Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تحنو السينما المصرية على محدودي الدخل؟

أفلام الغلاء والجشع سلطت الضوء على معاناة المواطنين وارتفاع الأسعار واحتكار السلع وضياع الجنيه أمام الدولار

يعاني الأب في "أم العروسة" أزمة مالية كبيرة تضطره إلى الاختلاس (أرشيف مكرم سلامة)

لم تتوانَ السينما المصرية في التعبير عن مشكلات حياتية تهم المواطنين البسطاء والطبقة الكادحة، وبغض النظر عن تباين مستوى الأفلام التي حاولت أن تكون على الوتيرة نفسها مع معاناة الجماهير في عصور سياسية مختلفة، فإن الثابت أن صناع الفن السابع في المحروسة حاولوا دوماً ألا ينفصلوا عن واقع من يشاهدونهم.

بطبيعة الحال، تمثل قصص الحب والرومانسية قوام أغلب الأعمال التي قدمت في بدايات السينما، لكن أيضاً إلى جانب تلك الحكايات هناك إشارات من هنا وهناك عن حال الناس، سواء في أعمال اجتماعية أو سياسية بحتة، أو حتى في أفلام غارقة في العاطفة والغرام، فقصص جشع التجار وارتفاع الأسعار وأزمات فرق سعر العملة دوماً تجد لها مكاناً، ومحبو السينما يحفظون مشاهد حول تلك الأزمات عن ظهر قلب، قدمها رواد السينما منذ بداياتها.

كوميديا الغلاء

وفي توقيت بات الحديث فيه عن غلاء السلع من البديهيات اليومية التي يتناقش فيها الجمهور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بسبب صعود سعر الدولار الأميركي أمام الجنيه المصري بشكل مفاجئ وسط توترات الحرب الروسية على أوكرانيا، صاحبها ارتفاع تدريجي في أسعار السلع الحياتية، بات استدعاء تلك الأعمال ولو من باب التندر أمراً طبيعياً، بخاصة أن هناك بعضاً من مشاهدها راسخة في الوجدان وأصبحت معبراً أساسياً عن أحوال المواطنين حتى بعد مرور سنوات طويلة، مع اختلاف التفاصيل.

ويأتي المشهد الشهير للفنان عبد الفتاح القصري بفيلم "لو كنت غني" المعروض عام 1942، ليجسد تلك الحالة، حيث يشكو العامل البسيط يونس لمديره ارتفاع أسعار اللحوم والأرز والخضراوات، ويذكر له تفصيلياً ثمنها الذي ارتفع عدة قروش، وهي تساوي حينها مبلغاً كبيراً بالنسبة إلى طبقة العمال والمزارعين، مطالباً بعلاوة لكنه يخرج يائساً بعد أن يُرفض طلبه بكل بساطة.

الكوميديا اللطيفة في الفيلم الذي كتبه أبو السعود الإبياري وأخرجه هنري بركات لا تعني استسهالاً في معالجة أزمة طاحنة تؤثر في صميم الحياة مثل هذه، لكنها كانت وسيلة محببة ومعتادة في التعامل مع المشكلات المجتمعية.

وظلت السخرية اللاذعة هي الطريقة الغالبة للحديث عن مشكلات المعيشة في السينما، وبينها فيلم "لعبة الست" 1946، لنجيب الريحاني، إذ كانت أحداثه تدور في فترة الحرب العالمية الثانية وسط أزمات معيشية حادة يعانيها "حسن أبو طبق" الذي يخسر زوجته بسبب ضيق الحال، ولعدم رغبتها في الاستمرار معه كونه موظفاً صغيراً وهي تطمح إلى أن تكون نجمة شهيرة وثرية، وقد أدى الريحاني الدور ببراعة معتادة، بخاصة أنه تميز في تجسيد شخصية العامل أو الموظف الذي يكافح من أجل توفير أبسط الحاجات في أفلام مثل "أبو حلموس وسي عمر وغزل البنات".

أغنياء الحرب

وعن أجواء الحرب أيضاً وتأثيرها في بعض الطبقات سلباً وأخرى إيجاباً جاء فيلم "غني حرب" 1947، بطولة بشارة واكيم وكمال الشناوي وإخراج نيازي مصطفى، ليلقي الضوء على فئة أغنياء الحرب، بعد أن حقق بعض التجار الثراء الفاحش عقب الحرب العالمية الثانية نتيجة جشعهم واحتكارهم السلع ومن ثم رفع ثمنها من دون رقابة، وإن كانت تلك أفلام خفيفة تحمل الطابع الكوميدي.

وهناك أيضاً بعض الأعمال التي بدت تراجيدية مثل فيلم "السوق السوداء" لعماد حمدي وعقيلة راتب عام 1945، إذ كانت قصته أيضاً تدور إبان الحرب العالمية الثانية وجاء اسمه مباشراً ليعبر عن فكرته، وتنطلق الأحداث بقصة حب، تتعثر بسبب تورط والد العروس في المتاجرة بالسلع بالسوق السوداء واستغلال أزمة الحرب ليتحكم في الأسعار، وحينما يرفض حبيب ابنته هذا التصرف ويصر على الإبلاغ عنه تنشأ أزمات متوالية، حتى يقتحم أهل المنطقة مخزن السلع رفضاً لتصرف التاجر الطامع.

وفي عام 1957 عرض فيلم "الفتوة" تأليف وبطولة فريد شوقي وإخراج صلاح أبو سيف، حول هريدي عمران الرجل الطامح المتطلع الذي يبدأ مشواره بمحاولة الحصول على فرصة عمل في السوق التي تحتكرها مجموعة من الكبار، وسريعاً يصبح تاجراً مستغلاً وجشعاً مثلهم.

وكما هو واضح فإن بدايات السينما المصرية التي عاصرت حربين عالميتين كانت حريصة على توثيق تأثيراتها في المواطنين، وكما يشير الناقد إيهاب التركي فإن شخصية المواطن الفقير المطحون الذي لا يجد قوت يومه نتيجة غلاء الأسعار "سيطرت على عدد كبير من الأفلام حتى ستينيات القرن الماضي". لافتاً إلى أن هناك مجموعة أعمال شهيرة بطلها الموظف غير القادر على تلبية مطلب عائلته، ومنها فيلما "ماعلهش يا زهر"، و"أنا وبناتي"، لزكي رستم والأخير عرض عام 1960، وتناول حياة موظف يحاول ادخار أمواله لبناته الأربع، لكنه يخسرها بعد أن وضعها في شركة استثمارية تبين أنها تحتال على مدخرات المودعين، فقد شهدت فترة الستينيات رواجاً للقصص الاجتماعية في الأفلام وأبرزها "أم العروسة" 1963 قصة عبد الحميد جودة السحار وإخراج عاطف سالم، وبطولة عماد حمدي، الأب الذي يختلس مبلغاً من عهدته المالية في الشركة، ليتمكن من دفع تكاليف تجهيز بناته لتزويجهن، بسبب قلة الدخل مقارنة بعدد أفراد الأسرة، وهي القصة التي تكررت عام 1975 في فيلم "الحفيد" لعبد المنعم مدبولي وكريمة مختار، حين يتعرض الأب للأزمات الاجتماعية نفسها.

الانفتاح السينمائي

ويرى الناقد السينمائي إيهاب التركي أنه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي أصبحت تيمة التاجر المستغل الذي يحاول احتكار السوق فكرة شائعة للغاية في الأفلام، بالتزامن مع فترة الانفتاح الاقتصادي، إذ قدمت في أعمال كثيرة، مثل "شادر السمك" لـأحمد زكي و"سلام يا صاحبي" لعادل إمام وسعيد صالح، و"أهل القمة" لنور الشريف وسعاد حسني، فبات التركيز أكثر على الطرف الذي يرغب في تحقيق ثروة ضخمة من دون وجه حق عن طريق الاستغلال والتهرب من الجمارك وغيرها من الأساليب الخارجة عن القانون، وليس فقط المواطن البسيط الذي يعاني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومن ضمن الأفلام التي تناولت تلك الأزمات كذلك "الفرن" و"السوق" و"كراكون في الشارع" و"هنا القاهرة"، و"لا تسألني من أنا"، كما شهدت تلك الفترة، وتحديداً في عام 1985 عرض فيلم له شعبية كبيرة حول أزمات محدودي الدخل وهو "الموظفون في الأرض" بطولة فريد شوقي، الذي قدم دور "كامل عبد الشكور" المدير بإحدى الشركات الذي تعرض عليه رشوة فيرفضها، وتحت ضغط الحاجة يضطر إلى العمل بالتسول كي يتمكن من الإنفاق على عائلته، ومن الأفلام الحديثة نسبياً "حين ميسرة" 2007 للمخرج خالد يوسف، فقد حرص يوسف في أعماله على التركيز على الطبقات المعدمة وإظهار حال سكان العشوائيات، ولكن أخيراً أصبحت تلك الموضوعات قليلة التناول بطريقة جدية في السينما المصرية بشكل عام.

الجنيه والدولار

اللافت أنه كان من النادر التطرق إلى قيمة الجنيه المصري أمام الدولار الأميركي في الأفلام، حيث حدث ذلك في مرات قليلة، بينها فيلم "المليونير" لإسماعيل ياسين عام 1950، حين كان يساوي الدولار حينها عشرين قرشاً، وأيضاً فيلم "الرجل الثاني" لسامية جمال ورشدي أباظة الذي عرض عام 1959، ووقتها كان الدولار يعادل أقل من نصف جنيه مصري، وكان أحدهم في الفيلم يحاول تغيير تلك العملة بسعر أعلى من البنوك الرسمية وبطرق غير مشروعة.

وفي فيلم "البيه البواب" عام 1987 كان هناك حديث هامشي أيضاً عن سعر الدولار الأميركي أمام العملة المصرية، حيث اقترب حينها من الجنيهين، وكان ارتفاع سعر الدولار أيضاً أمام الجنيه المصري من ضمن المشاهد البارزة في أفلام مثل "بخيت وعديلة" 1995، و"أصحاب ولا بيزنس" عام 2001، وكذلك "عسل أسود" الذي عرض عام 2010 من بطولة أحمد حلمي.

المزيد من سينما