Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغرب يستخدم أوراقه الجيوسياسية لاستمالة قوى دولية في ملف "الصحراء"

يرى مراقبون أن الرباط تحاول توظيف تعاونها مع العالم في مجال الهجرة ومكافحة الإرهاب في بناء التحالفات

ترهن الرباط في كثير من الأحيان سياستها الخارجية بمواقف البلدان الأخرى من ملف الصحراء الغربية (وكالة المغرب العربي للأنباء)

راكمت السياسة الخارجية المغربية في الفترة الأخيرة سلسلة "مصالحات دبلوماسية" مع قوى دولية كانت علاقاتها مع الرباط إلى وقت قريب متشنجة ومتوترة إلى حد بعيد، كما حيّدت مواقف دول أخرى بشأن قضية الصحراء المتنازع عليها مع جبهة بوليساريو.
وتُعد قضية الصحراء "الخيط الناظم" في كل هذه المصالحات والتقاربات الدبلوماسية بين المغرب وكل من إسبانيا وألمانيا والولايات المتحدة وموريتانيا ودول أخرى، باعتبار أن الرباط ترهن في كثير من الأحيان سياستها الخارجية بمواقف البلدان الأخرى من هذا الملف.

"لا محبة إلا بعد عداوة"

واستمر توتر العلاقات بين المغرب وإسبانيا قرابة سنة كاملة، بسبب استقبال مدريد، إبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، في الأراضي الإسبانية من أجل العلاج من إصابته بفيروس كورونا، في أبريل (نيسان) 2021، قبل أن يعود البلدان ليتفقا على ما سماه البعض "مصالحة تاريخية" في أبريل 2022، قوامها "بدء مرحلة جديدة من الاحترام والثقة المتبادلة"، وإعلان رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز دعم مقترح المغرب بشأن منح حكم ذاتي لمنطقة لصحراء.

أما في ما يخص الولايات المتحدة، فاستطاع المغرب انتزاع اعترافها بسيادته على الصحراء في آخر أيام ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب. وعلى الرغم من أن إدارة الرئيس الحالي جو بايدن لم تعلن صراحةً أنها تدعم أو تنقض قرار ترمب بخصوص ملف الصحراء، فإن الكونغرس قرر في مارس (آذار) الماضي، منح مساعدات للمغرب تشمل منطقة الصحراء، ما يعني تأييد مخطط الحكم الذاتي.

وتوترت علاقات المغرب وألمانيا بشكل غير مسبوق، عندما استدعت الرباط سفيرتها في برلين في مايو (أيار) 2021، جراء "المواقف العدائية التي تنتهك المصالح العليا للمملكة"، في إشارة إلى موقف ألمانيا من ملف الصحراء، قبل أن تعود العلاقات إلى طبيعتها في الأيام الأخيرة، بعد تفاهمات دبلوماسية بين البلدين.

من جهة موريتانيا، كانت ولايات رؤساء سابقين أكثر ميلاً إلى تأييد أطروحة جبهة البوليساريو، ما كان يضع علاقات الرباط ونواكشوط في "أزمة صامتة" في كثير من الأحيان، قبل أن تتحسن العلاقات الثنائية أخيراً، ويعلن محمد ماء العينين ولد أييه، الناطق الرسمي باسم الحكومة الموريتانية قبل أيام، عن موقف نواكشوط الثابت من قضية الصحراء، وهو "الحياد الإيجابي".

تحول العقيدة الدبلوماسية للمغرب

وانتقد متابعون وباحثون انخراط الدبلوماسية المغربية في توترات وتشنجات مع قوى دولية، مثل إسبانيا وألمانيا، إلى درجة أن مجلة "فورين بوليسي" الأميركية اعتبرت أن "إحدى نقط قوة المغرب كانت تجاوزه موجات المد المتقلبة للدبلوماسية الدولية، لكنه الآن يعيش وسط توترات مع حلفائه".

من جهته، لا يتفق الدكتور محمد الزهراوي، الباحث في مجال العلاقات الدولية، مع الطرح السابق، ويقول إن "المغرب خلال السنة الأخيرة يحاول أن يتموقع بشكل أفضل على المسرح الدولي، سواء على خريطة التحالفات أو من خلال التأقلم بسرعة والاستفادة من التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأردف الزهراوي، "يمكن قراءة خريطة التحالفات التي نسجها المغرب في الآونة الأخيرة انطلاقاً من محاولة فهم انعكاسات وتداعيات هذا التقارب مع بعض القوى الغربية على مصالح المملكة عامة، وقضية الصحراء بخاصة"، مستحضراً أربعة جوانب حيوية تشكل المحرك والدافع بالنسبة للدبلوماسية المغربية.
الجانب الأول، وفق الأستاذ الجامعي، يتمثل في قضية الصحراء، "حيث يُعتبر هذا الملف محدداً أساسياً وجوهرياً يؤطر السياسات الخارجية للمغرب، إذ أسهمت المواقف الجديدة لكل من ألمانيا وإسبانيا تجاه قضية الوحدة الترابية للمملكة في تجاوز كل الخلافات وحالة الجمود والفتور، وصار الموقف من قضية الصحراء المؤشر الذي يمكن من خلاله قياس وتحديد نوع العلاقة ودرجة التقارب والتنافر".

وأما الجانب الثاني، وفق المتحدث ذاته، فهو "التحول على مستوى العقيدة الدبلوماسية، حيث يحاول المغرب أن يوظف مجموعة من الأوراق في الضغط وبناء التحالفات، بخاصة الهجرة والتعاون الأمني في مجال الإرهاب، بالإضافة إلى توظيف العلاقات والتحالفات الجديدة من أجل تليين مواقف بعض الدول واستمالتها، وهو ما مكّن الرباط من إعادة ترسيم علاقاتها وفق أسس جديدة تتجاوز وتقطع مع منطق الابتزاز". ويضيف الزهراوي جانباً ثالثاً هو "التحولات الجيوسياسية ومحاولة التموقع بشكل جيد على الخريطة الدولية، فعلى الرغم من المحاذير والصعوبات والتعقيدات المرتبطة بالمخاض المرتبط ببناء نظام عالمي جديد، فإن المملكة تحاول أن تتموقع بشكل جيد على المستوى الدولي، سواء من خلال تنويع الشركاء واستثمار مصادر الطاقة ومحاولة جعل المغرب منصة تجارية وصناعية".
ورابع الجوانب وفقه، يتمثل في "الريادة الإقليمية، فالأحداث والاضطرابات الأخيرة بين اسبانيا والجزائر بسبب أنبوب الغاز، جعلت المغرب يظهر كشريك موثوق بالنسبة للأوروبيين"، متابعاً أنه "على المستوى العسكري والميداني، فإن امتلاك المغرب أدوات القوة وبناء اقتصاد قوي، إضافة إلى امتلاك مصادر الطاقة، كلها محددات من شأنها أن تقوي مكانة المغرب ضمن الفضاء المغاربي".

منطق "رابح رابح"

من جانبه، يرى زهير لعميم، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة مراكش، أن "توظيف المغرب لموقعه الجيوسياسي وإمكاناته الاقتصادية والثقافية ومرجعيته التاريخية، مكّن الدبلوماسية المغربية من تحقيق نجاحات مرتبطة بالقضايا الحيوية للبلاد، على رأسها ملف الوحدة الترابية للبلاد، إضافة إلى تنمية اقتصادها الفتي، وتطوير الشراكات المؤسسة بمنطق رابح رابح، والتنافس البنّاء عوض الارتهان لمواقف معينة كما كان في السابق".

ويعتبر لعميم أن "هذا العمل الجدي بدأ يؤتي أكله، باعتبار أن ما يحصده المغرب اليوم ليس صدفة، بل نتيجة تراكمات دبلوماسية تمتد إلى أكثر من 20 سنة، اتسمت بالجرأة والمبادرة في إيجاد حلول للأزمات الدولية، ثم نهج براغماتية في الفعل والإنجاز عوض خطاب أيديولوجي ولّى زمانه ولم يعد له ذات البريق في زمن الحرب الباردة".
يتفق لعميم مع الزهراوي بخصوص برهنة المغرب على أنه حليف استراتيجي وموثوق في سياق دولي مضطرب وغير مستقر، ويقول إن "المغرب أسهم في تدبير مجموعة من التحديات والملفات الحساسة، من قبيل محاربة الإرهاب والهجرة وقضايا البيئة والمناخ، فضلاً عن مشاركته بقوة في المؤتمرات والمبادرات ذات الصلة بتحقيق السلم والأمن الدوليين".
ويسجل المتحدث أن "السياسة الخارجية للمغرب لم تعد قائمة على رد الفعل الفجائي كما كانت عليه من قبل، بل باتت تُبنى على تخطيط استراتيجي عماده استقلالية القرار الذي يروم تأمين المصالح الوطنية واستثمارها في خدمة القضايا الإقليمية والقارية"، مشيراً إلى "اعتماد المغرب أيضاً على تنويع الشركاء على المستوى الدولي، ما جلب ثقة الشركاء والفاعلين والقوى الدولية من قبيل إسبانيا وألمانيا وأميركا".

المزيد من العالم العربي