Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رحلة أخوين فلسطينيين من صناعة الأجهزة التعويضية لتجبير الحيوانات

بدون غرفة عمليات ولا معدات قدم متخصصا الجبائر علاجاً لطيور جارحة ومفترسة وقطط مكسورة الأطراف

بينما كان محمد الخالدي يجهز جبيرة لمصاب بكسر في يده، تفاجأ بضجيج أصوات تنادي عليه "تعال دكتور شوف الحالة، أنقذه يا دكتور، صارله أسبوع ما بيقدر يمشي"، أول ما تبادر إلى ذهن الرجل أن شاباً مصاباً بكسر في قدمه ويرفض تلقي العلاج، فترك ما بيده وأسرع لإنقاذه وتجبير كسره.

لكن ما رآه المتخصص في تجبير الكسور، جعله يتسمر في مكانه، نظر إلى السيارة التي تقل المصاب بتمعّن، فوجد أسداً، يطالبه أصحابه بأن يعالجه ويُعدّ لساقه جبيرة.

عاهة مستديمة أو مخاطرة في علاج الأسد

استغرب محمد في البداية وتفاجأ، فهو متخصص جبائر وتطبيب عظام لكن للبشر، وليس للحيوانات، ولم يسبق له أن تعامل حتى مع قط صغير. "إذا قمت بتجبيره يا دكتور، تكون أنقذته من عاهة مستديمة"، هذه الكلمات التي قالها صاحب الأسد، قطعت شرود ذهن محمد الذي بدا موافقاً على الأمر، "حسناً سأحاول ذلك، أنزله من السيارة".

مرت ساعة تقريباً، حتى أنهى محمد تركيب جبيرة انسيابية تناسب طرف الأسد، بعدما أخذ قياسات قائمته. يعبر عن مشاعره في تلك اللحظة بالقول "نشف الدم في عروقي، لكن تماسكت نفسي قليلاً، وبدأت أدور حول الأسد حتى هدأ قلبي، ثم باشرت العمل، وفي كل لحظة يتحرك فيها، يعود قلبي إلى الخفقان بقوة".

 

 

تحويل المهمة

محمد الخالدي، يعمل بالأساس متخصص جبائر وتطبيب عظام للبشر، يُعدّ أجزاء من الأطراف الاصطناعية وأجهزة طبية لجبر الكسور، وأخرى تخص ذوي الإعاقة وكبار السن، ويصنعها داخل غزة. ويُعتبر مركزه الوحيد في القطاع الذي يجري هذه المهمة ويقدم خدمات طبية مساعدة لنحو 2000 شخص في القطاع، 25 في المئة منهم يحصلون على أطراف اصطناعية، والبقية يحصلون على أجهزة تعويضية مساندة تساعدهم على الحركة في حال تعطل الطرف.

يقوم محمد بهذه المهمة لمساعدة مصابي الكسور أو البتر في غزة، الذين لا يستطيعون شراء أطراف اصطناعية أو أجهزة مساعدة، وعادة ما يوفرها لهم بأسعار رمزية لا تتجاوز في جميع الحالات 100 دولار أميركي. يقول إن غالبية الحالات التي تقصده من مصابي العمليات العسكرية التي دارت بين القطاع وإسرائيل على مدار الأعوام العشرة الماضية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكنه لم يكُن يعلم أن مهمته في تجبير كسر الأسد، ستفتح له باباً في تطبيب حيوانات وطيور كثيرة، تعرّضت لإصابات بالغة الخطورة أثناء عملية نقلها أو في الشارع. وبدأ مهمته الجديدة بتطبيب ومعالجة كسور الحيوانات، بعد زيادة الاستفسارات حول إمكانية عمل جبيرة لكثير من أنواع هذه الكائنات.

ما شجع محمد على هذه الخطوة أن أخاه يوسف أنهى دراسته الجامعية في تخصص الهندسة الحيوانية والبيطرية، وهذا الأمر دفعه أكثر إلى تخصيص جزء من معمله الذي يشبه ورشة الصيانة لمعالجة الحيوانات وتجبير كسورها.

مبدأ إنساني

جاء هذا التحول في العمل للأخوين انطلاقاً من الشفقة على الحيوانات، يضيف محمد "هذه المهمة تأتي في سياق إنساني ومن مبدأ الرفق بالحيوان والرحمة به، إن الحيوانات تتعرض للموت بسبب عدم علاج كسورها، لذلك نوفر خدمات طبية بيطرية بشكل مناسب لها".

وسط تناغم جميل، يعمل الأخوان محمد ويوسف، الذي لا تتعدى خبرته التعليم الأكاديمي حول هندسة الحيوانات والبيطرة. وبدأ يكتسب خبرة مهنية واقعية، وتتمثل مهمته في الكشف على الحيوانات والطيور وتحديد نوع الكسر في قوائمها، وأخذ قياساتها، ثم ينقل الصورة إلى محمد الذي يجهز الجبائر والأجهزة المساعدة لتقديم الخدمة الطبية للحيوان.

يعالج الأخوان الحيوانات من مواد الجبائر المخصصة للبشر، ويصنعانها محلياً بواسطة مواد خام، فبسبب الفقر وصعوبة استيراد السلع والبضائع عبر الحدود الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية والمصرية، يضطران إلى صنع القوالب أو الأطراف الاصطناعية أو الأجهزة المساعدة بنفسيهما للحيوانات من مادة البولي إيثيلين والمركبات المماثلة.

 

 

الحيوانات المكسورة تنفق في غزة

غالباً يستخدم محمد عدداً من الأدوات التي يستعملها الحرفيون، منها المطرقة ومفك الكهرباء وماكينة الحف ومكنسة كهربائية بدل جهاز الشفط الفاكيوم، يقول إنها تؤدي  الغرض ذاته ولكن بشكل أقل فاعلية، فيما يعاني من انقطاع التيار الكهربائي بشكل مستمر الذي يعيق عمله.

يشعر المتخصصان بالمسؤولية تجاه الحيوان الذي يلجأ صاحبه إليهما، خصوصاً أن كسور الحيوانات التي يكشفان عليها تكون قاتلة في كثير من الأوقات، علماً أن 80 في المئة منها تؤدي إلى الوفاة إذا لم تتلقَّ العلاج، ففي غزة لا توجد مؤسسات لرعاية الحيوانات، كما ليس هناك متخصصون محترفون يقومون بهذه المهمة.

مهمة المتخصصين على الرغم من خطورتها تبدو سهلة، لكنها في التطبيق العملي ليست كذلك، إذ تحتاج إلى خبرة عالية بخاصة في عالم الحيوانات والطيور، يقول محمد إنه "استقبل حالات كسور مفتوحة وهي بحاجة إلى عمليات جراحية، لكن لا توجد لدينا غرفة عمليات خارجية متخصصة في الحيوانات".

ومن بين التدخلات البيطرية التي قام بها محمد ويوسف إصلاح وتعديل عظام قطط وكلاب وكذلك طيور بينها صقور جارحة، لكنهما يشيران إلى أن بعض المهمات تجري بالمساهمة مع أطباء البيطرة والهندسة الزراعية الحيوانية في وزارة الزراعة بغزة، الذين بدورهم يشرفون على تركيب الجبائر من ناحية طبية. وبحسب محمد، "فإن غالبية الجبائر لا تتعدى تكلفتها ثلاثة دولارات للحيوانات، ويعتمدان هذا السعر لأنهما يوفران الخدمة بشكل إنساني ومن مبدأ الرفق بالحيوان".

المزيد من تقارير