Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل الرجال والنساء على القدر ذاته من الفساد؟

رغم أن التعاملات اليومية تزخر بموظفات وعاملات وقياديات نالت منهن الجريمة فإن الأعمال غير النزيهة لا تزال تحمل وجهاً ذكورياً

تعجب المصريون من ضلوع اسم وزيرة الصحة في قضايا فساد (أ ف ب)

بين المرأة والرجل يدور عدد من الأسئلة، فمَن فيهما الأكثر اتباعاً لسياسة "الدرج المفتوح"؟ وأيهما صاحب الذمة الأكثر مرونة في ما يتعلق بقبول الهدايا في مقابل أداء خدمات؟ ومن يمتلك القدر الأكبر من القدرة على تطويع الضمير وترويض الأخلاق وتنويم الدين وإيقاظه بحسب الظروف؟ وهل الدول والوزارات والشركات والقطاعات التي ترأسها نساء أقل فساداً من تلك التي يرأسها رجال؟ هل الاعتقاد السائد والراسخ بأن النساء أقل ميلاً إلى الفساد والإفساد يعكس واقعاً وحقيقة؟ أم لا يزيد على كونه تنميطاً وتبسيطاً؟

الويزرة لا تفسد

بسطاء المصريين أعربوا عن تعجبهم من تردد أقاويل حول ضلوع اسم وزيرة الصحة والسكان هالة زايد قبل أسابيع في قضايا فساد. سبب التعجب لم يكُن إعجاباً بأداء الوزيرة بقدر ما كان دهشة حيال فساد سيدة. فالفساد في العرف الشعبي له وجه رجل، والصورة الذهنية للفاسد هي لرجل وليس امرأة. وعلى الرغم من أن المرأة أثبتت أنها إن أرادت، فهي لا تقل قدرة على الفساد والإفساد عن الرجل، ولنا في هدى عبد المنعم أو "المرأة الحديدية" التي استولت على أموال بالملايين، وشيدت عمارات غير مرخصة وباعتها، وزورت جواز سفر وهربت خارج مصر، قصة أقرب ما تكون إلى الخيال.

لكن الخيال الشعبي ما زال يرجح ذكورة الفساد. وحين أُعلن عن ضلوع طليق وزيرة الصحة وليس الوزيرة في قضية الفساد، لم يتعجب كثيرون. فالفساد بالضرورة يرتكبه رجال، والفاسد على الأرجح رجل وليس امرأة.

موظفات "الدرج المفتوح"

وعلى الرغم من أن التعاملات اليومية تزخر بموظفين، كما موظفات في مصالح حكومية يتّبعن سياسة "الدرج المفتوح"، وعاملات نظافة في بنوك يقايضن أرقام حجز الدور بمقابل مادي من العملاء، وعضوات لجان اختبار يحابين معارف ويسعين إلى تعيين الأهل والأحباب في مناصب يستحقها غيرهم والقائمة طويلة، فإن الفساد ما زال يحمل وجه رجل.

مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة يشير إلى أن هذا الوجه الذكوري للفساد سمة في كل دول العالم. دراسات ميدانية عدة أنجزها المكتب تشير إلى أن كثيرين في كل دول العالم يقولون إن النساء حتماً أقل فساداً من الرجال. صحيح أن النسب تختلف من دولة إلى أخرى، لكن الاتجاه العام هو أن الأخيرين أكثر استعداداً للفساد من الأوائل. وفي الدول التي وصلت فيها النساء إلى مناصب سياسية رفيعة، يقول البعض إنهم ينوون أو يودّون انتخاب امرأة في المناصب القيادية لأنهن أقل فساداً.

ماما ليست فاسدة

الإجابات البسيطة التي حصلت عليها "اندبندنت" لسؤال قوامه "هل يمكن أن تكون النساء قادرات على الفساد بالقدر ذاته كالرجال؟" يقول صبي في الـ15 من عمره "لا أعتقد أبداً أن ماما مثلاً يمكنها أن تتقبل عملاً يشوبه فساد"، وترى شابة في الثلاثين أن "الرجال أكثر قدرة على تطويع الأخلاق والذمم وجعل ’الهدية‘ في العمل نظير إنهاء معاملة أمراً عادياً ولا تشوبه شبهة أخلاقية، لكن المرأة تفرّق جيداً بين ما هو أخلاقي وغير ذلك". ويذهب رجل خمسيني إلى أن "قدرات النساء محدودة بشكل عام وهذا ينطبق كذلك على قدرتهن العقلية على تلقّي رشوة مثلاً أو مقايضة خدمة بخدمة". في النهاية، اتفقت الغالبية على أن الرجال أكثر ضلوعاً في الفساد.

مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة يشير في تقرير عنوانه "الوقت الآن: معالجة أبعاد الجندر في الفساد"، إلى أن غالبية الاحتفالات والممارسات والتنشئة الدينية والثقافية بما في ذلك قصص قبل النوم في كل أنحاء العالم تربط بين الأنوثة من جهة والنقاء والصدق والثقة من جهة أخرى. لذلك، تميل الغالبية إلى إبعاد النساء عن دائرة الفساد.

لكن علاقة المرأة بالفساد، حسبما يكشف التقرير، لها أبعاد عدة أهمها: عوامل انخفاض نسب الفساد في المجتمعات التي تحكمها نساء، وأثر الفساد في المرأة.

معاملات وفساد

أثر الفساد في المرأة بغالبية المجتمعات يختلف عن الرجل. فالأولى تجد نفسها عرضة لحوادث وأحداث الفساد أكثر من الأخير، لأنها من يرعى شؤون الأسرة أكثر، فمعاملات التعليم والصحة والخدمات العامة الأخرى تنجزها النساء أكثر من الرجال، وهي الخدمات التي يشيع فيها الفساد بشكل أو بآخر.

سمية سليمان (39 سنة) أم لثلاثة أبناء في التعليم المدرسي وهي كغيرها من ملايين النساء المصريات القائم بأعمال إنجاز كل ما يتعلق بتعليم وصحة وحتى ترفيه الأبناء. تتحدث عن "المصاريف الإضافية"، كما تسمّيها، التي تدفعها نظير إصدار مستخرجات شهادات الميلاد ونقل الأبناء من مدرسة حكومية إلى أخرى وتغيير عداد مياه البيت وإلحاق الصغار بفريق كرة اليد بعد إغلاق باب التقديم وغيرها كثير.

وعلى الرغم من خبرتها الطويلة في مجال "المصاريف الإضافية"، فإنها لم تفكر يوماً في "نوع" متلقي هذه المصاريف. في البداية، تقول "الموظف" وأحياناً "المرتشي"، لكن بعد سؤالها عن النوع، تقول، "يوجد رجال وكذلك سيدات. لا أستطيع القول إن الرجال أكثر فساداً من النساء أو العكس. لكن يمكنني القول إنهم أكثر مباشرة وصلفاً في طلبها، ومنهم من يلمح بتلميحات تتعلق بخدمات ذات طابع جنسي في المقابل".

الرشوة الجنسية

يشار إلى أنه في عام 2019، أدرج مقياس الفساد العالمي، وهو المؤشر الذي تنشره "منظمة الشفافية الدولية" سنوياً منذ عام 1995، للمرة الأولى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في باب "الرشوة الجنسية"، أي اشتراط تقديم "خدمات" جنسية في مقابل إنجاز أعمال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبحسب المنظمة، "فإن الرشوة الجنسية من أكثر أشكال الفساد القائمة على أساس النوع الاجتماعي أو الجنس بحيث الجنس بدلاً من العملات النقدية". وعلى الرغم من التغيرات الكبرى التي طرأت على مفاهيم الجنس والنوع والجندر، فإن هذا النوع من الفساد ما زال يطال المرأة بشكل خاص كشرط لتلقّي الخدمات، بما في ذلك الصحة والتعليم. ويشار إلى أن نتائج استطلاع أجرته "منظمة الشفافية الدولية" في ثلاث دول عربية عام 2019 هي لبنان وفلسطين والأردن وجد أن "واحدة بين كل خمسة أشخاص تتعرض أو تعرف من تعرّض للرشوة الجنسية في مقابل الحصول على خدمات حكومية".

المرأة لاعب رئيس

وإضافة إلى الضرر الكبير المباشر الواقع على النساء في هذا الشأن، وعلى الرغم من أن الفساد يضر بالجميع، إذ يضعف الثقة بالمؤسسات ويقوّض الديمقراطية وأسس الاقتصاد الفاعل، فإن المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة غادة والي تقول إن "الفساد يؤثر في النساء والرجال بطرق مختلفة"، مشيرة إلى أن "نتائجه غالباً تجعل المرأة أكثر ضعفاً، ما يسهم في إبعادها عن أدوار اتخاذ القرار ويحدّ من فرصها في التقدم على الصعيدين التربوي والاقتصادي".

والي، التي كانت تتحدث أمام الدورة التاسعة لمؤتمر الدول الأطراف فى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي عُقدت في شرم الشيخ قبل أيام، تناولت كذلك الدور الذي يمكن أن تلعبه النساء في مواجهة الفساد الذي يهمين عليه الرجال في دول العالم.

يطغى الذكور على شبكات الفساد، هذا ما يؤكده "مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة". ففي البلدان التي ينتشر فيها الفساد، غالباً يتم استبعاد النساء من هذه الشبكات المترابطة التي يهيمن عليها الذكور ويستفيد منها الرجال من خلال أعمال الفساد والسيطرة على عمليات التوظيف، ما يقلّص فرص المرأة في الوصول إلى المناصب السياسية واتخاذ القرار.

نساء بلا رحمة

لكن يبدو أن قرارات تمكين النساء وحمايتهن من شأنها أن تكون أداة إضافية من أدوات مكافحة الفساد. وتشير المنظمة الأممية إلى أن "الفساد الذي يعمق عدم المساواة بين المرأة والرجل يسبب كمّاً كبيراً من الإحباط للنساء، وهذا يجعلهن محاربات شرسات له حال تمكينهن".

الطريف أن الباحث في "معهد سي إتش آر ميشلسون" النرويجي المعني بالدراسات التنموية فردريك بوهيم ذكر في دراسة له عنوانها "هل الرجال والنساء على القدر ذاته من الفساد؟" (2015)، أن "سائقي سيارات الأجرة في بيرو يخشون من نساء المرور، مقارنة برجال المرور. ويقول أحد السائقين إنه كان من السهل من قبل أن يقنع السائق رجل المرور بالتغاضي عن خرق لقانون السير في مقابل مبلغ من المال، أما النساء فلا رحمة لديهن".

بوهيم يؤكد في دراسته أن الفساد موجود لدى الجنسين، لكن قولاً واحداً هو أن المرأة أقل فساداً من الرجل. وهو يؤيد التفسيرات الشائعة بأن النساء بطبيعتهن أقل أنانية وأكثر ميلاً للخير وإيثاراً للآخرين، كما أن غالبية النساء أمهات بالفطرة. والغالبية المطلقة من النساء يربّين أبناءهن وبناتهن على القيم والمبادئ القويمة وهذا يجعلهن النوع الأقل فساداً من حيث الاقتراف لكن الأكثر تعرّضاً له، لا سيما حين يتعلق الأمر بـ"الرشاوى الجنسية".

مؤتمر شرم الشيخ تعرّض لهذا النوع من الفساد ونبّه الخبراء إلى أن كثيرات من النساء والفتيات لا يدركن أنهن يتعرّضن لهذا النوع من الفساد، وأن الرشاوى الجنسية خطر حقيقي له آثار جسدية ونفسية واجتماعية واقتصادية تدوم مدى الحياة.

هن الأقدر على المواجهة

حياة النساء وقدرتهن على مواجهة الفساد عموماً، والجنسي خصوصاً، يمكن أن تتحسن كثيراً، لا سيما في الدول النامية التي تميل ثقافتها إلى المحافظة بترسيخ تعليم النساء. فالتعليم أداة مساواة وتمكن اقتصادي وكلاهما أساسي في معالجة الجوانب المتعلقة بالنوع الاجتماعي للفساد. وهذا من شأنه أن يقلل كثيراً من هذه الآفة، ويفضح الفاسدين وينهي أسطورة أن الفساد شر لا بد منه.

شرور عدة تجتاح العالم، لكن شر إقصاء النساء عن المناصب القيادية يؤدي إلى هامش أكبر من الفساد. البنك الدولي في تقرير له عنوانه "الجندر والفساد" صدر في مارس (آذار) الماضي يلفت إلى أن مؤشرات الفساد في الدول التي تحكمها نساء أو توجد في حكوماتها نسبة كبيرة منهن أقل بكثير من الدول التي تغيب فيها النساء القياديات أو يختفين تماماً. لماذا؟ لا لأن النساء منزهات عن الفساد تماماً، ولكن لأن الدول التي تفسح المجال لهن للوصول إلى مناصب قيادية، دول لديها أدوات حوكمة ديمقراطية مثل الإعلام الحر وسيادة القانون وانتخابات حرة ونزيهة.