Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كوريا الشمالية وكوبا... ماذا يدور وراء حدود "الدول المغلقة"؟

تتمحور ثقافتها الجماهيرية حول العزلة وأغرب ما يدور فيها أن الإنترنت عدو والمعلومة الصادرة من الخارج كاذبة والقادمون عبر الحدود مصدر تهديد

مواطنون يسيرون في موكب للاحتفال بيوم الشمس في كوريا الشمالية   (أ ف ب)

في سالف العصر والزمان، وما تبقى من ثقافات بعضها قريب والآخر بعيد، كان رب البيت يفرض على أفراد الأسرة، لا سيما الإناث، قيوداً على حرية الحركة ونيل الحقوق والتعبير عن المطالب، من بينها أن يكون البيت مغلقاً على سكانه ولا يخرجون منه إلا بحساب ولا يدخله غريب إلا بحسابين.

وإذا كانت هذه هي حسابات البيوت المغلقة على أهلها، فما بالك بالدول المغلقة على سكانها؟ تحركات مرصودة، واتصالات محسوبة، وأسقف طموحات محدودة، واختيارات شخصية وتعليمية ومهنية شبه معدومة، ومعرفة صفرية بما يدور خارج الحدود وربما تهيؤات بأنه ليس في الإمكان أفضل مما هو قائم في البلاد وبين السكان.

غموض كوريا الشمالية

السكان في كوريا الشمالية أكثر شعوب الأرض غموضاً، وما يعرفه العالم عنهم وتفاصيل حياتهم لا يمكن التأكد من صدقيته، سواء كان مصدره ما يكتبونه عن أنفسهم تحت قيود وضغوط، أم ما يكتبه آخرون عنهم بفعل أفكار مسبقة وأيديولوجيات معادية سابقة التعليب، وكلاهما يفتقد الحياد ولا يمكن اعتباره ذا صدقية كاملة لتعذر التأكد.

صدقية أن "المواطنين في كوريا الشمالية يعيشون بين الحياة والموت كل يوم" أو "المواطنون يعيشون في رغد والجميع سعيد" لا مجال للتحقق منها إلا بالحدس، ويقال إن زعيم كوريا الشمالية أو "الزعيم العظيم" كين جونغ أون بدأ يرسخ لأيديولوجية "الكيمجونغونية"، وهي الأيديولوجيا القائمة في المقام الأول على الفصل بين كيم جونغ أون وأسلافه وتأكيد عظمته وحكمته وقيادته الرشيدة.

وعلى الرغم من غياب أي معلومات عن المحتوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي لهذه الأيديولوجية الوليدة، فإن هذا لا يهم كثيراً، فقد سبق "الكيمجونغونية" الوليدة أيديولوجية سابقة هي "الكيمجونغيلية" نسبة إلى والده كيم جونغ إيل، وكذلك "الكيميلسونغية" نسبة إلى الجد المؤسس كيم إيل سونغ، ولم تحمل الأيديولوجيتان كثيراً من الفكر السياسي، بحسب ما هو متاح من معلومات، باستثناء إشهار ابتعاد من الكتلة الشيوعية.

يحملون "ميكي" ولا يعرفون هويته

كتلة أخرى يمثلها "ميكي ماوس" الذي يفترض كثيرون أن الكل يعلم هويته، وهو افتراض غير صحيح في كوريا الشمالية. المصور الفرنسي إريك لافورغ زار كوريا الشمالية ست مرات كان آخرها في عام 2012 موثقاً زياراته بمئات الصور التي ينضح كل منها بكثير عن حياة الناس في إحدى، وربما أكثر، دول العالم انغلاقاً وغموضاً.

وفي المرة السابعة تم منعه من الزيارة بعدما سمع وهو يعلق على ارتداء مجموعة من السياح الإسبان "تي شيرتات" مطبوع عليها صور "الزعيم العظيم" كيم جونغ أون، وأنهم على الأرجح لن يرتدوها لدى عودتهم لبلدهم، وهو ما اعتبرته السلطات في كوريا الشمالية تعليقاً ضاراً بالبلاد.

وفي البلاد، بحسب ما قاله لافورغ لمجلة "بيزنيس إنسايدر"، في مقالة منشورة عام 2019 أن طفلاً في كوريا الشمالية ربما يحمل حقيبة مطبوعاً عليها صورة "ميكي ماوس"، لكنها لا يعلم من هو. المثير والمهم في صور لافورغ هو أنها تحمل ملامح من حياة الناس الذين لا يسمع عنهم أو يراهم أحد باستثناء من يظهرون في عرض عسكري أو احتفال شعبي بعيد ميلاد الزعيم العظيم أو ذكرى تنصيبه أو تأسيس الدولة أو ما شابه.

يقول لافورغ، "النظام يسيطر على كل ما يخرج من البلاد، حتى عندما سمحوا لي بالتقاط صورة لأطفال يبتسمون، فهذا لأنه مفيد للبلاد. ألتقط تلك الصور لأني رأيت جزءاً حقيقياً من الناس سعداء، وأردت توثيق ذلك. وعلى الرغم من أن الكوريين الشماليين خاضعون لعملية غسل دماغ جماعية، فإنهم يعيشون مثل أي شخص في العالم".

زيارات محسوبة

أي شخص في العالم لا يسمح له بزيارة كوريا الشمالية لمجرد رغبته في زيارتها. على السائح أن يكون ضمن مجموعة سياحية يشرف عليها مرشد سياحي كوري شمالي، وعلى السلطات الكورية الشمالية أن توافق على دخوله في منفذ الدخول حتى لو كان حاصلاً على تأشيرة.

وبحسب "الهيئة الوطنية لكوريا الشمالية"، فإن 164 دولة ترتبط بعلاقات دبلوماسية بكوريا الشمالية، لكن العديد من هذه الدول ليس لديها سفير معتمد أو بعثة دبلوماسية لديها، وتوجد سفارات لـ 24 دولة في بيونغ يانغ، وللصين وروسيا قنصليتان في مدينة تشونغ جين شمال شرقي البلاد، كما يوجد مكتب تمثيلي لسويسرا في بيونغ يانغ.

المغامرات القاتلة

مواقع الإنترنت المتخصصة في تبادل المعلومات والنصائح حول السفر والترحال والمغامرة تنصح من يصر على اتباع قواعد المغامرة بأن لا يسافر إلى كوريا الشمالية من الأصل، فالجولة السياحية الرسمية المعدة سلفاً للسياح ليست اختياراً، والتجوال أينما ووقتما شاء الزائر أمر غير وارد، فالزائر عليه أن يذكّر نفسه طوال فترة الزيارة بأن تحركاته وكلماته مراقبة عن قرب، وقد يتم تفتيش مقتنيات الزائر في الفندق، مع العلم أن الفندق نفسه مراقب.

والانحناء أمام تماثيل "الزعيم" أمر غير قابل للنقاش، وانتقاد الزعيم قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وتبادل أطراف الحديث مع المواطنين ممنوع وبالطبع اطلاعهم على ما يجري خارج حدود بلادهم جريمة يعاقب عليها القانون.

في المقابل، تشير مواقع أخرى إلى أن رجال الأعمال الذين يقيمون فترة في كوريا الشمالية يتمتعون بقدر جيد من حرية الحركة، ولكنهم يجبرون على توظيف مساعدين كوريين شماليين.

التقارير الغربية القليلة المكتوبة عن الإعلام في كوريا الشمالية تشير إلى أن النظام يفرض "حال جهل محكمة عارمة" على المواطنين، حيث أجهزة المذياع والتلفزيون يتم ضبطها مسبقاً بحيث لا تبث سوى محطات الدولة، والدولة لا تبث سوى ما تريد أن يعرفه المواطن وليس ما يجري في الدولة أو خارجها بالضرورة، فالغاية هي "حماية" المواطنين من "التضليل والأضرار والكذب ومحاولات تشويه الدولة"، وما أكثرها، لذلك فإن نسبة المواطنين المتصلين بأجهزة متصلة بشبكة الإنترنت ضئيلة جداً.

عدوان الإنترنت في كوبا

شبكة الإنترنت والاتصال بها ليست تحصيلاً حاصلاً في الدول المعزولة أو المغلقة أو الخارجة لتوها من عقود من العزلة، ففي أغسطس (آب) الماضي اتهمت كوبا، إحدى أشهر الدول المغلقة أو التي كانت، مجلس الشيوخ الأميركي بـ "العدوان" لأنه تبنى تعديلاً يطالب الرئيس الأميركي جو بايدن بتأمين اتصالها بالإنترنت لـ "تجاوز الرقابة المفروضة هناك".

كوبا التي ظلت مغلقة أو في شبه عزلة عن العالم على مدى ستة عقود، تتأرجح حالياً بين الخروج من عزلتها والبقاء فيها. عزلة وانغلاق ومعهما سنوات من العقوبات الأميركية، وتوقعات ثبت خطؤها بأنها ستنهار عقب تفكك حليفها الوحيد الاتحاد السوفياتي، ناهيك عن قصص وحكايات أغلبها مغلّف بهالة من الغموض بسبب الغلق والعزلة، ولكنها لا تخلو كذلك من إثارة وجاذبية تجعل من كوبا أكثر دول العالم المغلقة إثارة للاهتمام وحب الاستطلاع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فعلى الرغم من أنها لا تلوّح بسلاح نووي أو صاروخ عابر للقارات بين الحين والآخر، أو تعلن منع الضحك أو تضع معايير بطول شعر الرجال أو تتلقى عرضاً من ألد أعدائها أميركا لتزويدها بلقاحات مثلما فعلت كوريا الشمالية، فإنها تثير كثيراً من الاهتمام. غلق كوبا أبوابها على نفسها وإمعان الإغلاق عبر ستة عقود من العقوبات الأميركية المتجددة منذ إقرارها من قبل الرئيس الأميركي الراحل جون كينيدي عام 1962، بهدف "تقليص التهديد الذي تمثله كوبا باصطفافها مع قوى الشيوعية".

قلوب الكوبيين

60 عاماً من الحصار الاقتصادي الأميركي مرت، وشهد خلالها الكوبيون اعتماداً كبيراً رسخه الرئيس الكوبي الأيقوني الراحل فيدل كاسترو والملقب أيضاً من قبل الكوبيين بـ "الزعيم" على الاتحاد السوفياتي السابق. دعم مالي سنوي يقدر بمليارات الدولارات، وأنظمة صحية وتعليمية جيدة جداً، وعشق مغروس في قلوب الكوبيين تجاه "الزعيم" الذي أبقى على كوبا مغلقة وعلى نظامها الشيوعي قائماً حتى بعدما انهارت قلعة الشيوعية في العالم وتفتت الاتحاد السوفياتي عام 1991.

وعلى عكس كوريا الشمالية، منع فيدل كاسترو الذي يشير إليه الكوبيون بـ "فيدل"، تشييد جداريات أو نحت تماثيل أو إطلاق اسمه على ميادين وشوارع، لكنهم أطلقوا اسمه على أبنائهم وأحفادهم. وحتى بعد وفاته عام 2016 وتقلد شقيقه راؤول كاسترو مقاليد الحكم، أعلن الأخير أن الحكومة الكوبية ستحافظ على رغبة فيدل المتمثلة في عدم إطلاق اسمه على ميادين أو مبان عامة لأنه عارض طوال حياته "عبادة الشخصية".

فيدل كاسترو أبقى على كوبا مغلقة "بالضبة والمفتاح" حتى بعد سقوط الشيوعية في العالم، وانفتحت الأمور قليلاً لكن الفتح كان بحساب، فعقود طويلة و"الحزب الشيوعي الكوبي" هو الحزب الوحيد الرسمي والفاعل والشرعي في البلاد، وأي أحزاب أو حزبيين آخرين خارجون على القانون. وكذلك الحال في مجال الصحافة والفنون حيث الدولة والحزب الواحد والقادة يسيطرون على المحتوى ومقدمي المحتوى وصانعيه، وكل ذلك كان من أجل "حماية كوبا والكوبيين"، وهذه "الحماية" مستمرة إلى حد كبير عبر مراقبة محتوى الإنترنت وما يثار وينشر عليه.

دولة قمعية جميلة

وعلى الرغم من محاولات حثيثة لم تنقطع في تصوير كوبا والحياة فيها من قبل الإعلام الغربي باعتبارها "دولة قمعية" يحكمها ديكتاتور، إلا أن كوبا صدرت إلى العالم صورة لم تخل يوماً من جمال كامن غامض حيث شخصيات مثل تشي جيفارا وأفكار ثورية حماسية طاهرة وكذلك سجائر هي الأشهر "سيغار هافانا" وموسيقى وخيال ساحر هو خليط من الثقافة والغموض، والمؤكد أن كوبا التي يعرفها العالم هي ما يقوله الآخرون عنها أو انطباعاتهم حول سياستها وشعبها إيجابية كانت أو سلبية، أما كوبا الحقيقية فتبقى قيد الاستكشاف الفعلي.

تركمانستان الجديرة بالاستكشاف

دول عدة في العالم جديرة بالاستكشاف، لا سيما أن الملايين لا تعلم عنها شيئاً، وتركمانستان إحدى هذه الدول التي يعتقد بعضهم أنها جزء من تركيا بسبب تقارب الحروف، ويظن الآخر أنها عربية.

هذه الدولة الغامضة تقع في الجزء الجنوبي الغربي من جمهوريات آسيا الوسطى، ويحدها شمالاً أوزبكستان وكازاخستان وإيران من الجنوب وأفغانستان من الجنوب الشرقي وبحر قزوين غرباً، وكانت جزءاً من جمهوريات الاتحاد السوفياتي حتى العام 1991.

وكعادة الدول المغلقة فإن دخول ممثلين عن الإعلام الأجنبي، باستثناء الأتراك، والباحثين أمر بالغ الصعوبة ويخضع لرقابة مكثفة، لذلك تبقى المعلومات المتاحة عن تركمانستان شحيحة للغاية، ويقال إنه حتى وقت قريب لم تكن الحكومة التركمانية تعلم تعداد السكان على وجه التحديد.

وخلال السنوات القليلة الماضية تشير المقالات المنشورة على عدد من المواقع الصحافية التركية والتركمانية إلى أن إجراءات مشددة يتم اتخاذها لحماية الهوية التركمانية عبر منع النساء من الجلوس بجوار سائق الأجرة، مع فرض قواعد صارمة في الملابس والمظهر، حيث تمنع الملابس الضيقة وكذلك مظاهر التجميل الواضحة مثل الرموش الصناعية وطلاء الأظافر وغيرها، لا بقوانين ولكن بعرف صار متداولاً لـ "الحفاظ على الهوية".

رومانسية الاسم

وعلى الرغم من اسم العاصمة الرومانسي "عشق آباد"، فإن الأخبار الوحيدة الحديثة التي لفتت انتباه كثيرين مطلع العام الحالي هو قرار الرئيس التركماني السابق قربان قولي بيردي محمدوف إغلاق "فوهة الجحيم" أو "فوهة ديرويز" الشهيرة حفاظاً على الصحة العامة، فهذه الفوهة مشتعلة منذ سبعينيات القرن الماضي وقت حدث انهيار أرضي أثناء مهمة سوفياتية للتنقيب عن الغاز.

ويقال إن علماء أشعلوا النار فيها لمنع انتشار الغاز، ثم تحولت الفوهة إلى مزار سياحي، لكن الأوامر الرسمية صدرت لإغلاق الفوهة التي بدأت تتسبب في مشكلات بالصحة العامة.

ويبدو أن التضييق على الإنترنت أو منعه تماماً أو تشديد الرقابة عليه هو سمة "الدول المغلقة" أو الخارجة لتوها من الإغلاق، وقبل أسابيع قليلة أمر الرئيس التركماني الجديد سيردار بيردي بتشديد الرقابة على منصات التواصل الاجتماعي لأنها "تعمل على إلحاق الضرر بالقواعد الدستورية في البلاد وتضر النظام الاجتماعي وتنشر الإرهاب والتطرف والأفكار القومية المتطرفة"، وطالب الرئيس وزارة الأمن الوطني بتكثيف عملها الرقابي.

إفساح المجال مع البقاء فيه

يشار إلى أن الرئيس الحالي هو ابن الرئيس السابق محمدوف، وكان أعلن التنحي عن منصبه قبل فترة "لإفساح المجال للشباب" بعدما "بلغ قبل عامين سن النبي محمد صلى الله عليه وسلم".  ويشار أيضاً أن الرئيس السابق احتفظ بمنصبه كرئيس مجلس الشعب للمجلس الوطني الأعلى بعد التنحي.

ميادين تركمانستان وشوارعها لا تحفل بتماثيل أو جداريات "الزعيم" السابق، باستثناء تمثال ذهبي له يمتطي حصانه المفضل على قمة هضبة، وآخر يجري تشييده للحصان وحده الذي يعشقه "الزعيم" السابق والمنتمي لسلالة "أكحل تيكي" النادرة.

دول العالم التي اتخذت قراراً بإغلاق حدودها على نفسها أو الخارجة تواً من الإغلاق، عامرة بقصص مثيرة وحكايات غريبة، وجميعها تم إغلاقها لـ "حماية الشعب" من شرور خارجية ومن أجل الحفاظ على الهوية الوطنية. الشيوعية (السابقة) عامل مشترك في العديد منها، والإنترنت عدو واضح أو مصدر شك وريبة، والإعلام في يد الدولة والمعلومة الصادرة من الخارج كاذبة والقادمون عبر الحدود مصدر تهديد إلى أن يثبت عكس ذلك، وغالباً لا يثبت.