Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحرب الروسية الأوكرانية تطرح سؤالاً عن دور الثقافة

الانغلاق والتعصب في زمن الأزمات يُفضيان إلى اندثار الحضارات وزوال السمات الإنسانية

الحرب والسلام بريشة بيكاسو (متحف بيكاسو)

لمّا صدر كتاب "أزمة الثقافة" للكاتبة الألمانية الأميركية حنة آرندت، عام 1956، كان العالم ينفض عنه غبار حربين عالميتين أزهقتا عشرات الملايين من الأرواح، ودمرتا من المدن، وأهلكتا من الموارد ما كان كفيلاً بإعمار المعمورة ومدّ سكانها بالغذاء والكساء والعلم لأجيال مديدة، لو كرّست تكاليفها للسلم. والكتاب كما بات معروفاً تعالج فيه الفيلسوفة مفاهيم عديدة، منها مفهوم السلطة، والتاريخ، والحرية، والأزمة الاقتصادية، والأزمة التربوية، وأزمة الثقافة، باعتبار الأخيرة مسؤولة جزئياً عن إيجاد الحلول لباقي الأزمات، ما دامت الثقافة بنظرها "مجموعاً من السمات الروحية والمادية والعاطفية والفنية والقيمية والتراثية".

ينخرط الغرب وأوروبا الشرقية  اليوم في حرب طاحنة على أرض أوكرانيا، تخوضها روسيا لأطماع وثارات قديمة، ويجب على العالم أن يُعاود النظر في المسألة نفسها التي عالجتها آرندت، عنيت: مكانة الثقافة والفنون في مجتمعاتنا، الغربية منها والشرقية، المتقدمة صناعياً وتكنولوجياً، والمتخلفة والنامية على حد سواء، ودورها الحالي والمستقبلي في أحياء المجتمعات وتنميتها.

سؤال تلاقي الشعوب

والحال أنه، في ظل النزاعات الجماعية والصراعات الشديدة حول الهوية، كما هو حاصل في أوكرانيا، وما لا يزال جارياً في الشرق العربي، وفي الكثير من دول العالم وشعوبها السائرة على درب سلامها واستقرارها المزدحم بالصراعات والمشاكل، يطرح السؤال الجوهري: هل من سبيل إلى تلاقي الشعوب وتجاوزها خلافاتها ونزاعاتها السابقة على تكونها؟ للإجابة عنه يقول الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث، الحائز نوبل للآداب (1914-1998) معرفاً الثقافة: "تولد كل ثقافة من اختلاط البشر (أفراداً وجماعات) وتصادمهم فيما بينهم، ومن تلاقيهم على حد سواء. وبالمقابل، فإن انغلاقهم على أنفسهم يُفضي إلى اندثار الحضارات وزوالها".

في البداية، يحسن القول إن الثقافة، من حيث كونها "مجموعاً من المعارف المادية والأيديولوجية التي تغني النفس وتنمي الذوق والحس النقدي، وتجد لها متنفساً في أشكال تعبيرية خاصة" - وهي بالإجمال مكتسبة لا موروثة – هي أحد الحقوق الأساسية في شرعة حقوق الإنسان، الصادرة عام 1948، بعيد الحرب العالمية الثانية، والتي يتوجب على الدول والمؤسسات الحكومية أن تحث مواطنيها على اكتسابها وتنميتها في نفوسهم. وتنص المادة 27/1 من الشرعة على الآتي: " يحق لكل أن يشارك، ومن تلقاء نفسه، في حياة جماعته الثقافية، وأن يتمتع بالفنون، ويشارك في صوغ التقدم العلمي، ويتمتع بالخيرات الناجمة عن ذلك".

حق الثقافة

بيد أن إعلان فريبورغ، في السابع من مايو من عام 2007، يمضي بعيداً في هذا الشأن، إذ يجعل الثقافة حقاً قائماً بذاته، بما يعنيه من شمول الثقافة كل النشاطات الفنية والمعرفية المتاحة للفرد أو للجماعات، بالتالي تعتبر الحقوق الثقافية، مساوية بأهميتها باقي الحقوق، لكونها تعبيراً وافياً عن كرامة الإنسان وتفرده وهويته التي قد تمعن السلطات والحكومات في انتهاكها والتفريط بها، تغليباً لفئة حاكمة ومستبدة، في وجه فئة أو فئات محكومة وطالبة الحرية والنماء وتقرير مصيرها بنفسها، ولنا أمثلة كثيرة على انتهاك الحقوق الثقافية المتمثلة بحق التحدث باللغة القومية، ومنها حرمان الأكراد في بعض الدول العربية من التحدث بلغتهم دليل هويتهم، أو منع الأوكران في أوكرانيا السوفياتية من التحدث بلغتهم الدالة على هويتهم، ومنع الأتراك العرب الكتابة بلغتهم العربية، أوتدريسها لأجيالهم، في زمن الاستبداد العثماني، وغيرها من الأمثلة التي كانت سبباً مباشراً وغير مباشر في اندلاع الحروب والنزاعات ما بين الشعوب، وفي نشوء التوترات ذات الطبيعة الهوياتية.

والحالة هذه، كيف يمكن للثقافة، بمفهومها الشامل والمتضمن أبعاد الحقوق الثقافية والفنية، أن تعين المجتمعات المتحاربة على تجاوز نزاعاتها، ومداواة جراحها العميقة؟ للإجابة نقول إن طبيعة الثقافة والفنون المتجاوزة للحدود ومتعددة الرؤى، ونابذة للتعصب، ومفعلة لمخيلة المتلقي، ومحفزة له على الإبداع، إن ثقافة وفنوناً هذه طبيعتها وسماتها لن تكون إلا عامل سلام ومصالحة بين الشعوب والمتنازعة، ولن تكون سوى دافع إلى تحرر الفرد الفكري وإقباله على الإنتاج والإبداع في المجال المناسب له. وبالتأكيد، لا يصح أن تكون الثقافة والفنون، بكل رموزها وشخوصها وصانعي أمجاد الأمم والشعوب، نظير دوستويفسكي وغوغول وغوركي وسولجنستين وماياكوفسكي وغيرهم - على سبيل المثال - ممن باتوا أعلاماً إنسانيين، يقتدى بنظراتهم ورؤاهم الإنسانية والفكرية وإبداعاتهم الأدبية، موضع تحقير أو حجب أو إنزال من المكتبات لمصاقبة كونهم من الجنسية الروسية لحظة اجتياح روسيا الاتحادية لأوكرانيا، اليوم، في بداية العقد الثالث من القرن الواحد والعشرين! وقد تكون الأمثلة المقابلة وفيرةً أيضاً وجاهزة للإطلاق، على إيقاع الصواريخ القتالة السكان المدنيين والحمالة أحقاد المتسلطين والمتنازعين!

خطر الانغلاق

وما أخطر وأدهى من انغلاق الفكر الإنساني على وجهة واحدة، أو أيديولوجية مفردة، أو إطار جغرافي متجانس! ذلك أن فيه نهاية حتمية للحضارة، وتدميراً للحقائق المتعددة، وللواقع المعقد، على حد تعبير المفكر إدغار مورين. على أن المسؤولية في تجنيب الناس ويلات الانغلاق الفكري والاجتماعي والعاطفي إنما تقع على عاتق الحكومات وذوي السلطة والمتنورين من المفكرين والأدباء والباحثين، إن كان بقي للأخيرين من مكانة أو قدرة تقريرية في تكوين الرأي العام وتشكيل مناعته الفكرية التي تقيه من الانزلاق إلى الفتن والنزاعات المؤدية إلى دمار المجتمعات، على ما ذكرنا.

ولكن، كيف يمكن للفنون أن تسهم في نماء الفرد والمجتمع وفي تعبيره عن ذاته وتفكره في القضايا الكثيرة التي تشغله، وفي وقايته من الانزلاق السريع نحو النزاعات التي تعصف بمجتمعاتنا؟ للإجابة يحسن بنا العودة إلى أشمل تعريف للفنون، فهي "النشاط الذي يخاطب الحواس، والمشاعر، والحدوس، والذكاء، وينفرد الإنسان بإبداعه"، ويكون نتاجاً لمهاراته ومواهبه العالية، وتعبيراً عن رؤاه، ومعاناته، وأفكاره المكتسبة والعفوية. وعليه، فإن الفنون التي ازدادت عبر الزمن (الرسم، والموسيقى، والنحت، والرقص، والتصوير الفوتوغرافي، والسينما والتلفزيون، والأدب شعراً ورواية وغيرهما) بهذا المعنى ينبغي لها أن تحرر الفرد من انعزاله، وتشق له سبيلاً إلى التخيل البناء، بقدر ما تتيح له أن يعي واقعه، ويمنحه حرية التفكير في ذاته، وفي آخرين ممثلين في العمل الفني المنتج والمعروض أمامه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبهذا المعنى يبطل الفن أن يكون مجالاً للترفيه ولا موضوعاً للاستهلاك الرخيص، على نحو ما حذرت منه الفيلسوفة حنة آرندت في كلامها على أزمة الثقافة في الغرب، حين أشارت إلى التهديد الذي يمثله الفن الشعبي (بوب آرت) الأميركي الأصل، وفئة حديثي النعمة، لأن الأول، بنظرها يسطح العمل الفني، إذ يجعله في متناول كل الناس، سلعة سهلة التداول، والثانية لأنها تجعل الفن أو المنتج الفني (رسماً ونحتاً) أياً يكن ثمنه ملكاً لفئة دون أخرى، ومجالاً للمباهاة الفارغة. وفي هذا افتراق بل إنكار لدور الفن ووظيفته الأساسية التي تكمن في كشفه للفرد عن الحقيقة الممثلة في المنتج الفني، سواء أكانت حقيقة اجتماعية أو نفسية أو تاريخية أو غيرها. كما يكمن دوره في تربية نظر الفرد إلى الكائنات وأشكالها، وتنبيه حواسه، وتحفيز تفكيره على ارتياد آفاق جديدة، لا تحدها الأيديولوجيا، ولا تقوى البيئة الحاضنة على احتوائها أو قمعها. حسب الفن أنه يعلم الكائن، وهو المواطن الحر، حرية التفكير، ويطلق عنده ملكة التمييز بين الخير والشر، وبين الجميل والقبيح، وبين المفيد والمؤذي، وأنه يحثه على التحرر، وتحسين ظروف عيشه على نحو مطرد. وفي موازاة ذلك كله، يتعين على الفن أن يقترح على كل منا، نحن الواقفين على عتبته والمتأملين في جمالياته ومضامينه، دروباً وأنماطاً من التفكير خارج نطاق الكلام، وبما تعجز عنه كل أشكال التلقين والتعود وتداول المعارف التقليدية.

ونسأل: أي الدروب تسلك الحكومات والدول لتمكين الفنون في نفوس مواطنيها، وفي جعلهم يستثمرونها لبنيان شخصياتهم وتنمية مهاراتهم وتنبيه حواسهم على النحو الموصوف سالفاً؟ ولئن كان يصعب علينا الإجابة عن السؤال أعلاه، لحاجتنا إلى إحصاءات ودراسات ليست في متناولنا اليوم، فإن من الأكيد علمياً أن اشتغال الفرد، سواء أكان متعلماً أو مواطناً، بالفن، أو الشغف به ومحاورته، واستنطاقه، سوف يفتح له باب الإبداعية، قليلاً أو كثيراً. وإذ أدركت العديد من الدول المتقدمة، ومفكروها في المقام الأول، أن إبداعية المواطن هي المعيار الأول لنمائه وقدرته على الإنتاج والابتكار، جعلوا له الفن، بل الفنون مادة لتأمله واستبصاره وتفكره بذاته، وتفتق خياله، ووسيلة يعبر بها عن نفسه، ويتجاوز بها إطاره وزمنه الضيقين، إلى رحاب العوالم البعيدة والآفاق الإنسانية الممكنة والمستحيلة.

وفي الختام، لا يسعنا سوى التأكيد أن الثقافة والفنون والإبداعية الملازمة لهما كانت، وما زالت، محركة للحضارات، وأنه ينبغي لنا اليوم إعادة النظر بدور كل منها في إرساء خير الأنظمة وأكثرها حرصاً على كرامة الإنسان وحريته وانفتاحه على أخيه الإنسان، وتقدمه المشوب بالأزمات والمحن والارتكاسات.

المزيد من ثقافة