Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

شح الدخل يدفع المكتبة البريطانية إلى تأجير قاعات القراءة

تحويل صالات إلى مساحة عمل مدفوعة يثير غضب أكاديميين ويعيد السؤال حول وظيفة المنشآة

تأسست المكتبة البريطانية رسميا في الأول من يوليو (تموز) 1973 (غيتي) 

ملخص

أعلنت المكتبة البريطانية في الـ21 من أكتوبر (تشرين الأول) الجاري خطة لتحويل قاعات القراءة المخصصة للعلوم والعلوم الاجتماعية، وهي ثلاث قاعات من أصل 11 في مقرها اللندني، لمساحة عمل مدفوعة الأجر تفتح أمام الشركات والعاملين المستقلين عام 2028، وبررت المكتبة الخطوة بالحاجة إلى دخل جديد يحمي مجانية خدماتها الأساسية، في ظل تمويل حكومي ثابت واحتياطات تراجعت إلى 41.2 مليون دولار، وعجز متوقع خلال الأعوام المقبلة، فيما يرى أكاديميون أن المؤسسة تقتطع من وظيفتها البحثية، قبل أن تتعافى من الهجوم الإلكتروني الذي شلّها عام 2023، وتصل الأزمة إلى مكتب رئيس تنفيذي جديد يتسلم مهامه في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

جاء الإعلان في رسالة إلكترونية دورية إلى قرّاء المكتبة الوطنية في بريطانيا، بين أخبار تحديث الخدمات وإعادة تشغيل الأنظمة، وفي سطر واحد منها كشفت المكتبة أنها ستبدأ العام المقبل العمل على تحويل قاعتي العلوم والعلوم الاجتماعية إلى مساحة عمل مرنة، تولّد مصدر دخل جديداً.

 وأوضحت الرسالة أن المساحة المجهزة تقنياً ستكون متاحة للإيجار أمام العاملين والشركات للعمل المشترك والتعاون والاجتماعات، وستكون إلى جانب المساحات المجانية المخصصة للدراسة والاطلاع على المجموعات.

والحديث عملياً عن ثلاث قاعات، فالمكتبة تضم 11 قاعة قراءة في لندن وقاعة واحدة في يوركشاير، وقد أكدت أن خدمات العلوم والعلوم الاجتماعية ستنقل إلى قاعات القراءة الثماني الأخرى في المكتبة.

وقال متحدث باسم المكتبة إن الخطوة جزء من إستراتيجية "تنمية المعرفة"، وهي برنامج يمتد لستة أعوام بغية وضع المكتبة على أساس مالي أكثر استدامة، وستفتح المساحة الجديدة عام 2028، مع الحفاظ على المستوى نفسه من الدعم المتخصص للبحث، مضيفاً أن المساحة ستتيح للشركات والباحثين ورواد الأعمال العمل في قلب "حي المعرفة"، وأن عائداتها ستعاد للمكتبة لإبقاء خدماتها الأساسية مجانية.

ولم يتأخر رد الوسط الأكاديمي، فقد عبّر الزميل المشارك في "الجمعية الملكية للتاريخ"، سايمون هارلي، عن قلقه من أن المكتبة تشرع في خطة طويلة الأمد، بينما لم تعد خدماتها بعد لمستواها السابق للهجوم الإلكتروني.

ورأى أستاذ التاريخ الدولي في "جامعة ليفربول"، جون مورز جيمس كروسلاند، أن المكتبة تسير منذ الهجوم في طريق تردٍ متواصل للخدمة، أما زميل التاريخ القديم في "جامعة أكسفورد"، جورجي كانتور، فوصف خطط فرض الرسوم بأنها "مروعة تماماً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في المقابل، ذهبت نائب رئيس "الأكاديمية البريطانية لشؤون البحث وسياسات التعليم العالي"، مارغو فين، إلى أن المشكلة الجوهرية تبقى كلفة الاختراق الذي وقع عام 2023 وتبعاته، إذ أكل من احتياطات المكتبة ومن قاعدة مستخدميها، وأن السعي إلى دخل من قاعة واحدة قد يكون خطوة ضرورية للبقاء، ما دام الموظفون المتخصصون ينقلون إلى قاعات قائمة، ولم يشارك أستاذ التاريخ الثقافي الحديث الفخري في "جامعة كامبريدج"، بيتر ماندلر، المعترضين مخاوفهم، إذ قال إنه لم يفهم يوماً حاجة العلوم الاجتماعية إلى قاعة مستقلة، وإن القاعة عادة قليلة الرواد، لكنه تساءل عن مصير المراجع المتاحة على الرفوف المفتوحة في القاعات المعنية.

وانتقل الجدل من الصحافة الأكاديمية إلى صفحات الرأي، فكتب آندي بيكيت في صحيفة "الغارديان" أن أي مبنى عام واسع يبدو قليل الاستخدام يصبح هشاً، في بلد مزدحم يعاني شح المال العام، وأن الطابع المفتوح والمجاني للمبنى قد يُقتطع منه تدريجياً.

ويستدعي تفكيك الخطة تصحيح انطباع شاع في التداول، وهو أن المكتبة ستؤجر قاعاتها مقرات دائمة لشركات بعينها، فما أعلنته هو مساحة عمل مشترك تُستأجر بحسب الحاجة، أقرب إلى نموذج المكاتب المرنة منها إلى عقود إيجار تجارية طويلة، وهذا لا ينفي جوهر الاعتراض، فالقاعات ستخرج من الاستخدام البحثي المجاني إلى الاستخدام المدفوع، لكنه يضع حجم التحول في إطاره الفعلي.

وثمة مفارقة أخرى تكشفها طبيعة المبنى نفسه، فالمكتبة تحولت منذ أعوام إلى مساحة عمل مجانية بحكم الواقع، وقال الشريك في مكتب "ميك" للهندسة المعمارية، فرانك فيلسكوف، إن مكاتب العمل التي صممت لنخبة المستخدمين استولى عليها الطلاب والمسافرون عبر لندن، ممن يحتاجون مكاناً للعمل ساعة أو ساعتين، وبعبارة أخرى لا تخترع المكتبة نشاطاً جديداً، بل تحاول تسعير ما يجري في ردهاتها مجاناً.

وجذور القرار مالية قبل أي شيء، ففي تقريرها السنوي لعام 2025 -2026، الذي قُدّم إلى البرلمان في يوليو (تموز) الماضي، بلغت المنحة الحكومية من وزارة الثقافة والإعلام والرياضة 192 مليون دولار، أي 84 في المئة من إجمال دخل بلغ 228.7 مليون دولار، في حين بلغ الإنفاق 236.2 مليون دولار، وتراجعت الاحتياطات العامة غير المقيدة من 63.8 مليون دولار إلى 41.2 مليون دولار، في مقابل حد أدنى تفرضه سياسة الاحتياطات مقداره 20.8 مليون دولار.

ويتوقع التقرير صراحة أن يتجاوز الإنفاق والاستثمار الرأسمالي الدخل خلال العامين المقبلين، وأن تنخفض الاحتياطات إلى ما يقارب الحد الأدنى، مشيراً إلى أن التسوية الأساسية للمنحة ستبقى ثابتة عام 2026-2027، مع مساهمة استثنائية لمرة واحدة مقدارها 815 ألف دولار.

وخلص مجلس الإدارة، بحسب التقرير، إلى أن ضغط الكُلف المتزايدة وتراجع المنحة بالقيمة الحقيقية، على مدى طويل، يفرضان الانتقال سريعاً إلى نموذج مالي يقلص الاعتماد على التمويل العام، ويزيد التمويل التجاري والخيري والبحثي، لمواصلة تقديم الخدمات الأساسية مجاناً، ولم تحقق الأنشطة التجارية الحالية هدفها، إذ بلغ الهامش التجاري 10.9 مليون دولار، في مقابل هدف مقداره 11.5 مليون دولار.

 

لا يمكن فصل الأرقام عن سياق مؤسسي مضطرب، فقد عانت المكتبة تبعات هجوم إلكتروني كبير عام 2023 أصاب كثيراً من مواردها البحثية الرقمية، ولم يتعافَ بعضها بعد، ثم جاء نزاع الأجور، فشارك 292 موظفاً في الإضراب بما يعادل 3432.5 يوم عمل، قبل التوصل إلى تسوية مع النقابات في يناير (كانون الثاني) الماضي، وفي خضم ذلك غادرت الرئيسة التنفيذية ريبيكا لورانس منصبها بعد أقل من عام، في منتصف إضراب الموظفين.

أما الخطة نفسها فليست قطيعة مع ماضي المكتبة، ففي مايو (أيار) 2005 حصلت المكتبة على 1.33 مليون دولار من "وكالة تنمية لندن" لتحويل اثنتين من قاعاتها إلى مركز الأعمال والملكية الفكرية، وشمل مشروع التوسعة منذ بداياته، وفق أهدافه المعلنة، توفير مساحات مرنة لشركات ومؤسسات ومنظمات بحثية، من خارج المكتبة، تسعى إلى العمل في قلب "حي المعرفة".

وتبلغ كلفة التوسعة 1.47 مليار دولار، ومن المتوقع إنجازها بحلول عام 2032، والفرق هذه المرة أن التحويل يطاول قاعات قائمة لا مساحات جديدة، وأن مركز الأعمال عام 2005 حمل وظيفة خدمة عامة، أما المساحة المقبلة فوظيفتها المعلنة توليد الدخل.

وأرقام الاستخدام تقدّم مؤشرات متضاربة، فقد استقبلت قاعات القراءة في "سانت بانكراس" و"بوسطن سبا" أكثر من 160 ألف زائر خلال عامي  2025 - 2026، وارتفع الرضا إلى نحو 93 في المئة من 88 في المئة، وإن بقي دون الهدف البالغ 96 في المئة، وتجاوز عدد المواد المطّلع عليها في القاعات الهدف المحدد، لكنه وفق التقرير لا يزال أدنى بكثير من مستواه قبل الهجوم الإلكترونين وهنا تحديداً تكمن حجة الطرفين، إذ ترى الإدارة في تراجع الإقبال دليلاً على فائض المساحة، ويرى المعترضون فيه نتيجة لأزمة لم تُحل بعد، لا مبرراً لإعادة التوزيع.

وتصل هذه الملفات كلها إلى مكتب بول بيت، الرئيس السابق لوكالة الفضاء البريطانية، الذي يتسلم منصب الرئيس التنفيذي للمكتبة في الرابع من نوفمبر المقبل، خلفاً للرئيس التنفيذي الموقت جيرمي سيلفر، وأمامه ثلاثة مسارات: الأول المضي في الخطة كما هي، والثاني تنفيذها بشروط، أي الإبقاء على المشروع مع ضمانات علنية، تشمل مصير المراجع على الرفوف المفتوحة، وعدد الموظفين المتخصصين بعد النقل، والعائد المالي المتوقع من المساحة، أما المسار الثالث فيتمثل في تجميد المشروع ريثما يُجري الرئيس الجديد مراجعته الخاصة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير