Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قرار هدم مقبرة طه حسين يثير غضب المثقفين في مصر

دعوات إلى إلغاء المشروع وتشييد متحف له وإلى الحفاظ على الثروات الفكرية

طه حسين عميد الأدب العربي (وزارة الثقافة المصرية)

حالة من الجدل والغضب والتساؤلات خلَّفها قرار السلطات المصرية هدم مقبرة طه حسين، في إطار مشاريع توسيع طرق عدة في القاهرة، في الوسطين الثقافي والأكاديمي في مصر، انطلاقاً مما يمثله عميد الأدب العربي من مكانة كبيرة كأيقونة للتنوير والاستنارة في مختلف مجالات الثقافة العربية. فمعروف أن طه حسين (1889 – 1973) من رواد التجديد في مختلف هذ المجالات، فهو درس الأدبين القديم والحديث، والترجمة من اليونانية والفرنسية وكتب في التاريخ الإسلامي، وفي جذور الثقافة المصرية الحديثة والمعاصرة، وترك إرثاً ثقافياً  يهدف إلى بث قيم العقلانية والحرية واحترام حق البشر في حياة كريمة وتعليم يؤدي إلى تنوير أذهانهم. وفي هذا الصدد استطلعت "اندبندت عربية" آراء مجموعة من المثقفين المصريين الذين عبروا عن ضيقهم من الاستهانة بقيمة مفكر كبير عربي بقيمة طه حسين، مطالبين المسؤولين بإيجاد وسائل أخرى تتفادى هدم مقبرته.

وتزامن ذلك مع تصريحات صحافية لمها عون، وهي ابنة منى حسن الزيات حفيدة طه حسين من ابنته أمينة، جاء فيها أنها زارت مؤخراً مع عدد من أفراد الأسرة المقبرة الواقعة في منطقة الأباجية شرق القاهرة ولاحظت العلامة (x) الحمراء على الجدار الخارجي للمقبرة والتي تعني صدور قرار بإزالتها. وحين تحرت الأسرة الأمر عرفوا أن الإزالة ستتم في إطار مشروع لإنشاء محور مروري يحمل اسم الصحافي الراحل ياسر رزق.

وقالت عون إن المقبرة تضم رفات طه حسين وابنته أمينة التي كانت من أوائل الفتيات اللاتي حصلن على شهادة جامعية في مصر، ورفات زوجها محمد حسن الزيات وزير خارجية مصر إبان حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973.

اعتراض المثقفين

يقول خيري دومة رئيس قسم اللعة العربية في كلية الآداب - جامعة القاهرة وأستاذ الأدب الحديث: "إن ما يتداول بشأن النية في هدم مقبرة طه حسين يعد "مصيبة"، فهناك رموز لا تصح الإساءة إلى ذكراهم على هذا النحو. الدولة هنا تناقض نفسها في ما يتعلق بزعمها تبني قيم التنوير ومواجهة الأفكار المتطرفة".

ويضيف دومة: "من حق الأجيال القادمة علينا أن نحفظ لها كل ما له صلة بطه حسين، المفكر والأديب وأستاذ الجامعة، فآثار طه حسين المادية باقية في كلية الآداب بجامعة القاهرة. فحين تعرف أن هذا الكرسي في الكلية قد جلس عليه طه حسين من قبلك تشعر بالرهبة؛ لأنه لم يكن إنساناً عادياً، وحتى الآن نتعامل مع أشيائه على أنها رموز أيقونية مهمة داخل الكلية. وهذه الكلية أصبحت منسوبة إليه، فهو أسس فيها أقساماً أخرى غير قسم اللغة العربية، مثل أقسام اللغات اليونانية واللاتينية والفرنسية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع".

ويستطرد دومة: "لا أستطيع أن أقول ما هي البدائل الممكنة لعدم إزالة مقبرة طه حسين، فأنا لا أفكر مكان الدولة؛ ولكن فقط أنبههم إلى أنهم بذلك يؤذون مكانة مهمة. وقد تكون هذه الخطوة ضد ما يطمحون إليه. ففي بلاد أخرى يجري الاحتفاء بالرموز".

تاريخ مصر

يقول الروائي إبراهيم عبدالمجيد إن طه حسين جزء لا يتجزأ من تاريخ مصر، حارب من أجل الفقراء والتعليم المجاني، وحين كان يزور بلداً عربياً كانت تخرج الناس بالآلاف لاستقباله؛ لأن ثقافته كانت عن الأمة العربية والنهضة، وكان قدوة لآخرين هناك. وهو من طالب أن يشمل التعليم في الأزهر مختلف العلوم، لينفتح طلابه على العالم ويخرجوا من ضيق دائرة التعليم الديني.

وأضاف عبد المجيد: "أمثال طه حسين هم التاريخ الحقيقي للبلاد، وهم من صنعوا النهضة الفكرية والإنسانية في الأمة المصرية، فالمسألة ليست اقتصاداً فقط، والمفترض أن يصنعوا الطرق في أماكن أخرى أو عبر أنفاق أو جسور معلَّقة، مع  مراعاة أن حرمة الموتى مقدسة لدى المصريين منذ القدم".

وأشار عبد المجيد إلى أنه حين يذهب إلى فرنسا يزور مقاهي معينة فقط لأنه جلس فيها كاتب معين، مضيفاً: "هناك مقهى صغير جداً مكتوب على واجهته: "هيمنغواي جلس هنا". وكان يقف أمامه حشد من الناس يريدون الجلوس في هذا المقهى، يدخلون ويشربون القهوة بسرعة لإعطاء فرصة لغيرهم. وفي كل الفنادق التي نزلت فيها في مختلف الدول الأوروبية، كنت أجد عبارات تفيد أن فلاناً من الكتاب أقام هنا، مع وضع كتبه أو تمثال له أو صورة...".

المصلحة العامة

يقول سامي سليمان أستاذ النقد والأدب العربي الحديث في كلية الآداب - جامعة القاهرة: "أعتقد أن إنشاء طريق جديد أو توسيع طريق قائم هو عمل يحقق المصلحة العامة للمجتمع أو للكثير من أبناء المجتمع، وهذا العمل مطلوب من أجل تحقيق النفع العام، وتيسير الحركة في الطرق لا سيما في المناطق المزدحمة. وفي هذا السياق أرى أن إزالة قبور شخصيات عظمية قدمت الكثير لهذا الوطن ستكون أمراً مقبولاً بشرط أن تتم إقامة مقابر أخرى في إطار متميز للشخصيات نفسها بحيث تكون جاذبة للسياحة الثقافية".

وأضاف: "يمكن أن تكون هذه القبور في شكل أقرب إلى متاحف صغيرة يضم الواحد منها متعلقات الراحل، فتتحول بذلك إلى مقرات يفد إليها المثقفون والعارفون بدور هذه الشخصيات في خدمة الثقافة. كما أن كثيرين من أبناء الشعب سيدفعهم وجود هذه المتاحف لأن يبحثوا في تاريخ هذه الشخصية وما قدمته، وبذلك نكون قد حققنا المصلحة العامة وكذلك التقدير الواجب لهؤلاء العظام".

إهانة للمثقفين

يقول الكاتب والباحث السياسي والاجتماعي عمار علي حسن: "أعتقد أن لا سلطة رشيدة ولا حكومة حصيفة ولا دولة تسعى ليكون لها امتداد في الحاضر مثلما كان في الماضي، من الممكن أن تتعامل مع عظمائها من المفكرين والأدباء والفنانين والفلاسفة والعلماء على هذا النحو أبداً. فالأمم المتحضرة تحول قبور هؤلاء إلى مقرات شاهدة على عظمتها وحضارتها. أما السلطة التي تقيم كل شيء تقييماً مادياً فجاً فلا يمكن لها أن تزعم بأي لحظة من اللحظات أنها تريد أن تحدث نهضة أو تقيم  بنيان أمة".

وأضاف حسن: "طه حسين ليس أديباً ومفكراً وناقداً مصرياً فقط، وإنما كان لكل العرب، وهو واحد من صناع النهضة الحديثة وأكثر أدباء مصر معرفة في الخارج، وهو معجزة بكل المقاييس وصاحب أيادي بيضاء على هذه الأمة من خلال تبنيه قضية التعلم. ومن ثم فإن التعامل معه بهذا الاستخفاف، يهين ما يمثله، كما يهين كل المثقفين والعلماء؛ بل يهين الدولة نفسها". ويرى حسن ضرورة إعادة النظر في هذه المسألة؛ لأنها ستزيد من صناعة الحاجز النفسي والثقافي والأخلاقي، بين كل من يمسك بالقلم من أجل أن يبدع وبين سلطة اتخاذ القرار.

استخفاف بالثقافة

يرى الناقد محمد عبد الباسط عيد أن هدم قبر طه حسين يعد استخفافاً بالثقافة وبالرموز، مضيفاً: "في رأيي لو أن الدولة تريد صنع شيء حقيقي، فهو أن تجعل قبر طه حسين مقصداً سياحياً، لأنه أهم مثقف عربي في القرن العشرين بلا جدال، ويجب أن يصنع ذلك مع قبور رموز ثقافية أخرى مثل أمل دنقل وصلاح عبد الصبور".

وأضاف عيد: "على من يصممون الطرق والجسور تفادي مثل هذه الأماكن ذات الرمزية، فالقيمة الرمزية الكبيرة لطه حسين تحتم على الدولة أن تجدد مقبرته وترممها لا أن تهدمها، لأنه ليس ملكاً لأهله بل ملك للثقافة وملك للبلد ولتراثها".

وأوضح أن طه حسين صاحب أفضال على الثقافة المصرية، فهو أهم رمز ثقافي مصري عربي، لكونه مؤسس الثقافة المصرية المعاصرة، وواضع بوصلتها وغاياتها العلمية والمدنية، فالثقافة المصرية تمسك حتى هذه اللحظة بالغايات التي ناضل من أجلها طه حسين.

قوة ناعمة

ويقول أستاذ النقد الأدبي الحديث في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة قناة السويس محمود الضبع إن من الأبعاد التي يعتمد عليها مجتمع المعرفة كما نعيشه، الدمج بين الثقافة والسياحة، وهو ما يحقق مكاسب مادية ومعنوية بمفهوم القوى الناعمة، الذي يعتمد على مرتكزات ثلاثة فقط، هي: العلوم، والفنون، والاقتصاد، ويمزج بينها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويضيف أن هذا المزج يعتمد في الأساس على استثمار جانبين، أحدهما الجانب غير المادي الذي أنتجته الفنون والآداب لتحويله إلى سياحة ثقافية وتحقيق ربحيات عالية منه، والجانب الثاني هو استثمار منازل أومقابر المبدعين والرسامين والفلاسفة والأدباء والفنانين، وتصميم برامج سياحية لها. وهو ما اعتمدته دول عديدة في العالم.

ويلفت الضبع إلى أن هذا الوضع يثير الكثير من التساؤلات: "هل يحدث هذا لعدم الوعي بأهمية هذه المنازل والمقابر وتاريخ أصحابها وإسهاماتهم في صنع الثقافة العربية والفكر الإنساني؟ أم أنه يحدث بسبب هيمنة الرأسمالية الجديدة المتوحشة التي تحتسب كل شيء بمنطق العائد والتكلفة وبالتالي ترى عدم تحقيق العوائد الاقتصادية من هذه المنازل والمقابر؟ أم بسبب عدم القدرة على ابتكار برامج سياحية تستطيع الدمج بين السياحة والثقافة بمنطق اقتصاد المعرفة المتداول عالمياً؟ أم بسبب عدم المعرفة التامة بمفهوم "الصناعات الثقافية" الذي يحقق أهدافاً استراتيجية وربحية لبلدان العالم الواعية به الآن؟

وأوضح أن هذه الأسئلة تحتاج إلى أجوبة من المؤسسات الثقافية والسياحية، لتكشف عن إدراكها بدور التاريخ، وأنه ليس فقط في العودة إلى الماضي، وإنما في المحافظة على الموروث، والإضافة إليه.

المزيد من ثقافة