Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حياتي صارت رهينة اضطراب النهم أثناء الجائحة

أدى اجتماع ظروف بالغة السوء من الوباء وصدمة شخصية إلى العزلة إلى وعيي بضرورة التغيير

يعد البعض الطعام مصدر راحة نفسية في الأزمات  (غيتي)

في خضم أصعب أوقات مرحلة الإغلاق العام، غالباً ما كنت أمازح أصدقائي بقولي إنني مدمنة على خدمة التوصيل "دليفرو". شكل شعار الخدمة الأزرق إغراءً كبيراً بالنسبة لي، وغالباً ما كنت أصارع الرغبة بتصفح خيارات الطعام اللانهائية التي كانت بانتظاري. عندما سادت الحياة درجة كبيرة من انعدام اليقين وأصبح ارتياد المتاجر محفوفاً بالمخاطر أعطتني تطبيقات توصيل الطعام بعض الشعور بالاستقرار ووفرت لي راحة كنت بحاجة ماسة لها.

وحين كان يصدف – غالباً - أن أستسلم وأطلب طعاماً، كنت أندفع وأزيد عدة أصناف إلى السلة الافتراضية: تحولت البيتزا من الحجم الوسط إلى الكبير، وأصبحت شطيرة البرغر شطيرتين فثلاثاً، وكنت أضيف إلى الطلب بعض الأطباق الجانبية والحلوى. لم أقف عند أي حد.

وعند تسلمي الطلبية، أجلس وحدي في غرفة نومي وأتلذذ بكل لقمة. في تلك اللحظة، كنت أشعر بالأمان - وحتى السعادة – وبعدها، بالإشباع لفترة وجيزة، لكن سرعان ما أهوي من علياء هذه الغبطة المؤقتة نحو شعور الإحباط المدمر. ويغمرني شعور شديد بالخزي والذنب وكراهية الذات لأنني أفرطت في الأكل مرة جديدة.

أحياناً كنت أبعد عني هذه المشاعر وأغذي شعوري بالإشباع الجسدي أملاً بأن يملأ ما أشعر به من فراغ عاطفي، لكن ذلك لم يدُم طويلاً. فسرعان ما كنت أعود إلى حالة كراهية الذات والشعور المؤلم بالوحدة، في حلقة مفرغة تبتلعني مثل موجة مد [تجتاحني وتبتلعني]، ثم تلفظني بعد برهة.

مثل الكثير منا، عندما توقف العالم في مارس (آذار) 2020، شعرت بأن الأمور خرجت عن السيطرة كلياً. كنت أسكن في منزل مشترك في لندن، معزولة عن العائلة والأصدقاء وشريكي لمسافات طويلة مع القليل للقيام به على خلاف العمل لساعات طويلة، والمشي في دوائر لا نهاية لها حول الحديقة وتصفح قائمة  Netflixباستمرار. اضطررت إلى مواجهة الشياطين التي استطعت ذات يوم أن أقصيها عني في خضم انشغالات الحياة اليومية الكثيرة.

خلال تلك الأيام القاتمة من غياب اليقين، شكل الطعام راحة بالنسبة إلى أكثر من أي وقت مضى. كافحت لكي أحافظ على نوع من الروتين في يومي، وأصبحت أيامي مع الوقت تتركز حول وجبتي المقبلة، وهو ما فتح الباب أمام طريق صعب ما أزال أسير عليه بحذر حتى اليوم.

عندما تسنّى لي أخيراً الهروب من لندن للبقاء مع شريكي، افترضت بأن عاداتي ستتعدل، ولكن بعد فوات الأوان. تجذر ميلي إلى الإفراط في الأكل قبل ظهور "كوفيد" بوقت طويل وبعد ذلك أصبح جزءاً من حياتي اليومية، تماماً كتنظيف أسناني أو فتح الحاسوب المحمول من مكتبي المؤقت في غرفة النوم. لقد استخدمت الطعام طيلة حياتي كعكاز عاطفي، وكنت اتكئ على الوجبات الجاهزة لكي تعطيني راحة في أوقات الضغط النفسي. كان متنفساً اعتقدت أنه يمكن أن يكون أسوأ بكثير لذلك تجاهلته واعتبرته متعة مليئة بالذنب وليس مشكلة تحتاج إلى حل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعندما أدركت أن وزني قد ازداد خلال الإغلاق، لجأت إلى حمية طعام رائجة، فقد لازمتني عملية الذهاب والإياب بين النهم والحمية منذ سنوات مراهقتي الأولى، حيث كنت أتنقل بين عادات الأكل القائمة على الحرمان الشديد من جهة والإفراط في الطعام بشكل لا تمكن السيطرة عليه من جهة أخرى. وبالنظر إلى مدى تجذر رهاب السمنة في المجتمع، بدا الحرمان الشديد في الأكل طبيعياً بالنسبة إلى أكثر من الإفراط في الأكل - كل النساء اللاتي أعرفهن جربن تقييد تناولهن للطعام بشكل أو بآخر في مرحلة ما في حياتهن.

تظهر الدراسة التي أجرتها منظمة "بيت (إيقاع)" Beat غير الربحية الرائدة في المملكة المتحدة والمعنية باضطرابات الطعام، أن شخصاً من كل خمسين يختبر اضطراب نهم الطعام، أو الشره المرضي، في إحدى مراحل حياته. وهو أكثر شيوعاً من اضطراب فقدان الشهية العصبي، ولكن 47.7 في المئة من الذين يعانون الشره المرضي لا يؤخذون على محمل الجد حين يطلبون مساعدة محترفين. يعتبر الشره المرضي مرضاً يعزل صاحبه ويكتنفه الخجل والسرية.

تقول لي مارثا ويليامز، منسقة الاستشارات السريرية في "بيت": "عندما يفكر المرء في اضطرابات الطعام، يتخيل صورة شابة من الطبقة الوسطى تعاني نقصاً حاداً في الوزن. هذه الصورة لا تمثل أبداً الوضع الطبيعي، وهي تقلل من أهمية تجارب الآخرين. ينظر إلى عدد كبير من الناس الذين يعيشون مع اضطرابات الأكل على أنهم يتمتعون بـ"وزن صحي" أو في أجسام أضخم حجماً، لكنها غالباً ما تكون غير مرئية".

تكلمت عارضة الأزياء ذات الوزن الزائد، تيس هوليداي، بصراحة عن تجربتها مع فقدان الشهية العصبي والارتباط المؤذي بين اضطرابات الأكل والأجساد شديدة النحول. وقالت هوليداي، "عندما قال (الطبيب) فقدان شهية عصبي، ضحكت. فكرت، هل ترى بدانتي؟ لا يمكن على الإطلاق أن ترتبط هذه العبارة بشخص من حجمي [مقاسي]".

أثناء اتباع حمية بعد فترات طويلة من الإفراط في الأكل، عانيت قلقاً كبيراً عندما لم أتمكن من الوصول إلى الأطعمة التي اعتدت تناولها، إضافة إلى الذعر بشأن اتخاذ القرار بشأن طعام العشاء، أو الاضطرار للتبضع في المتجر أو طهي الطعام أمام الآخرين. شعرت عندها بأن الأمر غير منطقي، ولكنه عكس في الواقع معركة داخلية بين السماح لنفسي بتناول الطعام الذي أريد تناوله أو تقييد نفسي عنه.

أما العلامة الفارقة الحقيقية في هذا الصراع النفسي فهي ارتباط رد الفعل هذا ارتباطاً وثيقاً بصدمة عاطفية لم أشف منها عملت لاحقاً على سبر أغوارها مع المعالج النفسي. تعلم دماغي، على غفلة مني، الإفراط في استهلاك الطعام لكي يلبي حاجة عاطفية لم تتم تلبيتها عبر طرق أخرى. كنت أشعر بالذعر من احتمال فقدان عكاز الطعام العاطفي.

تصف ويليامز اضطراب الطعام على أنه "مؤشر على اضطراب عاطفي شديد". وتشرح ذلك بقولها، "معظم الوقت، لا يتعلق الأمر بالطعام نفسه، بل بالمشاعر التي تعتمل تحت السطح. إذا فكرت في الأمر على أنه جبل جليد، تجدين تحت سطح الماء كل الصفات المثالية، كما القلق المرضي، والتجارب الصعبة وما اختبرته من أمور فظيعة، ثم لديك الجزء الذي يراه الجميع فوق سطح الماء، وهو إما الإدمان على أمور مثل الكحول، أو اضطراب الأكل".

 

 

الأمر الثاني الذي أدهشني بشكل خاص لاختلافه عن تجارب أصدقائي في اتباع الحميات الغذائية هو الشعور العارم بالخزي الذي كان يغمرني عندما أتوقف عن اتباع الحمية. عندما عدت في النهاية إلى لندن، تسللت عادات فترة الإغلاق إلى حياتي من جديد. والأسوأ أنها أصبحت أقوى بسبب الخوف الشديد الذي كنت أشعر به عندما توقفت عن اتباع نظام غذائي وغرقت أكثر في الإفراط في الأكل. سرعان ما اشتد خوفي من اتخاذ القرارات "الخاطئة" بشأن الطعام لدرجة أنني توقفت نهائياً عن الطهو. كنت أمتنع بعض الأيام عن الأكل طوال النهار، وأفرط في الأكل ليلاً عندما يشتد جوعي لدرجة تجعلني أستسلم له. كنت أحرم نفسي من القوت الجسدي، ومن الراحة العاطفية أيضاً.

ساعدني العلاج النفسي. وأدركت أنه عندما كنت أحرم نفسي، شعر ذلك الجزء مني الذي يعتمد على الأكل لدواعٍ عاطفية بالخيانة والعار من فكرة أن الإفراط في الأكل "سيئ" لأنه الأمر الذي أشعرني بالراحة خلال أسوأ الأوقات، لكن الطريق نحو التعافي لم تكن مباشرة، بل ساء إفراطي في الأكل فعلياً خلال السنة الأولى من العلاج فيما واجهت خوف حرماني من الطعام. وفوق ذلك كله، كان من الصعب الوصول إلى أصول الصدمة العاطفية التي تسببت بالإفراط في الأكل، ولهذا احتجت إلى الراحة - التي بحثت عنها في الطعام - أكثر من أي وقت مضى.

كان هذا جزءاً صادماً من العملية. مثل حالات الإدمان الأخرى، يمكن أن تكون اللحظة التي تتقبل فيها بأنك تعاني الإفراط في الأكل أكثر اللحظات إشكالية. تشعر بالتحرر والشلل في الوقت نفسه - عرفت بأنني اعتمد على آلية التأقلم المثيرة للمشكلات هذه، ولكنني كنت أقوم بها بشكل أكثر حتى. في النهاية اكتشفت أن دعم الأحبة لك قادر على تغييرك، ووجدت راحة في رؤية الآخرين يكشفون ما في دواخلهم ويتكلمون عن اضطراب بدا لي مخزياً.  

فيما لن أقترح أبداً أنه على أي شخص عانى اضطراب في الأكل أن يلجأ إلى "تيك توك" كمرجع للنصائح الطبيعة، وجدت على المنصة مجتمعاً من المبدعين الذين يتحدثون بصراحة عن معاناتهم مع الأكل المفرط، إضافة إلى خبراء في هذا المجال يشاركون نصائحهم، وهذا ما جعلها وسيلة ساعدتني في تقبل معاناتي.

على هذا التطبيق الذي يهيمن عليه جيل زد أو ما بعد الألفية (Gen-Z) الذي يمتلك وعياً [إلماماً] مذهلاً بشؤونه ومشاعره - المحتوى الذي وجدته كان بعيداً كل البعد عن المهووسين بخسارة الوزن أو الأشخاص الذين يعتبرون أمثالي كسالى أو ضعفاء. يرى أولئك الناس الإفراط في تناول الطعام على حقيقته: مشكلة صحة نفسية. وشاركوا بشجاعة بأن علاقتهم مع الطعام تعود إلى جذور نفسية، وأعجبت بالقوة غير المعلنة في تقبلهم لهذا الواقع.

يشرح أشخاص، مثل توري بايكر التي تبدو حياتها لامعة من الخارج، مع زواجها وطفليها، على تطبيق "تيك توك" بأن تعرضها للاعتداء في طفولتها أرغمها على البحث عن الراحة في الطعام. وبدلاً من أن تقرع نفسها وتشعر بالعار إزاء هذه العادات بعد أن أصبحت راشدة، تستبدل هذا التصرف بالتعاطف والرأفة عبر القيام بأمور صغيرة، ولكن مُريحة بوعي، كأن تحضر لنفسها إفطاراً صحياً بعد إفراطها في الأكل الليلة السابقة، بدلاً من أن تبدأ بحرمان نفسها. وفيما كانت أسباب لجوئنا إلى الإفراط في الأكل مختلفة تماماً، ألهمني استماعي إليها وهي تتحدث برفق مع نفسها أن أتبنى موقف رأفة مشابهاً مع نفسي.

لا شك في أن "تيك توك" شجع على اتجاهات تخلق مشكلات كثيرة في مجال ثقافة الحمية وعادات الأكل، ولكن المجتمع الذي وجدته على المنصة سمح لي بالبدء بتقبل مشكلتي وأظهر لي بأنه من الأسهل كثيراً التعامل مع المراحل القاتمة بوجود حوارات لطيفة.

تشرح ويليامز بأن "إحدى طرق كسر بعض الشعور بالعار المحيط بالإفراط في الأكل هي التحدث عن الموضوع بصراحة. لست أقول إن ذلك يخلص المرء منه نهائياً، ولكن الكلام عنه والتشارك في هذا الأمر يعطي شعوراً بالقوة. لا يعود الأمر مصدراً للخزي ولا يعود ذلك السر القاتم الذي يخفيه المرء".

إن رؤية أشخاص في وضع مماثل يتحدثون بصراحة عن اضطراب نمط أكلهم، إضافة إلى وجود مساحة آمنة للتحدث عنها كان أمراً بالغ الأهمية لشفاء علاقتي بالطعام. كان التحدث بصراحة مع الآخرين بشأن معاناتي التي أخوضها جزءاً جوهرياً من تخليص نفسي من الإفراط المزمن في الأكل.

وبالطبع، فإن قسماً كبيراً من عملية التعافي كان ممكناً بسبب تمتعي بأفضلية الحصول على علاج خاص، فالموارد التي تمولها هيئة الخدمات الصحية الوطنية ليست واسعة بما يكفي لدعم الحاجات المعقدة للذين يعانون الشره المرضي. عندما تصالحت أخيراً مع كوني مصابة بشره مرضي، لم يكن أمامي أن أسلك درب التعافي النفسي فقط، بل كان على التعامل مع الآثار الجانبية الجسدية أيضاً. عندما رأيت لأول مرة خطوط التشققات الزهرية والبنفسجية اللون الممتدة أسفل بطني بعد ازدياد وزني، شعرت بالصدمة. لم أكن قادرة على النظر إليها فما بالك بلمسها. والآن، بعد عامين من العلاج النفسي، وفي مرحلة أكثر صحة مع الطعام، تحولت هذه التشققات إلى ألوان أخف مع وميض فضي وإحساس ناعم ورائع. أصبحت تمثل لي خطوط أمل وتذكيراً بالمسافة التي قطعتها. أعلم بأن دماغي كان يهتم بجسدي حسب الطريقة الوحيدة التي يعرفها. كان يحاول حمايتي من الجراح القديمة.

إن منح نفسي الإذن بأن أتخلص من العار، وأن أحتفل بدلاً من ذلك بعقلي وجسدي لأنهما أوصلاني إلى ما أنا عليه الآن، يشعرني حقاً بالتحرر. فكيف يمكنني أن أخجل من هذا؟

لأي شخص يعاني المشكلات المثارة في هذه المقالة، تم توفير خط الاتصال المجاني الخيري التابع لجمعية "بيت" لاضطرابات الأكل 365 يوماً في السنة، لتقديم المعلومات والمشورة لمن يعاني اضطرابات الأكل، إضافة إلى شبكات الدعم الخاصة بهم، أو اتصلوا على الرقم08458380420

نشرت اندبندنت هذا المقال في 1 مايو (أيار) 2022

© The Independent

المزيد من صحة