Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سعيد" أشهر قرد سوري لم يعد سعيدا

عاش في المتنزه الشعبي وحيداً منذ 25 عاماً يوزع البهجة على الأطفال الذين ابتعدوا عنه الآن بسبب "جدري القرود"

"السعدان سعيد" اسم أطلقه أهالي مدينة حلب، شمال سوريا، على القرد القابع وسط مدينتهم، دلالة على رسمه البهجة على وجوه الأطفال، ورواد متنزه "السبيل"، حيث يعيش وحيداً في قفصه منذ ما يقارب خمسة وعشرين عاماً، بلا مؤنس أو شريكة حياة، وزاد من عزلته انتشار فيروس "جدري القرود"، ما جعل الناس والأطفال ينفضون من حوله.

الوحدة والوحشة

"السبيل" ذلك المتنزه الشعبي، اكتسب شهرته منذ عقود، من اسم القرد سعيد وارتبط به، فلا تعني الحديقة للأهالي شيئاً من دون أن يكون هذا القرد فيها، إنه أشبه بتراث المدينة، لكن الأحوال تبدلت فأصبح الأطفال يتقاطرون مع عائلاتهم من كل أحياء مدينة الشهباء، مع إشراقة شمس كل صباح، يمارسون ألعابهم ويتسلون بالتجول بين أقفاص الطيور، من البط والأوز والبجع، بينما يمرون على قفص "سعيد" من دون أن يطيلوا المكوث أمامه خشية من الفيروس الجديد.

عبثاً، يحاول "سعيد" أن يتجول في قفصه الحديدي، يبحث عن السر وراء ابتعاد الناس عنه على غير عادتهم، "إنه قرد ذكي، لكني أخشى الدخول إليه" يقولها حارس الحديقة جازماً. يضيف الحارس، "لا أحد يتجرأ على الاقتراب منه فقد استوحش كثيراً، بل من الوارد أن يباغت بالهجوم على الناس، وقد يعضهم بأسنانه"، مستدركاً: "لكن يوجد شخص وحيد هو الذي اعتاد أن يبتسم في وجهه ويخرجه من القفص ويمشي معه في أرجاء المتنزه".

إنه عبد الله الجغل الملقب بأبي حسين رجل متقاعد كان يعمل في المتنزه ذاته ومشرف على أقفاص الحيوانات إجمالاً، لقد تقاعد عن العمل منذ سنوات عديدة إلا أن قلبه الرؤوف بتلك الحيوانات دفعه للقدوم كل أسبوع بشكل تطوعي من قريته البعيدة عن المدينة (حريتان) الواقعة في ريف حلب الشمالي الغربي، ليتفقد أحوال قرد البابون الأفريقي المنحدر من بلاد الهند الحارة والطيور بأقفاصها الكبيرة.

وفي وقت يؤكد الطبيب البيطري المتخصص بمتابعة حالة سعيد، الدكتور معن داوود، "خلوه من أي أعراض أو أمراض معدية، وسط تأمين كل ما يلزم من وسائط حماية ومتابعته بالدواء والرعاية اللازمة"، ينفض الناس بحسرة عن حيوان ألفوه وطالما كان مصدراً لبهجتهم حتى في ظروف الحرب.

سعيد وحكاية "السعادة"

رافقنا حارس الحديقة والقرد سعيد في مشوار صباحي، فبدا الأخير هادئاً، ينظر بعيونه الحزينة إلى أرجاء المتنزه وهو طليق، سوى من حبل حديدي يطوق عنقه، حرصاً على عدم هربه أو مهاجمته للناس، على الرغم من أن علاقته مع الأطفال وشيجة، في المقابل يحرص الصغار على إهدائه بحبات الموز المحببة له.

وتحكي إحدى السيدات وهي تصطحب ابنتها الصغيرة "لقد جئت إلى هذه الحديقة برحلة مدرسية، لا يمكن أن أنسى مشاهدتي السعدان سعيد، وها أنا قدمت اليوم لكي أشاهده مع ابنتي مجدداً، لكننا نخشى عليه من الفيروس".

تبدلت ملامح القرد الكئيبة، وبدت عليه علامات الرضا، بالقفز المتواصل حين مشاهدة صديقه البشري الوافد إليه من بعيد إلى قفصه، كما يمكن أن نلاحظ مدى الهدوء الذي انتابه، وانصياعه التام لتعليماته أو أي أمر يتلقاه من حارسه المتقاعد عكس بقية العاملين الذين رفضهم وهاجمهم.

يقول أبو حسين، حارس الحديقة السابق، 58 سنة، لـ"اندبندنت عربية"، إنه على مدار عقدين من الزمن عاش القرد سعيد وحيداً بعد موت شريكته، وعلى الرغم من مساعي البلدية لاستقدام أنثى له، لكن أجواء الحرب التي عاشتها المدينة حالت دون ذلك، وسط آمال الأهالي بضرورة أن يتزاوج من شريكة جديدة تخفيفاً من وحدته القاتلة أكثر من أي فيروس فتاك، حسب قولهم.

أحمد نصار، مدرس لغة عربية، يعتبر "السعدان سعيد" معلماً من معالم المدينة. يقول، "نزوره بصحبة أطفالنا لكن على الرغم من التسلية التي يمنحنا إياها، نشفق عليه وهو يقبع بهذه الحالة الصعبة"، في حين الطفل يزن يواصل جلب لطعام له أسبوعياً، ويرغب أن تنتهي الجائحة الجديدة، من دون أن تصيب قرد المتنزه بأي مكروه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقفل الحارس القديم أبو حسين باب قفص سعيد، بعد مشوار صباحي، يرمي عليه سلام الوداع عائداً أدراجه إلى بيته، بينما عيون القرد الحزينة لا تكاد تفارقه.

وبعيداً من علاقة الحارس المتقاعد وتعلق القرد به، يخشى الناس مفارقة القرد سعيد الحياة أو إصابته بمكروه، ولعل مرض جدري القرود سلط الضوء على حالته المزرية، وحاجته لتأليف عائلة في قفصه الحديدي، حتى يبقى سعيد، أشهر قرد عرفته سوريا، حاضراً لأجيال قادمة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات