجبون قلّوا عدداً وحماسة وإقبالاً.

الفنّان في عالم اليوم

يبدأ معوّض عرضه والمتفرّج موضوع في خلفيّة المشهد ليتابع الأحداث من الكواليس، وكأنّه يرى ما لا يحقّ له أن يراه ويتطفّل على كواليس فنّان ذائع الصيت يملك قاعدة شعبيّة كبيرة. ويكتشف المتفرّج شيئاً فشيئاً أنّ فنّان معوّض "أليس" بطل مهزوم مريض، فنّان مهزوم يعلن في مقابلة مع صحافيّ -سيكون السبب في سقوطه لاحقاً- أنّه لا يملك رأياً في هموم السياسة ولا في قضايا البيئة ولا في أيّ أمر آخر. فيكون معوّض قد تطرّق بمشهده غير الاعتباطيّ هذا إلى ثيمة بالغة الأهمّيّة في عالم الفلسفة والفنّ والنقد: ما هو دور الفنّان أو المبدع في ظلّ التطوّرات التي تجري في العالم وما هو الموقف الذي يجب أن يتّخذه من محيطه؟ ما هو دور الفنّان في ظلّ الظروف الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة المحيطة به وهل يجب أن يوظّف فنّه لخدمة مجتمعه؟

شكّلت هذه الإشكاليّة نقطة جدال بارزة بين المثقّفين والنقّاد على مرّ العقود. فمن النقّاد من رأى أنّ على الفنّان أن يحمل همّ أرضه ووطنه وشعبه وأن يساهم في التوعية والإنماء، وهذا كان تيّاراً بارزاً في نظريّات الإبداع اعتنقه عدد كبير من النقّاد والفلاسفة من بينهم مثلاً "هيغيل" والنقّاد الماركسيّون والكاتب الفرنسيّ الملتزم "زولا"، فرأوا في المثقّف أو الكاتب أو الفنّان حاملاً لقضايا مجتمعه بأعماله وفنّه، ورأوا أنّ عمل الفنّان يجب أن يحمل قضيّة وأيديولوجيا. ومن النقّاد كـ"غولدمان" و"لوكاش"، مَن وجد أنّ الفنّ لا بدّ من أن يحمل في طيّاته رؤيا للعالم، رؤيا وفلسفة ووعيًا بالعالم المحيط به من دون أن يعني ذلك أيديولوجيا محدّدة بالضرورة. أمّا بعض آخر من النقّاد كالفيلسوف "كانت" أو "رولان بارت" و"تودوروف" وأهل النقد الحديث (New Criticism) مثلاً، فسلّطوا الضوء على العمل بذاته مؤمنين بمقولة "الفنّ للفنّ" من دون ضرورة تحميل العمل همّاً وقضيّة وأيديولوجيا، فركّزوا على بنية العمل وتقنيّته وتماسكه. ومن النقّاد والأدباء كذلك مَن اعتمد تيّاراً معتدلاً، فاعتبر أنّ الفنّ يدمج ما بين جمال الإبداع والبحث عن الحقيقة والوعي الاجتماعي كمثل "أدورنو". وظلّت هذاه التيّارات المتناحرة في حال انشقاق في تاريخ الأدب والفنّ والنقد، وها هو معوّض يأتي اليوم من جديد ليطرح هذا السؤال الذي لا إجابة شافية له: ما هو دور المثقّف أو الفنّان اليوم؟ هل هو كائن منفصل عن محيطه منعتق عنه، أم هو فنّان منغمس في شؤون العالم يجب أن يساهم في تحسين مجتمعه وتوعية أهله؟

موت مزيّف

موضوع آخر لافت بقوّته وتوهّج حضوره في نصّ معوّض هو الموت. يبدأ النصّ بإجهاض "ديزيل" ووفاة طفلها في بطنها؛ و"ديزيل" هي مديرة أعمال الفنّان أليس والمنسّقة الإعلاميّة له. فيبدأ عمل معوّض بالمرض والإجهاض والتعب وفقدان الأمل. ثمّ يحضر "فوستان"، صديق قديم لـ أليس ومدير أعماله السابق ليزيد الطين بلّة. فيذكّر هذا الطيف القادم من الماضي أليس بمعتقداته القديمة وبإيمانه بالموسيقى وبالفنّ وبرغبته الدفينة في تغيير العالم، ويتّهمه بالخيانة. لقد خان الفنّان الخمسينيّ الفنّان الشاب الذي كانه وأدار له ظهره. أضاع "أليس" الخمسينيّ البوصلة وخسر جوهر عمله وفنّه.

فجاء هذا اللقاء بالصديق القديم نوعاً من محاسبة الذات، فهو ضرب من ضروب تأنيب الضمير، ضمير استيقظ ليذكّر الفنّان بتاريخه وقيمه وتمرّده الذي كان فيه في سني شبابه قبل أن ينجرّ خلف المظاهر والقشور. وطبيعيّ أن يخرج الحلّ لهذا المأزق الواقع فيه أليس على لسان صديقه القديم ومرآة نفسه. فيقترح الصديق فوستان أن يزيّف أليس موته وأن يقوم الإثنان بحيلة يدّعيان فيها أنّ أليس توفّي ليتمكّن هذا الأخير من الاستراحة وكتابة الأغاني ورفع الطلب على أسطواناته. ومن الجدير بالذكر أنّ فوستان نفسه مصاب بالعقم فقد خسر أعضاءه التناسليّة منذ فترة وهجر باريس ليعيش في عزلة وهدوء بعيدًا عن الأضواء وصخب المجتمع.

ومع اقتراح فوستان وتزييف أليس لموته، يتحوّل الموت إلى قيامة جديدة، يصبح الموت المزيّف هذا معموديّة وبوّابة إلى فنّ جديد يتوجّه إلى الروح والجوهر يسترجع عبره أليس تمرّده وتوهّجه ويزيل عنه آثار الخيانة التي حصلت.

يتميّز عرض معوّض بديناميكيّته وصلابته وتماسكه. ومَن يتابع أعمال معوّض يرى في هذا العمل قفزة كبيرة نحو الكوميديا، قفزة غير متوقّعة إنّما لا تخفّف شيئاً من قيمة العمل وأهمّيّته إنّما تختلف كبير الاختلاف عن نصوص معوّض السابقة المفعمة بالقوّة والدراما والتراجديا واللحظات الموجعة المؤلمة.

ويبقى الأمر اللافت هو الديكور الرائع المتميّز المتغيّر بين الدقيقة والأخرى، وقدرة معوّض على التحكّم بمسرحه وبمساحاته، فيقسم خشبة مسرحه إلى خشبات كثيرة يستثمرها بحنكة ودهاء ويترك المتفرّج مشدود الأعصاب مترقّبًا طيلة العرض. فينتقل الجمهور مع معوّض من كواليس مسرح، إلى خارج حفل موسيقيّ، فإلى مشهد في إذاعة راديو، ثمّ إلى غرفة منعزلة، فكافيه، فمشهد تحت المطر وغيرها. رعد وبرق ومطر على خشبة المسرح وأضواء متوهّجة أنيقة تساهم في تعزيز سطوة النصّ على الجمهور. أماكن لا عدّ لها ولا حصر يعرضها معوّض ويتحكّم بإخراجها بسلاسة ومهارة نادرة ومميّزة.

ولا بدّ كذلك من التوقّف عند أدارة الممثّلين الخارجة عن المألوف. فمن أداء أليس الفنّان المتلاشي، إلى أداء ديزيل مديرة أعماله، و الحبيبة ماجدا القادمة من أصول لبنانيّة فلسطينيّة، شخصيّات غير متوقّعة وتمثيل رائع وأداء متماسك يرتقي ليحوّل الكوميديا نفسها إلى حبكة تراجي-دراميّة تطرق مواضيع حياتيّة بالغة الأهمّية كمثل التقدّم في العمر، وخسارة قيم الشباب، وخيانة الأيديولوجيات القديمة، والضياع في غياهب الحياة، والحبّ، والأنانيّة، والخوف من الموت، والفقدان، والتغيّر مع مرور الزمن، والكثير غيرها من القضايا الإنسانيّة التي تجعلنا كبشر كائنات دائمة التحوّل ودائمة التفكير والتألّم والتوجّس.

لمسة إخراجية

وتبقى لمسة معوّض الخاصّة والمميّزة واضحة في نصّه وعمله، فيظهر تعلّقه بالميثولوجيا الإغريقيّة عبر جعله أليس بطلاً أعمى يحاكي بعماه الملك الإغريقيّ أوديب الذي أصبح أعمى عندما اكتشف الحقيقة، وكأنّ نور الحقيقة كان أقوى من ان يتحمّله. وهكذا هي حال أليس الذي أصبح أعمى بعد انكشاف حيلة موته المزيّف، وكأنّ عودته من الموت منحته الحقيقة وحوّلت الولادة الجديدة إلى نور قويّ يُعمي الأبصار.

من ناحية أخرى تظهر لمسة معوّض في قصّة شخصيّة ماجدا حبيبة أليس اللبنانيّة الفلسطينيّة الأصل. ولدت ماجدا خارج لبنان لكنّ والديها كانا شاهدين على مجزرة صبرا وشاتيلا التي وقعت العام 1983 وقد سقط والد ماجدا ضحيّتها من دون أن يدري أنّ امرأته حامل. وتعبّر قصّة ماجدا عن وجع اللاهويّة والخسارة الفلسطينيّة، خسارة الأب والأرض والانتماء.

أمّا ما يكلّل وجود معوّض بكلّ ثقله وتألّقه فهو اختياره أغنية فيروز "أذكريني" التي يجعل ماجدا تغنّيها يوم دفن أليس المزيّف، فنرى معوّض يوجّه تحيّة دافئة إلى لبنان وتراثه وفيروزه بهذه اللفتة الجميلة البهيّة. "حالة الوفاة المبكّرة لمغنٍّ شعبيّ في أوج عطائه" مسرحيّة وجدي معوّض الرائع بأعماله ونصوصه ومسرحه، مسرحيّة الموت والانهيار وخسارة الإيمان في إطار كوميديّ يغشّ من الخارج. لكنّه لا ينسى أن يذكّر بالجرح والهمّ الإنسانيّين، همّ الموت والتلاشي والابتعاد عمّا كنّاه في ما سبق، وكما يقول معوّض على لسان بطله المتهافت: "ماذا يبقى في النهاية سوى الخيبة والمرارة؟"

المزيد من ثقافة