Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

سكان قرى منكوبة في خاركيف يخشون العودة رغم الانسحاب الروسي

على الرغم من أن القوات الروسية أجبرت على الانسحاب من محيط خاركيف، إلا أن العائلات التي فرت من قراها تحت التهديد بالاغتصاب والقتل لم تعد بعد

امرأة في حالة من القلق والضيق خارج بيتها المدمر في قرية فيلخيفكا في خاركيف (رويترز)

قرر دينيس كوزمينكو أن يهرب من بيته مع عائلته [المكونة من زوجته الشابة وابنته المراهقة] بعدما رأى أماً في مقتبل العمر كانت التجأت إلى مدرسة خلال الغارات الجوية، عندما جرها جندي روسي بهدف اغتصابها.

دينيس هو واحد من بين رجال أوكرانيين كثر قرروا إخراج زوجاتهم وبناتهم من قرية مالا روهان، التي كانت خاضعة للاحتلال الروسي، في أعقاب ذلك الاعتداء الجنسي الفظيع على المرأة البالغة 27 سنة.

ويقول السيد كوزمينكو الذي عاد إلى القرية بعدما استعادت القوات الأوكرانية السيطرة عليها: "لقد رأيت ما حدث في تلك الليلة. فقد اقتاد الجندي تلك المرأة المسكينة أمام عائلتها وعشرات الأشخاص. وأدركت عندها أنه لم يعُد هناك أمان، على الإطلاق".

وتابع كوزمينكو: "عندنا ابنة عمرها 14 سنة، وبطبيعة الحال، شعرنا بالقلق. غادرنا بيوتنا في اليوم التالي، وعائلتي لم تعُد منذ ذلك الوقت. والحال أنني لن أعيدهم في الوقت الحاضر. الأمور لا تزال غير آمنة هنا، ولكل أنواع الأسباب".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكانت صحيفة "اندبندنت" ذكرت في تقرير لها حادثة الاغتصاب تلك في مالا روهان، بالقرب من خاركيف في شمال شرقي أوكرانيا، أواخر مارس (آذار)، وذلك في الوقت الذي أخذت تظهر روايات عن عنف جنسي يمارس على نطاق واسع في أعقاب الغزو الروسي. ومن المقرر أن تبدأ في كييف في غضون أيام المحاكمة الأولى بتهمة الاغتصاب الذي حصل خلال الصراع. وسيجري توجيه التهمة غيابياً إلى جندي روسي اسمه ميخائيل رومانوف، بالاعتداء على امرأة بعد إطلاق النار على زوجها وإردائه قتيلاً.

وكانت ضحية الاعتداء في مالا روهان، وهي أم لطفلة في الخامسة من عمرها، عانت من جروح بالسكين خلال الاعتداء، الذي بدأ بعدما اقتحم جندي روسي مخمور مدرسة القرية كان السكان التجأوا إليها خلال القتال العنيف.

واعتقل المغتصب وهو جندي يبلغ من العمر 19 سنة، يُدعى فلاديمير، واقتيد بعيداً من قبل القوات الروسية بعدما تعرف عليه سكان محليون. وادعى ضباط روس في وقت لاحق أن المهاجم أُعدم بشكل فوري من دون محاكمة.

 

وغادر أفراد عائلة الضحية القرية بعد الاعتداء، وهم لا يعتزمون العودة. وتقول جارتهم إنا شنايدر، "نحن لا نلومهم أبداً. ولماذا تودّ العودة إلى مكان لك فيه ذكريات كهذه؟، أما القرار بنقل الشابات في ما بعد، فكان صائباً. لقد غادرت عشر [عائلات] من هذا الحي وحده. لقد سمعنا بحكايات عما حصل للنساء في أماكن أخرى أيضاً".

وبيّنت الجارة أن "عدداً من العائلات لن تعود في الوقت الحالي. فالناس قلقون بشأن أمور كثيرة؛ لا يريد الناس أن يتخذوا قراراً خاطئاً ويندموا عليه، على الرغم من انسحاب الروس".

وكان الفشل في الاستيلاء على خاركيف، التي تبعد 25 ميلاً فقط عن الحدود الروسية، بمثابة ضربةقاصمة لمحاولات فلاديمير بوتين تقطيع أوصال أوكرانيا.

تعتبر خاركيف ثاني أكبر مدينة في البلاد، إذ تبلغ نسبة الناطقين بالروسية بين سكانها 74 في المئة، وتصدّت لمحاولات متكررة قامت بها القوات الروسية لاقتحامها، ومن ثم قاومت حصاراً مديداً وقصفاً مدفعياً وصاروخياً لا هوادة فيه.

ويُنظر إلى ما يحصل حالياً على أنه نقطة تحول أساسية في مسار الحرب. فالقوات الأوكرانية طردت الروس، واستعادت قرية مالا روهان ومناطق مجاورة لها.

غير أن الناس الذين هربوا من هذه المجتمعات خلال القتال مترددون حالياً في العودة إليها. فهم خائفون من أن يحاول الروس السيطرة على بلداتهم وقراهم من جديد، كما أنهم يشعرون بالقلق أيضاً من الذخائر الحية التي لم تنفجر بعد، والألغام، وبسبب النقص في التيار الكهربائي والماء، ومن الأمراض أيضاً.

 

ولا يزال العثور على جثث روسية ملقاة في الحقول وفي بيوت مهجورة مستمراً. ونبشت مجموعات من الكلاب بعض هذه الجثث التي دفنها السكان في قبور غير مناسبة، بعدما فشلت السلطات في أخذها بعيداً. وأدى الطقس الربيعي الدافئ، ووصول درجات الحرارة إلى العشرين درجة مئوية، إلى إثارة المخاوف حيال التداعيات التي يمكن أن تحدثها هذه الرفات المكشوفة على الصحة العامة.

لقد مُنيت القرية بخسائر جسيمة جراء الاحتلال الروسي والهجمات المضادة الأوكرانية. ودُفن عدد من السكان الذين لقوا مصرعهم في حدائق بيوتهم، نظراً إلى تعسّر الوصول للمقبرة بسبب القتال.

وفي زيارتنا الأخيرة، رأينا جثث جنود روس ملقاة في أزقة القرية، وفي الحقول خارجها، وما زال يُعثر على مثل هذه الجثث حتى الآن هناك. كان أحد هؤلاء القتلى ضابطاً كما يبدو من الشارة على سترته القتالية، يرقد في قبو أحد البيوت وعلى رأسه جرح وفي يده مسدس غراش.

ويقول جندي أوكراني إن الضابط الروسي، "كان محاصراً؛ وربما قتل نفسه بنفسه، من الممكن أن يكون الأمر كذلك". ولا يريد الجندي الأوكراني أن يفتش الجثة بدافع الحذر من احتمال أن يكون رفاق الرجل القتيل فخخوها.

ثمة جثة روسية ملقاة خارج بيت فاسيلي غريغوروفيتش، البالغ من العمر 87 سنة منذ أيام عدة. وهو يتذكر قائلاً، "لقد رأيت أول روسي حي عندما كنت أنظر من النافذة. حاول إطلاق النار عليّ؛ وقد أخطأني لحسن الحظ". ويردف، "وفيما كانوا ينسحبون من هنا في النهاية، جاء ثلاثة آخرون واختبأوا في بيتي، فخرجت وأخبرت الجنود [الأوكرانيين]، فاعتقلوهم. لم يقاتلوا. لقد جرى إبعادهم. ولا أدري إن كانوا من مرتكبي أي جرائم، كتلك التي تعرضت لها المرأة الشابة".

 

وعلى مسافة قريبة، كان يوري سوروكوتيجيان يزرع الثوم والبصل والبطاطا في حديقته المنزلية. وهي بقعة صغيرة واحدة من الأرض، أو تلة، ترسم حدودها أربعة قضبان معدنية. ويشرح، "ربما كان هناك حوالى ستة قتلى روس يرقدون في هذا الحقل. لقد رأيت أيادي ووجوهاً محروقة كثيراً. كانوا يرقدون في الحقل. بدأت الكلاب بنهشهم. فهي لا تزال تأتي لتشتم المكان، أنظر! يقول المسؤولون إنه سيجري إخراج هذه الجثث من القبور [الضحلة]، لكنهم لا يعرفون متى".

ومن جهة أخرى، ثمة عدد من الإشارات إلى وقوع خسائر مادية روسية. ففي دائرة قطرها 500 متر، ثمة ناقلة جنود مصفحة من نوع BTR-80 مشطورة إلى نصفين، ودبابة T-72 يبدو أنها تعرضت لضربة مباشرة من طائرة مسيّرة، ومروحية من طراز Mi-17 أسقطتها "نيران صديقة" روسية، بحسب السكان المحليين.

وفي قمرة القيادة لما كان يوماً ما طائرة مروحية، يوجد "12 لوح شوكولاتة KIND بالمكسرات وملح البحر"، وقد كتبت الشركة الأميركية المصنعة على العلبة: "هدفنا أن تصبح KIND [ومصطلح kind يعني في الإنجليزية "لطيف"] ليس فقط علامة تجارية يحملها لوح شوكولاتة، بل حالة ذهنية ومجتمعية تفضي إلى عالم أكثر لطفاً".

ويقول سوروكوتيجيان، "الأرجح أن الشوكولاتة سُرقت من بيت أوكراني". ويضيف، "لم يكُن هناك مزيد من اللطف في هذه الحرب. هناك عدد من الموتى والبيوت المدمرة ومن أجل ماذا؟ لدينا أصدقاء وعائلات في روسيا. لقد اعتاد الناس أن يعبروا الحدود ليلتقوا مع بعضهم بعضاً طوال الوقت، وهم الآن يقتلون بعضهم بعضاً".

وقد خدم سوروكوتيجيان في أفغانستان وفي ألمانيا كجندي في الجيش السوفياتي. ويذكر أنه "كان هناك أوكرانيون وروس وأوزبك وجورجيون، وكلهم ينتمون إلى الجيش ذاته. كنا نعرف من يقف في جانب من. أما الآن، فتعرّضنا للغزو، ولدينا أشخاص من هذه الدول كلها يقاتلون في أوكرانيا. سيكون هناك كثير من الغضب حتى بعد أن تنتهي هذه الحرب".

إلا أن الغضب ليس موجهاً كله ضد الروس. ويشكو بافلو تشيوكو، 46 سنة، وهو يقف أمام بيته الذي تهشم جراء ضربة صاروخية، قائلاً، "لن أعيد عائلتي إلى هنا. فهناك ألغام وقنابل لم يجرِ نزعها. ونحن أيضاً نشعر بالقلق من أن يصاب أطفالنا بالمرض... كيف يمكن للمرء أن يترك جثث القتلى [مكشوفة في العراء] من حوله من دون أن تتفشى الأمراض؟".

ويتابع، "سيتعين عليّ أن أعيد بناء بيتي بنفسي. لا يقدم المسؤولون أي مساعدة. ونحن نلوم الحكومة المحلية على هذا، فقد اختفوا جميعاً حين جاء الروس، لقد تركنا لنتدبر أمورنا بأنفسنا".

إلا ان المسؤولين لم يذهبوا جميعاً. ومثلاً، فاليري، وهو قاضٍ، أرسل أسرته من أوكرانيا إلى ألمانيا، لكنه بقي في قرية فيلخيفكا.

 

ويقول فاليري، "لم نكُن نعرف ما الذي يمكن أن نتوقعه في البداية. وصلت الدبابات إلى مقدمة هذا الطريق، وجاء بعض الجنود للتحدث إلينا. بدوا مهذبين تماماً أول الأمر. كان عدد منهم من جمهورية دونيتسك الشعبية الانفصالية وكانوا شباباً يافعين".

ويردف، وهو يشير إلى جدران منزله التي بدت مشوهة وقد ملأتها الثقوب، "ثم كان هناك كثير من القتال على الطريق وتكبّد الروس خسائر فادحة. لقد أظهروا جانباً آخر لهم عندما انسحبوا، إذ فتحوا النار فيما كانوا يمرون من أمام هذه البيوت. كان الأمر عبارة عن انتقام".

تعرّضت سيارة عائلة كانت تحاول الهرب للهجوم، ما أدى إلى مقتل ثلاث نساء وطفلين. وتُركت الجثث لأيام قبل أن يجري إخراجها، وكان لا بد من إطلاق النار على كلب أليف لم يكُن يسمح لعمال الإنقاذ بالاقتراب من الرفات.

أما المدرسة الرئيسة في فيلخيفكا، فصارت أشبه بهيكل أسود متفحم بسبب القتال. وتم تدمير بيت أولينا ميخولايفا الذي يقع على الطرف الآخر من الطريق؛ وهي تقيم حالياً في بيت مهجور قريب.

وتقول، "أنا محظوظة، فقد كنت في الملجأ حين تعرض البيت للإصابة. لا أعرف أين سأقيم في نهاية المطاف. نحن نحصل على الطعام من الأشخاص الذين يوزعون المساعدات، ولذا فأنا لا أعاني من الجوع".

يعيش اثنان من أولاد ميخولايفا بعيداً من القرية، وابنتها في الخارج. وهي تشدد على أن الناس يجب ألا يفقدوا ارتباطهم بوطنهم، موضحة، "آمل في أنهم سيعودون إلى هنا يوماً ما". وتضيف، "تعيش عائلتنا في هذه المنطقة منذ أكثر من 300 عاماً. من المهم أن يحافظ الناس على جذورهم حتى في أوقات المحن".

نشرت اندبندنت هذا المقال في 15 مايو 2022

© The Independent

المزيد من تقارير