Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قد تعانون من فقر الطاقة من دون علمكم

هل تعيشون في ضائقة مالية؟ وهل تشعرون أن جيوبكم قد أصبحت فارغة؟ هل أصبحتم تختارون بين تدفئة المنزل أو وضع الطعام على المائدة؟ ربما أنكم تتدبرون أمركم لكنكم قلقون؟ لستم وحدكم ــ نصف سكان المملكة المتحدة قد ينضمون إلى الركب نفسه

 مصطلح "الفقر" أصبح مستخدماً في بريطانيا ويشير [إلى طبقة بعينها] معزولة (غيتي)

ماذا يعني مصطلح "فقر الطاقة"؟ لننظر إلى التفاصيل. تعاني الأسرة من فقر الطاقة عندما يفتقر أفرادها إلى القدرة الماديّة على تدفئة المنزل عند درجة حرارة كافية للعيش بشكل صحي ومريح، بعد تدبير تكاليف المعيشة الأساسيّة الأخرى، على غرار الإيجار أو تسديد أقساط القروض المنزلية، وتأمين الطعام وغيره من الضروريات.  

هذا النوع من الفقر ليس بالجديد؛ قلْ إنه مشكلة مزمنة نعاني منها منذ عقود، لكنها كانت في ما مضى مقتصرة على من يعيشون في ظروف [اقتصادية متواضعة] منعتهم من جني ما يكفي من المال لتغطية كلفة الحاجات الأوّلية ــ مثل المتقاعدين الذين يعيشون على نفقة معاشات التقاعد الحكومية وحدها، إضافة إلى الأسر التي عانى أفرادها من بطالة طال أمدها، أو أولئك الذين يعانون أمراضاً مزمنة.  

أما اليوم، فقد تغيّر المشهد. فبحسب مدراء شركات المحروقات، الذين لم تهدأ هواتفهم لفرط الاتصالات التي تلقونها من زبائن يشكون عجزهم عن تسديد الفواتير المتوجبة عليهم، يبدو أن فقر الطاقة أصبح يطاول حوالى 40 في المئة من الشعب. فنصف سكان المملكة المتحدة تقريباً لا يستطيعون دفع فواتير المحروقات التي يحتاجونها للتدفئة. فطبيعة فقر الطاقة تتغير أيضاً.

أظهرت دراسة نشرت في العام المنصرم أن حوالى 22 في المئة من البريطانيين الذين يواجهون فقر الطاقة هم من المتقاعدين، وأن نصف الأسر تقريباً التي عانت فقر الطاقة في 2021 لم تكن بين الأسر التي تحصل على أي نوع من المعونة الاجتماعية الحكومية. إنها عائلات من الطبقة العاملة ــ تتألف بغالبيتها ممن يشغلون وظائف بدوام كامل ــ ولكن رواتبهم لا ترتقي ببساطة إلى مستوى يوازي كلفة المعيشة الحقيقية، وكان ذلك قبل الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة.  

حتى الآونة الأخيرة، نجحت الحكومات المتعاقبة في التغطية على مشكلات ارتفاع أسعار الطاقة عبر مبلغ سنوي يدفع مرة واحدة للمتقاعدين وغيرهم [من ذوي الدخل المحدود]، بحسب ظرف كلّ منهم. أما اليوم، لن يسع أي تدابير مماثلة التمويه عن الأزمة التي تتفاقم بشكل سريع إلى درجة يمكن أن تهدد استقرار الاقتصاد المحلي البريطاني.

فماذا يعني أن نقول إن نصف سكان المملكة المتحدة يعانون من "فقر الطاقة"؟ إذا أخذنا في الاعتبار أن تعريف مصطلح الفقر يتم بشكل نسبي عادةً ــ وهو امتلاك البعض أقل من الآخرين في المجتمع عينه ــ فإن وصف الأزمة التي نواجهها بأنها شكل من أشكال الفقر يخفي حجم المشكلة [الحقيقي].

على رغم أنه من المزعج الاعتراف بالموضوع، إلا أن مصطلح "الفقر" أصبح مستخدماً في بريطانيا ويشير [إلى طبقة بعينها] معزولة. فالسياسيون، وتحديداً أولئك الذين ينتمون إلى اليمين، قد شيطنوا الفقر الوظيفي إلى درجة أنه أصبح مؤشراً إلى العجز والحماقة والفساد. فعندما يسمع الناس بكلمة "الفقر" يفكرون بأنه أمر لا ينطبق عليهم.

اليوم، نواجه موقفاً حيث يمكن تصنيف أقلية وازنة من المجتمع البريطاني ــ نصفه تقريباً ــ تحت شكل من أشكال الفقر، من دون أن يدرك هؤلاء الناس أنه عندما يسمعون مصطلح "فقر الطاقة"، يكون الحديث دائراً عن أوضاعهم المعيشية تحديداً. كيف يمكن أن يصنّفوا هم أنفسهم بدلاً من ذلك؟ قد يقولون إنهم يعانون ضيقاً، ربما؟ أم أنهم يفتقرون للسيولة النقدية؟ أم أنهم غير قادرين على الوفاء بالتزاماتهم؟ أم أنهم عاجزون عن تدفئة بيوتهم؟ أم أنهم في موقف عليهم الاختيار بين تدفئة منازلهم ووضع الطعام على موائدهم؟  

أو ربما يختارون القول إنهم يتدبرون أمورهم، لكنهم قلقون. قلقون من قدوم الشتاء البارد. قلقون بسبب عدم القدرة على تدبير أقساط قروضهم المنزلية. قلقون لمعرفة أين ستنتهي الأمور.

ليست بالمبالغة القول إن تداعيات أزمة الطاقة على الشتاء المقبل ستكون لها عواقب نلمسها لعقود مقبلة ــ على المستويات السياسية والاقتصادية، كما ستترك آثارها على صحة الإنسان. 

عندما يكون نصف سكان البلاد مضطرين لإجراء حسابات دقيقة بخصوص كيف وإذا سيتمكنون من تدفئة بيوتهم، سيترك ذلك آثاراً بعيدة المدى مثل الرطوبة وتجمع المياه الذي قد يؤدي إلى إلحاق الضرر ببنية المنازل (فنحن في بريطانيا لدينا أسوأ أنواع المنازل وأقلها جودة في أوروبا)، الأمر الذي سيسهم في ارتفاع مستوى الإصابات بمرض الربو وغيره من الأمراض التنفسية وأمراض الحساسية بسبب الضرر الذي قد يلحق ببنية المنازل التحتية؛ وإن التخلف عن سداد أقساط القروض السكنية ومستحقات الإيجارات قد تولد أزمة إسكانية، خصوصاً في قطاع المنازل الخاصة بذوي الدخل المحدود حيث ستجف مداخيل عدد كبير من المالكين؛ وتنحسر الإمكانيات المالية المتوافرة التي قد تصرف على [صيانة تلك المنازل]، مما سيؤدي إلى انكماش الاقتصادات المحلية. واللائحة يمكن لها أن تطول.

فما نشهده في المملكة المتحدة ليس مجرد أزمة فقر الطاقة، أو أزمة في قطاع الطاقة. إنها عاصفة تتجمع ومن شأنها أن تقود إلى تغييرات اجتماعية جذرية. فإن عدم التقيد [بالتعليمات أو العصيان المدني] ــ مثل ذلك الذي شهدناه إبان سنوات معارضة محاولات فرض ضريبة بلدية على وجود الفرد poll tax، سيصعب تطبيقه ضد الشركات الخاصة التي توفر تغذية المنازل بالطاقة، لكنها قد تستخدم كتكتيك يقاوم بشكل غير مباشر، فيما يتخلف كثيرون عن دفع فواتيرهم بسبب نقص مواردهم النقدية. وستكون عمليات خدمة جباية الديون لتحصيل ما لم يتم دفعه شبه مستحيلة. 

في النهاية، لا بد من تدخل حكومي. للأسف، إذا أخذنا في الاعتبار أن الأكثر فقراً يدفعون أكثر في الأصل، ومقدماً، مقابل ما يستهلكونه من طاقة في عدادات تعتمد الدفع المسبق، لكن ليس قبل أن تكون العائلات قد عانت شتاء جليدياً في طقس لا يمكن تحمله وفي ظروف غير صحية.

وعندما يحدث ذلك [السيناريو]، علينا أن نتذكر أن معاناتهم ستكون بمثابة خيار سياسي ربما كانوا قد اتخذوه قبل أشهر من تفشي الألم.

© The Independent